تسلل الماء فقرر الجدار أن يبكي-بقلم – منار السماك)
كنت أظن أن أخطر ما يمكن أن يواجه سكان المباني الحديثة هو انقطاع الكهرباء أو توقف المصعد بين الطابقين الثالث والرابع
لكن الحقيقة أكثر رطوبة
التسريب يا سادة
ليس تسريب أسرار، بل ما هو أسوأ: تسريب الماء داخل الحوائط
صوت يشبه تنقيط حنفية نادمة، تراه ولا تسمعه
تبدأ رحلتك في البحث، تلتفت حولك تضع أذنك على الحائط كأنك تتنصت على مكالمة سرية، لكن لا شيء واضح حتى يبدأ الجدار بالبكاء
بقعة صغيرة تظهر تموه نفسها بلون خجول، فتفترض أنها ظل أو انعكاس ضوء
تمر الأيام، وتتحول إلى خريطة من البقع تشبه إفريقيا مقلوبة، تعلن عن نفسها بثقة، وتقول:
مرحبًا، أنا الرطوبة ولن أرحل قريبًا
الجميع يرى البقع، يشم الرائحة، لكن لا أحد يعترف بأن منزله يسرب
كل شقة تلوم الشقة التي فوقها
الطابق الرابع يقول إن التسرب من الخامس
الخامس يقسم أنه من الحمام العلوي
والحمام العلوي نفسه يبدو أنه مستقل سياسيًا ولا يعترف بالمياه الجوفية
دورة المياه المتشبعة
لكن المشكلة تزداد تعقيدًا عندما يبدأ التسريب في أنابيب الصرف الصحي تجد نفسك في مواجهة ما يمكن أن نطلق عليه دورة المياه المتشبعة التي تأتيك بكل ما هو غير مرحب به من البول والغائط إلى مزيج من سوائل لا تعلم كيف تشكر الله أنها ليست جزءًا من حياتك اليومية أحيانًا يزداد الأمر سوءًا عندما يتسرب هذا الكنز من الطابق العلوي، ليكشف لك الحقيقة القاسية الجدران لا تتسرب فقط بالماء، بل بما لا تود رؤيته
ثم تبدأ أنت بالتساؤل: هل الجدار يشتكي من التسريب، أم أنه يروي لنا قصة أخرى؟
القصة التي يتحدث فيها عن مرور الماء من الأعلى إلى الأسفل لا يهم إن كان ماءً نظيفًا أو من نوع آخر
الموظف يقول لك:
قدموا شكوى رسمية وسوف نرسل لكم
ثم بعد فترة طويلة من المحاولات المتكررة، يرسل لك موظف الصيانة، غالبًا من جنسية لا تستطيع فهم لغتها، ولا هو يستطيع فهم لغتك، سوى بعض اهتزازات الرأس في كل الاتجاهات وكأن هذا هو رمز الفهم المشترك بين البشر
ففي النهاية تكون قد حصلت على كل ما تحتاجه إيماءة تفهم منها أن المشكلة على الأرجح ستُحل في أقرب وقت، أو ربما في حياة أخرى
ثم تأتي الجملة الأيقونية:
سوف نرفع التقرير إلى الجهة المسؤولة، وسيتم حل المشكلة بأقرب وقت
لكن أقرب وقت عادةً يكون في المبنى المجاور، لأنهم حالياً في جولتهم التفقدية هناك
أما أنت، فاحجز دورك في انتظار الحل المُحتمل قبل موسم الأمطار القادم
في زمن تُزين فيه مداخل المباني بالرخام، وتُزخرف المصاعد بالمرايا
يبدو أن التسليك والأنابيب آخر ما يُفكر فيه أحد
فلم يعد المهم أن يبقى الماء داخل الجدران المهم أن تبقى الواجهة لامعة
وأن يُؤخذ تقرير المشكلة من زاوية جيدة
تسرب الماء في حوائط المباني ليس مجرد عيب إنشائي
بل انعكاس دقيق لثقافة نُصلح الظاهر، ونترك الباطن ينهار على مهل
والمباني مثل الناس لا تنهار فجأة
بل تبدأ من شق صغير، لا يُؤخذ على محمل الجد
ثم تكبر الفجوة، وتتسلل الرطوبة، ويُعلق المسؤول بأنه سيتم الرفع للجهة المعنية
وتبقى المشكلة تبتسم لك من الجدار
اخيراً
لم نطلب كثيرًا، فقط أن تكون الجدران جدرانًا، والماء ماءً
وليس رسالة خفية تقول:
“الجودة هنا مرت مرور الكرام.