
سقوط السيف الذي لم يسقط
في الليلة التاسعة عشرة، حين تتنفس الأيام أنفاسها الأخيرة تحت عباءة الظلام، هوى السيف على الرأس، لكنه لم يسقط. لم تكن الضربة نهاية، بل شقًّا في حجاب الزمن، يطل منه اللامرئي على مرآة الموت. علي يسقط جسدًا، لكن كلمته تولد كطائر من رماد الدماء.
هنا، حيث يلتقي الحديد بالروح، يعيد الكون ترتيب مساراته. السيف الذي شق رأسه لم يكن سوى مرآة عكست ضربة قديمة، ضربة من زمن كان فيه الحق غريبًا، يبحث عن جسد يحتمي به. فاختار رأس عليٍّ منبرًا له، ليعاد تدوير المعنى: الموت هنا ليس فناء، بل عبور من حيز اللحم إلى فضاء الأسطورة.
الجرح الذي انفتح كبابٍ على كون موازٍ، يذكرنا أن كل دمعة تسيل على ظلم قديم هي إعادة اكتشاف للجرح الأول. دمه لم يتبدد في تراب الكوفة، بل صار حبرًا يكتب به التاريخ أسئلته الأبدية: كيف يُقتل العدل في الساحات، ثم يولد من جديد في كل قلب يرفض الانكسار؟
في اللحظة التي سقط فيها، حمل ذو الفقار مفارقة وجودية: السيف الذي طالما ذاد عن الحق، أصبح أداة لتحريره من حدود الجسد. الظاهر موت، والباطن ولادة لسؤال لا يُغلق: هل يمكن للحقيقة أن تموت؟
عندها، ارتفع صوت الصمت ليصرخ: “الموت ليس نقصًا في الحياة، بل إشارة إلى أن الحياة أكبر من آن واحد.” صار موته مرآة لكل مظلوم، ولكل دم يُسفك تحت ذريعة الخوف من شجاعة الحروف.
هكذا تُقتل الأجساد، لكن الأفكار تظل تُطارَد كالظلال. والظل كلما طاردته، امتد.
✍🏻 نازك الخنيزي
خاصية التعليق غير مفعلة - يمكنك المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي