
“أتَوضأ بالدّم”
بينما تُجفف الشمس أشعّتها عني، يَتجمد الفم في صمتٍ ضائع، وكلّي في نعمتك، يا رب، أستظلُّ بظلال الليل. الليل الذي يقشِّرني كقشرةٍ رقيقة، بينما يشرب الدفء من عروقي كأنما يسلبني قوة الإيمان.
أي يأسٍ قد حرّرني من خيوط حياتي أو قبضة الموت، بينما تنهش فيّ براثن الشهوة الخالصة.
صوتي يغتالني، وكل المحيطات تَغتَسلُ من غريزتي، ترتشفُ من زخم المشاعر الجياشة، والبحار تنبُع من أطراف شِفاه الحرف، تندمج كأنها تلد صوت الوطن.
كلما قبضت على هذا الكون، كانت يدي تغوص في رغوةٍ وجفاء، تُزهر الكلمات تحت أطراف أصابعي، لعلني أستطيع أن أقتلعها من جذورها، إلى أن يأتيني نحيب الوطن يأمرني بأن أتوضأ بالدّم خمس مرات، كلما ذَكَرتُ اسم بلادي.
إنني أتعثر في متتالية من الحسرات، غارقة في عيني، أوراق الزيتون التي تقسو عليّ، تكوي وجهي وجنبي، وتُلقي بي في جبال الموتى، تراقبني بالضغائن المسنّنة، تخبرني أنني لم أكن سوى نشارة أزمان الحثالة. رضوخٌ، رضوخٌ، كل ما في الوجود حيّ إلا أنا، وحيدًا، كحطب الشتاء يُثرثر في فمي.
تفرّ دمعتاي، يصدح الصوت كزلزلة قبري، وتبدأ الطرقات بالازدحام بالتعب، بينما تنادي الحرائر في صرخات مكتومة: “لا تُنادي، يا ابنة أُم، لا تسألي أين العرب؟”، وكأن السؤال قد أصبح جرحًا نازفًا لا ينتهي. كأنما نداء الذاكرة يتحدى الزمن، فتظل الحقيقة أسيرة، تطاردني كلما أردت أن أكون.
أعوم في هذه الكلمات، في رماد الوجع، وأنا مُصمّم على أن أتوضأ بالدَم، أُقدس لحمي الذي يُزهق، بدماء تعكس ألوان الأمل والحنين، لعلي أستطيع أن أبعث الحياة في هذا الضمير الميت.
ـــــــ
محمد خالد النبالي
خاصية التعليق غير مفعلة - يمكنك المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي