أحد أبرز مفكري كوسوفا
الأستاذ الدكتور إبراهيم روغوفا – رئيس دولة كوسوفا
تاريخ من الشرف وحياة وطنية مهيبة
(1944 – 2006)
بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: [email protected]
مقدمة
في ذكرى رحيل الرئيس التاريخي لجمهورية كوسوفا، الأستاذ الدكتور إبراهيم روغوفا (21 كانون الثاني/يناير 2006)، تعود الذاكرة الجماعية للشعب الألباني ولأصدقائه الدوليين إلى شخصيته بوصفه رمزًا للحكمة السياسية، والمقاومة السلمية، والرؤية الثقافية العميقة. لم يكن روغوفا مجرد قائد سياسي، بل كان مفكرًا وباحثًا أسّس مشروع استقلال كوسوفا على ركائز الثقافة والهوية والدبلوماسية.
لقد تجاوزت أعماله وشخصيته حدود كوسوفا والبلقان، لتصبح موضع اهتمام وتقدير في العالم العربي أيضًا. ويُعدّ المقال الذي نُشر في الصحيفة المصرية الحياة بتاريخ 30 كانون الثاني/يناير 2005، بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، شاهدًا واضحًا على أن روغوفا قد قُدّم بوصفه قائد المرحلة الجديدة، و”غاندي البلقان”، والشخصية التي استطاعت توحيد شعبها حول مثال الحرية. ويؤكد هذا أن تأثيره لم يكن محليًا فحسب، بل دوليًا، إذ وضع كوسوفا على خريطة الاهتمام الأكاديمي والسياسي والثقافي في العالم العربي.
إن إحياء ذكرى روغوفا في هذه المناسبة لا يُعد مجرد فعل تكريمي، بل هو عودة إلى جذور فلسفة سياسية رأت في السلام أقوى وسيلة لتحقيق الحرية. وسيظل روغوفا شخصية خالدة في ذاكرة الأمة، ونموذجًا نادرًا للقيادة الأخلاقية في أزمنة الأزمات.
سيرة إبراهيم روغوفا
• الميلاد والنشأة: وُلد في 2 كانون الأول/ديسمبر 1944 في قرية تشيرتسه التابعة لمدينة إستوغ. وقد أُعدم والده وجده على يد الشيوعيين اليوغوسلاف عام 1945، مما طبع طفولته بآلام الفقد والتضحية.
• التعليم: أنهى دراسته الثانوية في مدينة بيّا عام 1967، والدراسات الجامعية في بريشتينا عام 1971. أمضى سنتي 1976–1977 في باريس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا تحت إشراف رولان بارت. نال درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة بريشتينا عام 1984.
• المسيرة العلمية: عمل باحثًا في معهد الدراسات الألبانية، ورئيسًا لتحرير مجلة بحوث ألبانية. ألّف عشرات الكتب والدراسات في مجال النقد الأدبي.
• القيادة السياسية: انتُخب رئيسًا لاتحاد كتّاب كوسوفا عام 1988، وأسّس وترأس رابطة كوسوفا الديمقراطية عام 1989. وفي عهده أُعلنت وثيقة الاستقلال (1990) ودستور كاتشانيك (1990).
• الرئاسة: انتُخب رئيسًا لجمهورية كوسوفا عام 1992، وأُعيد انتخابه عام 1998، ثم بعد الحرب عام 2004، وبقي في منصبه حتى وفاته في 21 كانون الثاني/يناير 2006.
روغوفا كمفكر وقائد
لم يكن روغوفا سياسيًا فحسب، بل كان أيضًا مثقفًا وباحثًا. فقد أدرك أن الهوية الوطنية لا يمكن أن تُبنى على السياسة وحدها، بل تحتاج إلى أساس ثقافي وعلمي متين. ومن خلال أعماله الأدبية ونقده، أسهم في ترسيخ تقاليد الأدب الألباني وربطها بالنظريات الأوروبية الحديثة.
وفي المجال السياسي، تميّز باستراتيجية المقاومة السلمية، ما أكسبه لقب “غاندي البلقان”. واستطاع أن يوحّد الشعب الألباني حول فكرة الاستقلال، متجنبًا الصراعات الداخلية، وموجّهًا كوسوفا نحو الغرب.
