حاور محمد زوهر
من أرض المهجر ومن مدينة النيويورك الأمريكية تطل علينا الشاعرة النسائية المبدعة والمتجددة ، فاطمة الزهراء التسولي.
ولدت الشاعرة فاطمة الزهراء التسولي بمدينة فاس , عاشت طفولتها و شبابها في وطنها المغرب، الذي احبته بشغف.
ساهمت كفاعلة جمعوية في تنظيم العديد من الفعاليات الفنية والثقافية الاشعاعية خدمة للمشهد الثقافي الوطني المغربي .
بعدها هاجرت إلى الولايات المتحدة الأ مريكية ، لتعانق الكتابة الشعرية والأدبية رفيقة درب ،لقد كتبت وابدعت في جنس القصيدة ،بأسلوب حداثي متجدد ،ليستمتع بكتابتها القراء .
و في زمان القراءة الإلكترونية, اختارت الاصدار الورقي ، مدركة مدى أهميته في توصيل رسائلها النبيلة ورسائل آلاف النساء المهاجرات ، مبرزة من خلال صوتها معانتهم في الشتات .
ويعتبر شعرها ملجأ اوجاعها وافراحها ومتعتها وكبريائها ،وهويتيها وصوتها الخفي ،الذي يغرد في لحظات الوحدة والغربة والشعور بالحنين إلى الأم وأرض الوطن.
ان دوانها الشعري “ذاكرة الوجع” هو نموذج رفيع من الأدب النسائي في المهجر ، وبكل تأكيد صوتها يختلف عن باقي الأصوات الشعرية لاختلاف تجربتها وتكوينها العلمي و نوعية المواضيع التي تتطرق إليها .
تقول الشاعرة فاطمة الزهراء التسولي، في مقدمة الديوان “ذاكرة الوجع”
” كتبت قصائد هذا الديوان الشعري باللغة العربية الفصحى، كما تم اختيار شكل وأصوت ومعاني الكلمات بكثير من العاطفة و العفوية، في الواقع ان الهيكل اللغوي لقصائد هذه المجموعة يبرز في بساطته جمالية الكلمات وقوتها ،كما يعطي أيضا قافية حرة وموسيقى متميزة اثتاء القراءة الشعرية.”
ومن هنا كان لمجلة أزهار الحرف الإلكترونية المصرية هذا الحوار معها لنبحر في كتاباتها الشعرية المتميزة و المتنوعة والغزيرة والمملوءة بالشوق والحنين والوجع والألم والحب والأمل.
حاوره من المغرب؛ محمد زوهر
بطاقة التعريف للشاعرة المبدعة فاطمة الزهراء التسولي… ؟
بكل اختصار فاطمة الزهراء التسولي شاعرة ومبدعة مغربية من مواليد مدينة فاس , خريجة جامعة العلوم شعبة علوم الأرض “جيولوجيا ” من المغرب, وعلم الانسان ” الانثروبولوجيا الثقافية” من أمريكا, تكتب في النثر كما في الشعر و تهوي الفنون التشكيلية والموسيقى االأندلسية , من عشاق الثقافة العربية و المعمار الإسلامي , وأهتم بالبحث في تراث الشعبي المغربي .
.
تحدثي عن طفولتك ،وبدايتك مع الكتابة الشعرية، كيف كانت منذ البداية… ؟وكيف تطورت مع الزمن..؟
طفولتي كانت متميزة , أنتمي إلى أسرة كبيرة ,متماسكة, سعيدة, محافظة , تفانت في تربية و تعليم ابنائها , و و فرت لهم العيش الكريم كطبقة متوسطة , جل افراد أسرتي يمتهنون التدريس , ومن حظي عشت في وسط يعشق الشعر والكتابة و الموسيقى الاندلسية و الطبخ المغربي الأ صيل وثرات الشعبي .
كنت الطفلة المدللة المجتهدة والمشاغبة والمتعددة المواهب ذات الأحلام الكبيرة والشخصية القوية , عن حب بدأت كتابة الشعر والصلاة في سن السابعة و هي الأشياء التي بقيت تلازمني حتى الآن الحمد لله.
طبعا كل مرحلة من مراحل حياة المبدع تشكل تجربته الفنية و الأدبية, وكذا تطور أدواته الإبداعية , و تؤثث لطابعه الخاص , و هذا يظهر في أسلوب الكاتب او الفنان , وفي مدى قدرته على عكس صور احلامه , افكاره , قناعاته , حياته اليومية ,المحيط الذي يعيش فيه, والحقبة الزمنية التي ينتمي إليها .
وانا مررت بجل هذه المراحل و أصبح لي طابعي الخاص في القصيدة سواء كانت عبارة عن ثلات جمل أو عدة صفحات تجد فيها نبرة خاصة بي , ويرجع الفضل لعائلتي في صقل موهبتي الأدبية والفنية و مواكبتي , فكانت العائلة هي الناقد والمدقق اللغوي والقارئ, والممول و المشجع والمكون .
هل لقت كتاباتك الشعرية الأولى اقبالا من طرف المتلقي… ؟وهل حظيت بالنشر من طرف الصحف المغربية و المجلات.. ؟
نعم أول قصيدة كانت عن فلسطين في مسابقة مدرسية , كنت دائما أفوز بمسابقات التعبير الكتابي في المدرسة .
أول جائزة وطنية حصلت عليها كانت وأنا في الجامعة , فزت بجائزة أحسن إلقاء شعري في مهرجان وطني للشعراء الشباب, كان في لجنة التحكيم حينها أسماء معروفة في الأدب المغربي , الأديب و الشاعر الدكتور محمد السرغيني ,و المسرحي محمد الكغاط و غيرهم ….وكانت تلك هي الإنطلاقة الفعلية لمسيرتي الشعرية و ارتباطي الرسمي بالمجال الثقافي والاجتماعي .
والحمد لله دائما حضوري متميز و قراءاتي الشعرية موفقة و أستطيع أن أجعل المتلقي يستمتع بالنص الشعري ويعيش طقوسه سواء خارج أو داخل الوطن.
لم أكن أهتم بمتابعة ما ينشر لي من قصائد قدر ما كنت أستمتع بالمشاركة في أكبر عدد من الأمسيات الشعرية في السنة , للتواصل مع الجمهور الكبير مباشرة أو عبر دائرة المبدعين الشباب و الناشطين في المجال السسيوثقافي .
بنسبة لي المشاركات في انطلوجيات أو الموسوعات شعرية هي مرتبطة بقناعات الشاعر والناشر والناقد أحيانا لا أكثر .
من بين الاصدرات الجماعية التي شاركت فيها بعد الحاح اصدقائي الشعراء هي:
مناسك الملح اصدار محترف الشعر كلية الأداب بفاس 2001 بالعربية ,
موسوعة الشعرية الامريكية الملك الحزين لسنة 2020 وكانت نصوصي هي النصوص الوحيدة التي نشرت بالانجليزية والعربية داخل هذه الموسوعة .
موسوعة الشعر المغربي الفصيح 1953 – 2023 م جذوة عطاء, تأليف الكاتبة والشاعرة فاطمة بوهراكة .
موسوعة الشعر المغربي بأمريكا ” 2024 تأليف السفير المغربي الشاعر عبد القادر الجاموسي و الشاعر والمترجم ميلود السريفي , اصدار بيت الشعر المغرب .ديوان أبجدية العشق , الذي كان اصداره على شكل معرض فني , مجموعة من القصائد مكتوبة على رقع جلدية بخط الرقعة , عرض خارج المغرب بعدة مدن فرنسية بينها باريس 2002.
و ديوان أبجدية العشق سنة 2023.
إلى جانب كتاباتك الشعرية ،هل لك اهتمامات أدبية أو فنية أخرى… ؟
نعم في النثر أكتب القصة والمسرحية و الرواية , وفي التشكيل و التصميم انا هاوية اشتغل فقط على تجسيد أشعاري وتقريبها للمتلقى , انطلق من الفكرة العامة التي تلتصق بنسق من القصائد, ثم أبدأ بشكيلها على المادة المناسبة التي أختارها دائما من الطبيعة , جلد , ثوب , نبات , زيوت ….
لي كاتبات قبل و بعد ” ذاكرة الوجع” لم أنشرها الى حد الآن , لأني أود أن أرى كتبي بالشكل الذي أحب, كما أني لا أستعجل و يمكن أن أشتغل على نص أكثر من سنة أو فقط ساعة زمن , وأحب التميز و تطوير ملكاتي الابداعية وارضاء ذاتي أولا ليرضى عني القرائ , وعندنا مثل مغربي يقول ” فوقت ما جا الخير ينفع ” .
ساهمت كفاعلة جمعوية في تنظيم العديد من الأنشطة الثقافية و الفنية في المغرب، ما الدافع والغاية من وراء كل ذلك..؟
انا انتمي الى عائلة منخرطة حد النخاع في المجتمع المدني , و بالنسبة لي العمل التطوعي , الأنشطة الثقافية و الفنية كانت موجودة في محيطي الأسري , واستمتعت بها منذ الطفولة , و بعد تخرجي من الجامعة في شعبة الجيولوجيا بفاس ,كانت فرص الشغل بمؤهلي العلمي كمهندسة تطبيقية قليلة جدا , و مقتصرة على الرجال حينها .
وكان الحل الوحيد للهروب من البطالة هو أن اشتغل بالتعليم كباقي أفراد
الأ سرة , وهذا ماكنت أرفضه , أما الانتقال بمفردي الى مدينة أخرى أو خارج المغرب للدراسات العليا أوللعمل كان ابي رحمه الله يرفضه .
وانتهي الأ مر أن اشتغلت بالتعليم الخاص , و بالعمل الثقافي والاجتماعي, و أصبحت مسؤولة في منظمة للشباب على الصعيد المحلي والوطني تخول لي تنظيم الانشطة الثقافية و الاجتماعية والترويج للابداع كوسيلة للتحسيس بقضايا واحتياجات المجتمع , و أيضا حملت مشاريع من أجل المرأة والطفولة في وضعية صعبة .
ماهي الأسباب الحقيقية التي جعلتك تهاجرين من أرض الوطن إلى أرض المهجر ،وماهي الصعوبات التي واجهتك في البداية… ؟
انا لم أهاجر هربا من وطني , و لكن أردت أن أ عيش مرحلة أخرى من مراحل الحياة كمرأة , و ارتبطت في سنة 2009 بمواطن امريكي مسلم , و كان لابد لي من الالتحاق به عن طريق اجراءات الهجرة المعروفة للعيش وتكوين أسرة سعيدة في سنة 2010 .
بصراحة منذ البداية الى النهاية هناك صعوبات لم أتوقعها قط , بالنسبة لي كانت لعبة القفز على الحواجز حد الارهاق ……لكن الحمد لله خلفيتي الثقافية و المهنية كانت مصدر قوتي والهامي وصمودي .
تحدثي لنا عن تجربتك الان في أرض المهجر… ؟ وهل تشعرين بالعودة إلى أرض الوطن…؟
ا- أما عن تجربتي الانسانية في المهجر هي تبقى مفيدة لي كمبدعة وكاتبة , وأيضا لم أعد الشاعرة المدللة , هنا مناخ يختلف عما تركته في فاس لكنه مبهر , انفصلت عن زوجي سنة 2019 لكني لم أقرر بعدها الرجوع الى الوطن, لأني ا عتدت على الحياة في نيويورك , فهي مدينة جميلة جدا , غنية بتنوعها الثقافي , وباختلاف سكانها , وتعتبر ليست فقط عاصمة المال أو الأحلام, بل عاصمة للابداع ومدرسة للحياة , و إن زرتها مرة واحدة لا تستطيع نسيانها فمابالك بسنين طويلة .
و الشيء الذي يحبه المهاجر المبدع في نيويورك هو التعليم , المدارس, المعاهد الجامعات , المكتبات , المتاحف و المنتزهات, الفكر الحر …. , و أحلى لحظات قضيتها في نيويورك , هي التي كنت أدرس فيها العربية لغير الناطقين بها خصوصا النساء والأ طفال من كل الاجناس , و أيضا الأيام التي كنت أتابع فيها دروس الماستر في الانتروبلوحيا في جامعة هانتر .
سنة ٢٠٢٣ صدر ديونك الشعري الأول ،بعنوان ذاكرة الوجع، أين كتبت هذه المجموعة الشعرية.. ؟ وما علاقتها بالذاكرة… ؟
تعني ديواني الأول في نيويورك , “ذاكرة الوجع ” هذا الديوان هو عبارة عن قصيدة واحدة مقسمة ل 49 ومضة موجعة من ذاكرتي في نيويورك. … تتخللها لوحات من تصميمي.
,
هي تختلف عن ما سبقها وما تلاها من قصائدي , و كيفما كانت هي مني وأنا منها , و تؤرخ لحقبة من حياتي صعب أن تتنصل منها الذاكرة , قليلا ما أقرا قصائد هذا الديوان ولم أروج له كثيرا وتباع نسخه حسب الطلب .
لماذا اهديت ديونك ذاكرة الوجع ،إلى امك، وإلى القراء اللذين يقرؤونه… ؟
أهديت هذا الديوان لأمي لأنها كانت تنتظر من أصغر بناتها لقب جدة و حفيد أمريكي , فأهديها ثمن الحلم , أما إلى القراء اللذين يقرؤونه سيعرفون أن أحينا الأضواء تخبأالظلام و أن خلف أو أمام الأبواب في أي مكان أو زمان يمكن أ ن تصدمنا أللاحماية .
ماذا يعني لك، ا؛ اشارتك في مقدمة ديوانك، أن شعرك دائما كان ملجأ أوجاعك وافراحك ،وما ذا يعني هذا التناقض بالنسبة لك… ؟
منذ طفولتي ألجأ للكتابة للبوح لها بكل شيء , حتى أصبحت قصائدي هي الوحيدة التي تحمل وزر همومي وتعكس مدى الاحساس الذي يخالجني .
التناقض موجود في قصائدي لانه يعطي عمق التصور وقوته , و هو أيضا يعكس ما يحدث في هذه الحياة .
ماذا تقصدين بان الصوت الشعري النسائي غير مسموع… ؟ وان الشعر هو وسيلة لرفع مستوى الوعي العام بمحن النساء المهاجرات في أمريكا… ؟ وما حجم هذه المعانات هناك في أرض المهجر.. ؟
اعني أن هنا في الشتات , التجارب الإبداعية النسائية العربية في الأدب و الفن جد خجولة من حيث الكم و المواضيع الانسانية , و لا يروج لها كما ينبغي , ولا يدعما أحد, و هي أيضا لا تساهم في تسليط الضوء على وضعية المراة العربية في المهجر أ و على الاكراهات الحقيقية التي تتعرض لها.
لماذا اخترت الكتابة باللغة العربية الفصحى..؟ وماذا تقصدين باختيارك لشكل واصوات ومعاني الكلمات بكثير من العاطفةو العفوية…. ؟
اخترت الكتابة باللغة العربية لأنها اللغة التي أعشقها , و أقراها كل يوم , و أكتب بها بكل شغف , و هي التي تذكرني بهويتي , وهي أيضا لغة الفئة المستهدفة التي أخاطبها, وأيضا للترويج للابداع باللغة العربية في المهجر .
فاللغة العربية لغة غنية ,حية , لها ماضيها و مستقبلها أيضا .
بما انك موجودة في أرض المهجر، ألا تفكرين في ترجمت ديوانك ذاكرة الوجع إلى لغات أجنبية ،كي يصل صوتك إلى مدى ابعد واعمق.. ؟
الكتاب مترجم الى الانجليزية فقط سأختار الوقت المناسب لنشره وتوزيعه و بالشكل الذي يعجبني
كيف تنظرين إلى تجربتك الشعرية… ؟ هل هي فعلا تجربة جديدة في الكتابة الشعرية من حيث بناء أبيات القصيدة.. ؟ وما رايك في الشعر العربي المعاصر حالياً… ؟
تجربتي الشعرية هي تجربة لها طابعها الخاص , تمر بالمراحل دون عجل بل بتأمل , أشتغل على تطويرها بصفة مستمرة من حيث الشكل والمضمون و اللغة, وإن شاء الله الديوان المقبل سيحدث انطلاقة أخرى .
مارأيك بالملتقيات الأدبية والفنية، لاسيما ملتقى الشعراء العرب ومجلة أزهار الحرف المصرية الإلكترونية التي يرأسهما الأديب الكبير والناقد والشاعر ناصر رمضان عبد الحميد… ؟
ظاهرة ثقافية صحية للترويج للمبدعين العرب , و خلق فرص لهم سواء للتواصل مع النقاد والناشرين والقراء , أو للتحفيز على الاستمرارية , و أيضا فرصة جيدة للإطلاع على كل التجارب الموجودة في الساحة الثقافية .
ومجلة أزهار الحرف المصرية الإلكترونية التي يرأسهما الأديب الكبير والناقد والشاعر ناصر رمضان عبد الحميد تستحق كل التنويه والشكر كمبادرة جميلة للترويج للأدب العربي و خلق فرص التواصل مابين المبدعين .
اخيرا، ما الحلم الذي لايزال يسكنك كشاعرة عشقت كتابة الشعر… ؟ وكيف تحبين أن يتذكرك المتلقي والوسط الثقافي والفني.. ؟
الاحلام تكبر و تتغير وتنضج مع الوقت وأتمنى أن يوفقني الله , لتحقيق مشروعي الأدبي والفني الذي بدأت الاشتغال عليه وأنا في المغرب, و أحلم أن يثمر هنا وهناك .
ليتذكرني المتلقي والوسط الفني والثقافي كما يشاء , أو بصدق ما أقدمه لهم , أو بحرقتي ولهفتي لجعل الابداع الراقي مرآة للذات و الحياة وأداة للتحسيس والتربية والعلاج داخل مجتمعنا .
شكرا للفنان محمد زوهر… قد أسعدني الحوار معكم .
حاورها من المغرب ؛محمد زوهر