حوار مع روان شقورة
1- نحن نعلم ميلاد الخطيب في لبنان وهو فلسطيني الهوية، فهل ترى أن الوطن هو الجذر والهوية أو المكان الذي يولد فيه الإنسان؟
• الفلسطيني ومفردة الوطن توأمان، فأينما وُجد وكيفما نوقِش يكون الوطن هو المحور الأهم في الحديث، حتى أنه بالإمكان استخدام عبارة متلازمة الوطن لدى شريحة من الفلسطينيين، ولكن بما أن السؤال موجّه لي شخصياً، فأنا لدي إشكالية مع مفردة الوطن، تفرحني حيناً وتغضبني أحياناً، وفي كل الحالات تترك في نفسي عقدة الوطن. فلشدّة حاجتي للوطن، ولصعوبة أن يكون لي وطن، بمعني أن أكون في وطني، أصبحت غريباً، ولدي حساسية من هذه المفردة. وفي الواقع، كان يمكن أن أجيبك بسرعة وأريح نفسي وأقول إن الوطن هو الجذر والهوية، أو أنه المكان الذي يولد فيه الإنسان. ولعلك لاحظت عدم إجابتي الصريحة، لأن الوطن في داخلي تجاوز مسألة الهوية أو المكان، ولامس جوهر الحلم. أنا لم أختبر إحساس المواطن في وطنه، لكنني اختبرت حاجتي الماسة للوطن، حاجة روحي ونفسي وعمري وكياني، ولا أستطيع أن أتخيل ردة فعلي حين يُكتب لي أن أزور وطني، لا أعرف على الإطلاق، هل سأحضنه دفعة واحدة وأُجنّ، أم سأرتجل قصيدة، أو أرقص أم أبكي أم أركض بأقصى سرعة، لا أدري، لكنني أدري أن اللحظة ستكون أشبه بالمعجزة التي قد تتجدّد فيها خلاياي وأُخلق خلقاً جديداً..لا أدري إن كنت قد أجبت..
2- نحن نعلم أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قائم على الأرض المتمثل بالإقليمي الفلسطيني والوجود المتمثل بالإنسان الفلسطيني، وبعد النكبة والنكسة تهجر وتشتت الفلسطيني من الإقليم في بقاع الأرض، فصار لديه حالة من التيه والضياع، فهل هذا التيه قابل إلى الإزالة بالوجود الحقيقي للمفقود في الوقت الراهن؟
• أعتقد أننا ما زلنا في المتخيّل والفرضيات من دون أدلة واضحة، والسؤال يحمل فرضية الوجود الحقيقي للمفقود في الوقت الراهن، أي، كما أفهم من حديثك، عودة الوطن إلى الإنسان المشرّد أو العكس. وإجابتي ستقفز عن اللغة الإنشائية والشعاراتية نحو الواقع والحقيقة، لأن عودة الوطن لن تكون مجرد عودة جبال وبحر وأنهار وبساتين وبيوت، إنما هي عودة إلى الإنسان، إلى المجتمع. سأقدّم لك مثالاً، أنا ولدت في مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ودرست حتى الثانوية العامة، ثم خرجت للدراسة والعمل، فانقطعت علاقتي بالمكان والناس، وحين عدت بعد أربعين عاماً، وجدتني غريباً بين قومي، وبين أبناء الوطن الأصليين، ووجدت صعوبة في التّأقلم من جديد، واضع اللوم على نفسي لأنني أنا الذي تغيرت. فإذا كان هذا الحال مع عودتي من الشتات إلى الشتات فكيف ستكون عودتي من الشتات إلى الوطنّ! لهذا سأجد نفسي أمام ورطة وجودية حين أزور الوطن، وأكون فيه للمرة الأولى. وهذا لا يعني قلة وطنية أو إدمان المنفى، لكن الأماكن تترك بصمتها على جلودنا سلباً أو إيجاباً، ولا أدري إن كان بالإمكان إزالة التيه أمام وجود الوطن! واقول بسرعة إن الوطن قادر على إزالة التيه ولكن مع شيء من المعاناة، أقول هذا، لأن التيه علّمني ألاّ أكون حالماً بينما وطني في داخل كالحلم.
3- هناك عدة تقنيات في السرد الروائي للراوي، فهناك الراوي العليم مجازاً أي الله الذي يعلم ما يحدث وما سيحدث، وهناك الراوي الغائب الذي يترك المساحة لشخصياته لتتحدث وإظهارها بضميرها ومكنوناتها الشخصية، وهناك الراوي المتكلم الذي يُقحم نفسه بين سطور الراوية ونجد صداه في الشخصيات المسرودة، فأي التقنية يستخدم الأديب أنور الخطيب في سرده؟
• أكاد أستخدم كل تلك التقنيات، وقد فعلت ذلك في رواياتي، وربما استخدم كل تلك التقنيات في رواية واحدة كما حصل في رواية رقصة الفيلسوف، الرواي تحدث عن الشخصية الرئيسة، وهذا بدوره تحدّث عن نفسه، وفي الحالتين أقحمت نفسي في تشكيل الرؤى ونقل الأحداث، فشخصية الفيلسوف الراقص بين الأيديولوجيات والأديان لا يمكن تركه يتحدّث من دون تدخّل الراوي، لا سيّما حين يروي أحداثاً كأحداث (الربيع العربي) وتورّطه مع المتطرفين. ومن جهة أخرى، لا بد للرواية أن تكون مثقفة، بمعنى أن تقول الحقيقة من خلال المعارف ذات الصلة بموضوع الرواية. واستخدمت أكثر من تقنية أيضاً في رواية الكبش التي صنّفها النقّاد على أنها سريالية، بينما كانت رمزية إضافة إلى سرياليتها، وواقعية لأنها لامست التاريخ من خلال الأسماء. وهكذا فعلت في رواية فتنة كارنيليان، مع الاعتراف بأنني قدت الشخصيات إلى الفكرة التي افترضتها، وهي فكرة الوطن ومن هو المواطن الحقيقي، والصراع العاطفي بين طرفي الصراع.
4- العقاد صرح في حواره مع المذيعة أماني بأنّ الحرب مفيدة فهي تخلصنا من الضعيف، وتُعيد بناء الوجود الحياتي، فلذلك يرى أن الحرب ضرورة، فإلى أي مدى جانبه الصواب والخطأ؟
• العقاد كما يبدو متأثر بالعقل الإسبارطي الذي يمجّد القوّة، ويبدو أنه، لو عاش إلى يومنا هذا، سيؤيد بيل غيتس في نظرية المليار إنسان، وقد يؤيد المستعمرين الذين لجأوا إلى القوة لإخضاع الشعوب الأخرى. وفي الواقع، هذه ليست نظريته، فقد قالها إبن خلدون في مقدمته حين تحدّث عن الحضارات، فألّف بين الأقوى والأصلح للحفاظ على الحضارات، وفي كل الأحوال لست أؤيده في ضرورة الحرب، لأن البشرية، حتى يومنا هذا، تحل مشاكلها بالحروب، وفي الواقع، لم تحل أي حرب أي مشكلة على مدى التاريخ، بل بالعكس، الحرب تخلق المشاكل وإن اعتقد القادة أنهم قدّموا الحلول. أما الضعيف فسينتهي بحرب أو من دون حرب، إذا كان المعيار مادياً. فإذا كان قول العقاد صحيحاً، فالعرب اليوم أضعف شعوب الأرض!
5- هل يستطيع الكاتب سواء أديب او شاعر أن ينفصل عن ذاته حينما يكتب؟ وهل اقحام الذات يُبعد العمل عن موضوعيته؟
• الكتابة هي عملية تفريغ الذات من حمولاتها العاطفية والفكرية والحماسية والوطنية وتفاعلاتها مع الآخر الفردي والمؤسساتي، الكاتب لا يكتب أطروحةً أو بحثاً، لذلك، إن معيار الموضوعية غير وارد في العملية الإبداعية إلا ضمن حدود قد تكون في السرد أكثر من الشعر. وأود الإشارة إلى أن وصف الأدب بالذاتي لم يعد وصفاً سلبياً، لأن الأدب في الأصل ذاتي، وأجمله ما شاكس الذات وجعلها تدلق ما فيها من متناقضات وانسجامات، إذ كلما كان الأدب ذاتياً كان صادقاً، وتعريفي واضح للأدب الذاتي، وهي مجموعة معارف وخبرات ومواقف الكاتب.
6- قرأت أشعار الخطيب مرة تلو الأُخرى؛ لفيضان الدلالي للمعنى، وعلى الرغم من ذلك وجدت الأبحاث العلمية تنصب على روايات الخطيب، فهل ذلك قصور في الرؤية أم غلبة الجنس الروائي على الأجناس الأدبية في العصر الراهن؟
• لقد تم إنجاز رسالة ماجستير عن أشعاري في جامعة في قطاع غزة، وهناك رسالة دكتوراه في طور الإنجاز في الجامعة اللبنانية في لبنان، وهناك بحوث جامعية أيضاً عن أشعاري، وباقي الرسائل الجامعية كانت في الروايات، لهذا، فإن ما تم ليس قصوراً في الرؤية إنما هو ميل الباحثين وأساتذة الجامعات المرشِّحين لأعمالي. وقد أوافقك الراي في أن الرواية في عصرنا الراهن أخذت مساحة أكبر من الشعر في الاهتمام، إن كان على صعيد النشر أو تخصيص الجوائز الأدبية، أو إقبال القراء، حتى أن بعض الناشرين توقّف عن نشر الشعر بسبب عدم وجود (سوق) ثري، وفي الواقع الناشر هو الذي يصنع السوق عن طريق التسويق، وهذا ليس موضوعنا. وأنا هنا أحاول معك إيجاد إجابة لفرضيتك الحقيقية، فالإقبال على الرواية نشراً ودراسةً أكثر بكثير من الإقبال على الشعر، وأود القول إن المعارك التي تدور حول الشعر والتجريب الذي يخضع له الشعر، واستسهال كتابة الشعر، حديثه وعموده جعل الدارسين يعرضون عنه، إلا إذا تلمّسوا تميّزاً وفرادة عند أحدهم. وفي النهاية تبقى الأسباب واهية في تفضيل الابحاث العلمية للرواية واستبعاد الشعر.
7- حينما وقفت على عنونة رواياتك (رائحة النار، صراخ الذاكرة، الأرواح تسكن المدينة، رحلة الجذور) لاحظت الأثر سمة واضحة، فالنار رائحتها أثر عليها، والارواح أثر على الوجود الجسدي؛ والذاكرة تستدعي الماضي بالصراخ، ورحلة الجذور تستدعي البحث عن أثر التاريخ، فلما هذا الأثر الحزين الصارخ الباحث عن الوجود في كتابات أنور الخطيب؟
• وهناك روايات رقصة الفيلسوف وفتنة كارنيليان وناي على جسد وشوق مزمن، إضافة إلى ما ذكرت، وجميعها تبحث عن الوجود، أولاً: وجود أنور الخطيب، واذكر في هذا السياق أن الدكتورة ربى سابا حبيب، الشاعرة والناقدة اللبنانية الكبيرة، اصدرت كتاباً بعنوان: (أنور الخطيب: الشعر فعل وجود). هذا لربط الشعر بالروايات التي ذكرتِها. أنا أبحث عن أنور الخطيب، وهي مهمة صعبة للغابة، أبحث عنه كغريب ولاجئ ومُبعد ومن دون بيت ووطن، وأبحث عنه في السياق السياسي والفكري والتراثي والعاطفي، وللأسف فإن نسبة عثوري على أشياء تستحق التسجيل كانت قليلة. ما أود قوله هو أن الكاتب الفلسطيني أكثر من غيره في بحث دائم عن ذاته، عن ماهيّته، عن هويته، عن تحديد اصدقائه وأعدائه، وأحيانا يبحث عن المقدّس وفيه. وهذه العملية مؤلمة جداً، إنها كرائحة النار، ورحلة الجذور، وصراخ الذاكرة، وهي كالأرواح وهي تسكن المدينة. ووجود هذا الأثر الصارخ ناتج عن معاناة صارخة، بعضها تم التعبير عنه، وبعضها في باطن البركان.
8- عرّف غريب عسقلاني القصة القصيرة بأنّها رشقة سكين، فما هي الرشقة التي يريد إيصالها الخطيب من القصص القصيرة(الخازوق، المزايدات)؟
• رحم الله الكاتب الكبير غريب عسقلاني. قبل احترافي لكتابة الرواية، احترفت كتابة القصة القصيرة، وفزت بالمركز الأول في مسابقة غانم غباش للقصة القصيرة، التي يشرف عليها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، كان ذلك في أوائل التسعينيات، هذا يعني أنني ابتعدت عن إصدار مجموعات قصصية منذ ذلك الزمن، لكنني أعوّضها في الرواية، التي أعتبرها مجموعة من القصص القصيرة بشكل أو بآخر. وحين أتذكر انهماكي في كتابة القصة القصيرة، أتذكر كم كنت مغامراً ومندفعاً إن كان في التجريب القصصي أو موضوع القصص، التي كانت بالفعل رشقات بالسكّين. كنت أحاول توصيل عذاباتي ومعاناتي وهواجسي وتساؤلاتي، وقد كتبت أكثير من خمسين قصة قصيرة تناولت تلك المحاور. واشتاق لكتابة هذا النوع الأدبي، وكتبت قبل عام تقريبا ثلاث قصص قصيرة، رشقات جديدة بسكين أحدث..
9- لاحظت أن الأساطير، الخرافة، المعجزة، أمر غالب على بعض الروايات (المندل، مس من الحب، سماء سابعة، المدثر، ابابيل) فهل كان ذلك نتيجة عجز الراوي السارد عن معالجة الأمر بالفكر والمنطق؟
• أنا لست على وفاق مع المدرسة الواقعية في الكتابة الروائية، وأميل إلى الرمزية والسوريالية، وإن شئت الواقعية الحلمية، كما تُسمى أعمال ماركيز. وأخشى أن رواياتي لا تتضمن الخرافة أو الأسطورة للمعالجة الموضوعية، وقد استخدم الواقعية الحلمية لألفت الانتباه إلى خطورة المشهد وفداحة السلوك. نحن الروائيين لا نستخدم المنطق في الكتابة الروائية، لأننا نعتقد أن المنطق غائب عمّا يدور ويحدث في الحياة العادية والمعيشية، فأين المنطق في تشرّد الفلسطينيين لأكثر من سبعة عقود ونصف من دون إيجاد حل (منطقي) لقضيتهم السياسية والإنسانية، بل أين المنطق في تدمير قطاع غزة والتنكيل بشعبه وإذلالهم، واين المنطق في بقاء العرب في الدرك السفلي من الحضارة والتطور والتكنولوجيا، واين المنطق في تدريس تاريخنا على أنه ناصع البياض ونموذج للأجيال. والروائي يسعى إلى توصيف المشهد بلغة فوق الطبيعة ليلفت الانتباه للكارثة. وهناك نقطة أخرى تتعلق باستخدام الأسطورة بوصفها تثري الرواية وتمنحها بعداً إبداعياً وجمالياً ومعرفياً.
10- سعدت بحوارك يا ابن جلدتي، ودعني أسألك أخيراً عن أمانيك القادمة بالحياة؟
• وأنا أيضا سررت بهذا الحوار المختلف يا ابنة وطني، وأحلم دائما بوطن على مقاس أحلامي بعد هذه السنوات من التشرّد والضياع، وأتمنى نشر أشعاري ورواياتي في مجلدات كي يتسنى للقراء الاطلاع عليها في مكان واحد، لأن دواويني وأشعاري كواقعي السياسي، منشورة في أكثر من دار نشر وأكثر من عاصمة، داعيا لك ولأسرة تحرير المجلة التوفيق.
الشاعر أنور الخطيب لمجلة أزهار الحرف حاورته من فلسطين روان شقورة
حوار مع روان شقورة 1- نحن نعلم ميلاد الخطيب في لبنان وهو فلسطيني الهوية، فهل ترى أن الوطن هو الجذر...
اقرأ المزيد

















