قراءة نقدية أسلوبية في قصيدة (المطر)– للشاعرة : عطايا الحمداني – العراق .
قصيدة /المطر/ للشاعرة عطايا الحمداني تتسم بالعاطفة العميقة والصور الشعرية الغنية التي تتنقل بين الأمل، الحلم، والانتظار، وهي تمزج بين الطبيعة والتجربة الإنسانية لتخلق حالة من الرؤية الرمزية والوجدانية. القصيدة، كما يلوح من عنوانها، تدور حول المطر الذي يُعتبر عنصرًا مركزيًا يحمل العديد من الدلالات، بداية من التجدد إلى الحنين والذكريات. نستعرض في هذا التحليل الأسلوبي العناصر البلاغية والرمزية التي تجعل النص مليئًا بالصور العاطفية والوجدانية.
- الصور البلاغية والرمزية:
القصيدة مليئة بالصور الشعرية التي تربط بين الطبيعة والمشاعر الإنسانية. على الرغم من أن المطر يشكل العنصر الرئيسي في النص، إلا أن الشاعرة تستفيد من التفاعل بين العناصر الطبيعية والمشاعر المتناقضة التي تعيشها الذات.
/خائفة غيمات الشتاء/: الشاعرة تبدأ القصيدة بصورة من الخوف والتوتر، حيث يتم تصوير الغيوم ككائنات حية تخاف وتترقب الرياح، مما يعكس حالة من القلق أو التوجس.
/تترقب الريح وصفيرها الطاعن بخاصرة المطر/: الرياح هنا تحمل صفة /الطاعن/، ما يعكس تأثيراتها السلبية أو المؤلمة على المطر. الوصف العنيف يعكس التوتر الذي يرافق اللحظات التي تسبق حدوث المطر.
/تتوعد الشتاء برعود وميضها يشق المحال بعصا الأماني/: هنا يبرز استخدام الاستعارة، حيث يُصوَّر الرعد كـ /عصا الأماني/، مما يعكس فكرة الأمل والانتظار الذي قد يكون قوياً، لكن من دون ضمان حقيقته. ربط الأمل بالعاصفة يعكس الأمل الذي يعترضه الشك والتحديات.
/تغرق حقول البنفسج/: البنفسج، الذي يعد رمزًا للسلام والهدوء، يُغرق هنا في المطر، مما يعبّر عن تأثيرات الأحداث العاطفية الثقيلة على المشاعر الهشة.
/تتودد السلام تمد يداها/: صورة السلام التي تمد يدها هي رمز للاحتواء والعطف، وتُظهر رغبة الذات في العودة إلى حالة من الهدوء والطمأنينة بعد العاصفة.
/الشبابيك وموسيقى زخات المطر/: الشاعرة تستخدم الصورة الحسية هنا لإضافة بعد صوتي للمطر، مما يعزز تأثيره العاطفي على الذات.
- التأمل والرمزية:
القصيدة تنطوي على تأملات داخلية في الحياة والأمل والفقد، وهي تسلط الضوء على العلاقة بين الذات والطبيعة.
/أغمض عيني وارتقب الحلم/: هنا نجد الذات تبحث عن الخلاص أو الفرج في الحلم، وتُظهر هذه اللحظة رغبة في الهروب أو الانسحاب إلى عالم داخلي بعيد عن الواقع.
/نثيث يلامس وجهي/: /نثيث/ تعني القطيرات أو الأجزاء الصغيرة، وهذا يرمز إلى الأمل أو الحلم الذي يأتي تدريجيًا وغير مكتمل، ولكنه يحمل تأثيره على الذات.
/أجمع قطرات المطر في قارورة الفصول/: المطر هنا يُجمع ويُحفظ في قارورة الفصول، وهو ربما يشير إلى محاولة الحفاظ على الأمل أو اللحظات السعيدة، واحتجازها في الذاكرة لمواجهة الصعاب المستقبلية.
/أبتل ويسرقني الحلم بعيدًا/: هناك حالة من الانغماس التام في الحلم بحيث يفقد الشخص وعيه بالواقع. المطر هنا قد يكون مصحوبًا بفرص ضائعة أو لحظات غير قابلة للتحقيق، مما يعكس حزنًا داخليًا.