تأثيره في الحياة الفكرية والعلمية والسياسية والدبلوماسية والثقافية
• فكريًا: أكّد دور الكتّاب والباحثين بوصفهم حَمَلة الهوية الوطنية.
• علميًا: أسهم في تطوير النقد الأدبي الألباني وتعزيز الدراسات الألبانية.
• سياسيًا: بصفته زعيم رابطة كوسوفا الديمقراطية ورئيس الدولة، أسّس المطالبة المؤسسية بالاستقلال والديمقراطية.
• دبلوماسيًا: نجح في كسب دعم الولايات المتحدة وأوروبا لقضية كوسوفا.
• ثقافيًا: نظر إلى الثقافة بوصفها حجر الأساس في بناء الدولة، وعمل على إبراز رموز داردانيا والتراث التاريخي.
الجوائز والتكريمات الدولية
نال روغوفا العديد من الجوائز المرموقة، منها جائزة السلام من مؤسسة “بول ليتزر” (1995)، والدكتوراه الفخرية من جامعة السوربون (1996)، وجائزة “ساخاروف” من البرلمان الأوروبي (1998)، إلى جانب ألقاب فخرية من مدن وجامعات أوروبية عديدة. وبعد وفاته، مُنح لقب “بطل كوسوفا”.
تقييمات الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي للرئيس إبراهيم روغوفا
• “كان روغوفا قائد المرحلة الجديدة” – يصفه الدكتور إسماعيل بأنه الزعيم الذي أدخل روحًا سياسية وثقافية جديدة إلى كوسوفا، موجّهًا إياها نحو الديمقراطية والاستقلال.
• “كان شخصية معروفة في الأوساط السياسية المحلية والدولية” – تقدير لمكانته العالية وكفاءته الاستثنائية في الحياة السياسية والعلمية والأدبية.
• “نجح روغوفا في توحيد الشعب الألباني من حوله” – إشادة بقدرته على التعبئة وإدارة الأزمات بحكمة سياسية.
• “كان رائد المقاومة السلمية” – يضعه الدكتور إسماعيل في مصاف القادة الذين اختاروا السلام استراتيجية، ومنحه لقب “غاندي البلقان”.
• “يبقى روغوفا علامة فارقة في الحياة السياسية لكوسوفا” – خلاصة تؤكد دوره جسرًا بين التاريخ القديم والحديث، ورائدًا لنهضة جديدة في مختلف مجالات الحياة.
خاتمة
يبقى الأستاذ الدكتور إبراهيم روغوفا واحدًا من أكثر الشخصيات إشراقًا في التاريخ الألباني المعاصر. فحياته، التي اتسمت بالتضحية الشخصية، والدراسة الأدبية العميقة، والقيادة السياسية الحكيمة، تشكّل شهادة حيّة على قوة الفكر والثقافة في بناء الدولة. لقد جمع بين دور المثقف والسياسي، وجعل من الثقافة والدبلوماسية عنصرين لا ينفصلان عن مشروع استقلال كوسوفا.
وعلى الساحة الدولية، عُرف روغوفا بوصفه قائدًا اختار السلام بدل العنف، والحوار بدل الصراع، والثقافة بدل الدعاية. وتشهد الجوائز والتكريمات التي نالها من أوروبا والعالم على الاحترام الذي حظي به لنهجه القائم على الحكمة. أما في العالم العربي، فقد وُضع روغوفا في سياق أوسع، بوصفه رمزًا عالميًا للمقاومة السلمية والكرامة الوطنية.
واليوم، في ذكرى رحيله، يُستحضر روغوفا لا بصفته أول رئيس لكوسوفا فحسب، بل بوصفه المفكر الذي نظر إلى السياسة كفن للثقافة والدبلوماسية. وسيظل جسرًا بين التقليد والحداثة، وبين كوسوفا والعالم، وبين الذاكرة التاريخية وتطلعات المستقبل. إن إحياء ذكراه دعوة للحفاظ على قيم السلام والثقافة والوحدة التي جسّدها في حياته وأعماله.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]

















