دراسة نقدية موسعة لقصيدة د. زبيدة الفول “أطيافٌ تُقيمُ على الظلال”
بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.
تُعَدّ المناهج النقدية الحديثة مدخلاً ضرورياً لفهم البنية العميقة للنصوص الشعرية، فهي لا تكتفي بتفسير ظاهر المعنى وإنما تكشف عن المسكوت عنه في اللغة، والرموز، والدلالات، واللاشعور الفني. ومن بين هذه المناهج يبرز المنهج النفسي الذي يقوم على تتبع الأبعاد الشعورية واللاشعورية التي تتحكم في التجربة الشعرية، حيث يصبح النص بمثابة مرآة لقلق الشاعر ورغباته وأوهامه، مستعيناً بما أسسه “فرويد” و”لاكان” وغيرهما من قراء العلاقة بين الرغبة والرمز والحلم.
أما المنهج الأسلوبي فيرتكز على دراسة اللغة ذاتها من حيث تكرارها، انزياحاتها، تراكيبها، وبنيتها الإيقاعية، وذلك للكشف عن “الانحراف الجمالي” الذي يجعل من اللغة العادية لغة شعرية. وقد أسهم في بلورة هذا الاتجاه باحثون كـ”شارل بالي” و”جان كوهين”، حيث نظروا إلى الأسلوب باعتباره التجلّي الأبرز لذات الشاعر في النص.
وإذا كان النقد النفسي يضيء دواخل الشاعرة، والنقد الأسلوبي يفسّر أدواتها التعبيرية، فإن المنهج الكينمائي أو ما يُسمى أحياناً بـ”الكيمياء الشعرية” يتيح رؤية النص كحركة ديناميكية متدفقة، تتحول فيها الصور إلى مشاهد ضوئية وصوتية متعاقبة، تذكّر بجمالية الفيلم الداخلي الذي يشتغل بالتحولات والانزلاقات. وهذا يتقاطع مع النقد اللغوي الذي يقرأ النص من زاوية معجمه وبنيته النحوية والدلالية، فيكشف عن العلاقة بين اللفظ والمعنى وكيفية إنتاج الدلالة عبر التكرار والانزياح.
انطلاقاً من هذا، فإن قصيدة د. زبيدة الفول “أطياف تُقيم على الظلال” تمثل نموذجاً غنيّاً يمكن مقاربته عبر هذه المناهج مجتمعة: فهي من جهة بوح ذاتي يفيض بالقلق والرغبة، ومن جهة أخرى نص أسلوبي يتكئ على التكرار والرمزية، وفي الوقت ذاته تجربة جمالية مشهدية تتحرك على مستوى الضوء والظلال والغياب والحضور. هذه التعددية تتيح مقاربة النص في ضوء تكامل المناهج، بما يُظهر أبعاده النفسية واللغوية والجمالية في آن واحد.
1- التحليل النفسي:
ينطلق النص من بُنية وجدانية متوترة بين الحضور والغياب، بين الذات والآخر، وبين الوجود والمحال. في هذه المسافة المعلّقة يتكشف البعد النفسي للشاعرة زبيدة الفول:
_ ثنائية الرغبة والخوف: يتكرر حضور الآخر في هيئة “فجر”، “نجمة”، “وطن السؤال”، لكنه يقترن دوماً بالغياب أو الفقد (“غيابي في المحال”، “إذا رحلت تكاثرت في داخلي أشجار الخوف”).
_ اللاشعور الشعري: تكشف القصيدة عن انشطار في الذات: الشاعرة ترى الآخر مرآةً لذاتها إلى حدّ تلاشي ملامحها فيه (“أنسى ملامحي… كأنك كل ما كان وما زال”). هذا يشير إلى حالة اندماج عاطفي قصوى تميل إلى الذوبان الكلي، وكأن الآخر هو الامتداد الوحيد للوجود.
_ العلاقة الإيروسية: الحضور العاطفي متلبّس بالوجد والافتتان، لكنه يتخلله القلق والفقدان. في المنظور النفسي، يمكن اعتبار النص إسقاطاً لرغبة مكبوتة في الأمان العاطفي والامتلاء، لكن تتخللها هواجس الانكسار والوحدة.
_ 2- التحليل الأسلوبي:
البنية الإيقاعية: تتسم القصيدة بانسياب موسيقي حرّ، دون التزام تام بالوزن الخليلي، مما يضعها ضمن فضاء قصيدة التفعيلة الحديثة أو قصيدة النثر الموشّاة بالإيقاع الداخلي. التكرار واضح في مفردات (“المحال”، “الجمال”، “الخيال”)، وهذا يخلق قافية داخلية مترددة.
_ التكرار والتوازي: بنية “أهواك… لا وجع يقال” – “أخفيك في لغتي… وأكتبك احتمال” – “أراك… ولا أراك”، كلها أنماط من التوازي التركيبي الذي يمنح النص موسيقاه الداخلية.
_الصورة الشعرية: الصور تنبني على الاستعارة والرمز، حيث يتحول الآخر إلى فجر، نجمة، وطن، جلال، ارتحال. هذه الرمزية تنقل النص من التجربة الفردية إلى أفق كوني.
_الأسلوب الانفعالي: يغلب على النص ضمير المخاطب (أنت)، وهذا يخلق حوارية درامية بين الشاعرة وموضوعها الغائب/الحاضر، ويجعل القصيدة مشهدية أقرب إلى مونولوج داخلي يفيض بالاعتراف والبوح.
_3- التحليل الكينمائي / الكيمياء الشعرية:
القصيدة قائمة على ديناميكية الحضور والغياب: حين يحضر الآخر ينفتح القلب وتتفتّح الأبواب (“فإذا حضرت تفتّحت أبواب قلبي”)، وحين يغيب يسيطر الخوف والانطفاء (“إذا رحلت تكاثرت في داخلي أشجار خوف”). هذا التحول أشبه بـ تفاعل كيميائي بين عنصري النار والماء: حضور الآخر يشعل الرغبة ويبدد الزوال، بينما غيابه يجمد الوجود ويزرع الخوف.
_الحركة الدرامية: النص يتقدم مثل فيلم داخلي: البداية حلمية (يا وطن السؤال… يا نجمة)، الوسط احتدام عاطفي (الرعشة، الخيال، الجمال)، والنهاية تنغلق على جملة كبرى وجودية (“أنت البداية والختام ولا مآل”). هذه البنية السينمائية تضفي على القصيدة بعداً رؤيوياً.
_ التكثيف اللوني والضوئي: حضور “الضوء”، “الهلال”، “النجمة”، “الظلال” يكشف عن لوحة بصرية متحركة، وكأن النص يرسم جدلية الضوء/الظلمة كمعادل لجدلية الحب/الفقد.
4- التحليل اللغوي:
_ المعجم الشعوري: تهيمن مفردات الحب والانفعال (“أهواك”، “أُغريك”، “أشتاقك”)، مع اقترانها بمفردات الغياب والانكسار (“المحال”، “الخوف”، “الزوال”). هذا التواشج يخلق معجمًا متناقضًا يعكس انقسام الذات.
_ الانزياح الدلالي: استخدام ألفاظ مألوفة في سياقات غير مألوفة (“أكتبك احتمال”، “تغترفني الليال”، “أشجار خوف تستبيح الجبال”). هذا الانزياح يمنح النص بعده الشعري ويخرجه من اللغة التقريرية.
_ البنية النحوية: سيطرة الجمل الفعلية (أهواك، أبكيك، أخفيك، أكتبك، أراك) تعكس حركة واستمرارية، بينما الجمل الاسمية (أنت البداية والختام) تؤسس للثبات والخاتمة.
_ التكرار: كلمة “المحال” تتكرر لتؤكد استحالة الامتلاء، بينما “الجمال” و”الخيال” تكرران للتعبير عن التعويض الرمزي عن الغياب.
_ الخلاصة:
قصيدة د. زبيدة الفول نص وجداني يتأرجح بين الرغبة والخيبة، الحضور والغياب.
_ نفسيًا: تكشف عن قلق وجودي عميق ورغبة في الاندماج الكامل بالآخر.
_ أسلوبياً: تتميز بالتكرار، التوازي، والاستعارة الكثيفة التي تُكسب النص إيقاعاً داخلياً قوياً.
كيميائياً/كينمائياً: النص حركة متدفقة بين الضوء والظلال، بين الاحتراق والانطفاء، أشبه بفيلم داخلي.
لغوياً: ثراء في المعجم الانفعالي، وانزياحات بلاغية تولّد كثافة شعرية عالية.
وبذلك، فإن القصيدة تتجاوز التجربة الفردية إلى أفق إنساني كوني، حيث يصبح الآخر رمزاً للامتلاء الوجودي المستحيل، ويظل الشعر محاولةً مستمرة لالتقاط هذا “المحال”.
نص القصيدة:
أطيافٌ تُقيمُ على الظلال
يا أنتَ، يا وطنَ السؤالْيا نجمةًتنمو على حُلمِ المُحالْ
أهواك، لا وجعٌ يُقالْبل رعشةٌفي القلبِ تُشعلُها الليالْ
تُبكيني الذكرى، ويَحرسني الخيالْما بينَ صوتِكَ والسكوتِخُطى تُضِلُّ بها الجمالْ
أُخفيك في لغتي…وأكتبُك احتمالْكم تشتهي روحي نزيفَكَفي ظلالْ
فإذا حضرتَ، تفتّحتْأبوابُ قلبي،وانزوى عنّي الزوالْ
هل كنتَ فجري أم غيابي في المحالْ؟في نبضِكَ المكسورِأنمو كابتهالْ
وإذا رحلتَ، تكاثرتْفي داخليأشجارُ خوفٍ…تستبيحُ بها الجِبالْ
أُصغي إليكَ…ولا أراكَ سوى الجمالْوأراك في المعنى ارتحالاًلا يُطالْ
وتضيعُ ملامحي فيكَ ارتجالْأنسى ملامحَني…كأنّك كلّ ما كانَ وما زالْ
أُغريكَ بيوأذوبُ فيكَ…كأنّني وهمٌتجلّى واندسالْ
فامنح يديَّ نسيمَ وجهكَواشتعالْواسرقْ من الضوءِ اغترابيفي المحالْ
يا أنتَ…كم كانت ملامحُكَ احتمالْوكم اختزلتَ الحرفَفي صمتِ الجلالْ
فيك انكساري وارتفاعي والانفصالْأنتَ البدايةُ والختامُ،ولا مآلْ
أكتبكَ الآن اشتياقًاكالهِلالْوأظلُّ أبحثُ عنكَفي نبضي المُسالْ
د. زبيدة الفول .
أسلوبياً: تتميز بالتكرار، التوازي، والاستعارة الكثيفة التي تُكسب النص إيقاعاً داخلياً قوياً.
كيميائياً/كينمائياً: النص حركة متدفقة بين الضوء والظلال، بين الاحتراق والانطفاء، أشبه بفيلم داخلي.
لغوياً: ثراء في المعجم الانفعالي، وانزياحات بلاغية تولّد كثافة شعرية عالية.
وبذلك، فإن القصيدة تتجاوز التجربة الفردية إلى أفق إنساني كوني، حيث يصبح الآخر رمزاً للامتلاء الوجودي المستحيل، ويظل الشعر محاولةً مستمرة لالتقاط هذا “المحال”.
نص القصيدة:
أطيافٌ تُقيمُ على الظلال
يا أنتَ، يا وطنَ السؤالْيا نجمةًتنمو على حُلمِ المُحالْ
أهواك، لا وجعٌ يُقالْبل رعشةٌفي القلبِ تُشعلُها الليالْ
تُبكيني الذكرى، ويَحرسني الخيالْما بينَ صوتِكَ والسكوتِخُطى تُضِلُّ بها الجمالْ
أُخفيك في لغتي…وأكتبُك احتمالْكم تشتهي روحي نزيفَكَفي ظلالْ
فإذا حضرتَ، تفتّحتْأبوابُ قلبي،وانزوى عنّي الزوالْ
هل كنتَ فجري أم غيابي في المحالْ؟في نبضِكَ المكسورِأنمو كابتهالْ
وإذا رحلتَ، تكاثرتْفي داخليأشجارُ خوفٍ…تستبيحُ بها الجِبالْ
أُصغي إليكَ…ولا أراكَ سوى الجمالْوأراك في المعنى ارتحالاًلا يُطالْ
وتضيعُ ملامحي فيكَ ارتجالْأنسى ملامحَني…كأنّك كلّ ما كانَ وما زالْ
أُغريكَ بيوأذوبُ فيكَ…كأنّني وهمٌتجلّى واندسالْ
فامنح يديَّ نسيمَ وجهكَواشتعالْواسرقْ من الضوءِ اغترابيفي المحالْ
يا أنتَ…كم كانت ملامحُكَ احتمالْوكم اختزلتَ الحرفَفي صمتِ الجلالْ
فيك انكساري وارتفاعي والانفصالْأنتَ البدايةُ والختامُ،ولا مآلْ
أكتبكَ الآن اشتياقًاكالهِلالْوأظلُّ أبحثُ عنكَفي نبضي المُسالْ
د. زبيدة الفول .