- الأسلوب السردي والتعبيري:
القصيدة تتميز بأسلوب سردي يمر بسلسلة من الصور والتفاعلات بين الشاعرة والطبيعة. الأسلوب التعبيري يخلق حالة من التدفق العاطفي، حيث تنتقل الشاعرة من وصف المطر إلى تأملات في الأمل، الحلم، والمصير.
/أعود أدراجي لأملئ الأخرى/: تعود الشاعرة مرة أخرى لتكرار محاولات الأمل، وهو تكرار يعكس العزيمة والتمسك بالحياة رغم الفشل أو التحديات.
/فأبتل ويسرقني الحلم بعيدًا/: يبرز هنا الصراع بين الواقع والحلم، حيث يمكن للحلم أن يصبح /سرابًا/ أو بعيدًا عن المتناول، كما يظهر فقدان السيطرة على ما يمكن أن يتحقق.
- التنقل بين العوالم:
القصيدة تتنقل بين العالمين الخارجي (المطر، الرياح، البنفسج) والعالم الداخلي للشاعرة (الأماني، الحلم، السلام)، مما يعكس التفاعل المستمر بين الخارج والداخل في التأثير على الوجود الشعري.
/أدور حول نفسي كالشجرة المثمرة/: الشاعرة تصوّر نفسها كشجرة مثمرة، تمثل العطاء والإثمار في حياتها. هذه الصورة تدمج بين الدوران الداخلي والتأمل في واقع الحياة، حيث يُنتج العطاء الثمر الذي قد يتحقق في النهاية، مثلما تتحقق الأماني.
/ادعس الأرض فيتساقط الثمر/: تُضاف إلى الشجرة صورة من النشاط الداخلي، حيث يعكس تساقط الثمر نتائج العمل والتفاعل مع الحياة، لكن الثمر هنا يمثل أيضًا الثمرات الفكرية أو العاطفية.
- الأسلوب الصوتي:
القصيدة تحتوي على العديد من الرموز الصوتية مثل /دندنات الشبابيك/ و /موسيقى زخات المطر/ التي تخلق تفاعلًا بين الحواس والتجربة العاطفية. الأصوات في القصيدة تضفي حيوية على المشهد وتكمل الصورة البصرية لتجربة المطر، مما يعزز الإحساس بالزمن والمكان. - التكرار والانسجام العاطفي:
التكرار في النص، مثل /أجمع قطرات المطر/ و /أعود أدراجي/، يعكس حالة من الاستمرارية في محاولات الشاعرة للتمسك بالأمل، رغم العثرات أو الإحباطات التي قد تواجهها. في النهاية، يحمل التكرار عنصرًا من الأمل المتجدد، رغم المحاولات المتكررة للعودة إلى الحالة الأولية.
الخاتمة:
قصيدة /المطر/ للشاعرة عطايا الحمداني تقدم رؤية شعورية غنية، تتميز بالصور البلاغية والمجازية التي تربط بين الطبيعة والمشاعر الإنسانية. من خلال المطر، الغيوم، البنفسج، والرياح، يتم التعبير عن التغيرات الداخلية التي قد يمر بها الإنسان، مثل الأمل والفقد، والتجدد والموت. الشاعرة تستخدم أسلوبًا سرديًا وتأمليًا يتنقل بين المشاهد الطبيعية والعواطف البشرية، مما يعزز عمق الرسالة ويخلق تفاعلًا بين القارئ والمشاعر المعبرة في النص.
القصيدة :
المطر …
خائفة غيمات الشتاء تترقب الريح وصفيرها الطاعن بخاصرة المطر تتوعد الشتاء برعود وميضها يشق المحال بعصا الاماني لترتوي غدران الامل ..تغرق حقول البنفسج تتودد السلام تمد يداها لتغترف اريج المسافات تتحاور الشفاه بحديث ابكم عن الشتاء فتذرف الفصول دموع دورانها حول السنين اغمض عيني وارتقب ا

خاصية التعليق غير مفعلة - يمكنك المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي