بيوت الهم وأبواب الخلاص
قراءة نقدية دلالية أسلوبية في ومضة للشاعر الدكتور ناصر رمضان
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
***
إن قلبي صار بيتاً للهموم المستكينة
والليالي في شتاء العمر أحلامي الدفينة
فافتح الأبواب إني قد تعبت من المدينة
يتحرك هذا النص ضمن أفق الكتابة المكثفة التي تراهن على الاقتصاد اللغوي والبياض والإيحاء أكثر من التفسير. وهو يبني عالمه عبر ثلاث صور محورية: قلب يتحول إلى بيت، وزمن يتمثل في شتاء العمر، ومدينة مغلقة بأبوابها. هذه الشبكة الرمزية ترسم مشهد اغتراب داخلي يبحث عن منفذ للخلاص.
الافتتاحية بـ “إن” تُحيل إلى يقين مرّ وتجعل القارئ يدخل من باب الاعتراف لا من باب التردد، ثم يتدرج المشهد من الداخل حيث القلب باعتباره هوية الذات، إلى الزمن الموحش في شتاء العمر، وصولاً إلى الخارج المتمثل في المدينة بما تحمله من ضجيج واغتراب. وفي النهاية يتحول النص من وصف ساكن إلى فعل أمري هو “فافتح”، وهو نداء موجه إلى مخاطب ملتبس تتعدد دلالاته.
الاستعارة المركزية تجعل من القلب بيتاً مسكوناً بالهموم. المفارقة أن هذه الهموم وُصفت بالمستكينة، وكأنها تآلفت مع الداخل حتى خبت مقاومتها، وهو تعبير عن الإنهاك العميق. في المستوى الثاني نلتقي بالليالي التي تغطي شتاء العمر، حيث تغدو الأحلام دفينة أشبه ببذور تحت الثلج تنتظر ربيعاً. أما الأبواب فهي حد فاصل بين داخل مختنق وخارج مسدود، والمدينة تمثل الفضاء العام الذي يغدو عبئاً على الذات المتعبة، ولذلك تأتي الدعوة إلى فتح الأبواب خروجاً من أسر المدينة لا دخولاً إليها.
النص يشتغل على شبكة دلالية متماسكة، يتداخل فيها الحقل المعماري (بيت وأبواب ومدينة) مع الحقل الزمني المناخي (ليال وشتاء) والحقل النفسي (هموم وتعب وأحلام). هذه الحقول مجتمعة تشي بعمق الاغتراب والبحث عن ملاذ.
أما المخاطب فيبقى مفتوحاً على احتمالات شتى؛ فقد يكون مخاطباً صوفياً حيث الأبواب أبواب الرحمة والفرج، أو مخاطباً وجدانياً هو الحبيب أو القريب، أو ذاتاً تخاطب نفسها لتفتح أقفالها، أو حتى النظام الاجتماعي الذي يمثل المدينة. غنى النص أنه يحتمل كل هذه التأويلات دون تناقض.
من الناحية الأسلوبية، نجد أن الفعل “صار” يدل على تحول لا على وصف ثابت، والجمل الاسمية تبث سكوناً خانقاً يكسره فعل الأمر “افتح” الذي يمنح النص ديناميكية الرجاء. أدوات التوكيد مثل “إن” و”قد” تبني حجة وجدانية تؤكد أن ما يُقال ليس نزوة بل تقرير حالة وجودية.
الإيقاع يقوم على قافية موحدة في نهايات الكلمات: المستكينة والدفينة والمدينة. هذه القافية تمنح النص موسيقى داخلية قريبة من السجع، فيما يكرس التقطيع والوقفات الكتابية الإحساس بالإرهاق. وبذلك يعوض النص غياب الوزن الخليلي بإيقاع نفسي يتجسد في أنفاس متقطعة.
النص يقوم على ثلاث ثنائيات كبرى: داخل وخارج (القلب والمدينة)، سكون وحركة (الاستكانة والفتح)، وزمن ينطفئ ومعنى يُرتجى (الشتاء والأبواب). ومن هنا يتولد سؤال فلسفي عميق: هل يتحرر الإنسان بالهروب من المدينة أم بفتح أبواب داخله؟ النص لا يجيب بل يترك الباب موارباً، وهو سر ذكائه الجمالي.
إن ومضة الشاعر الدكتور ناصر رمضان تحقق بأدوات قليلة أثراً كثيفاً. فهي تعلن قلباً مثقلاً بالهموم، وزمناً يدفن الأحلام في برد الشتاء، ونداءً يطلب فتح الأبواب للهروب من مدينة خانقة أو للولوج إلى فسحة نجاة. قوة النص تكمن في هذا التوتر بين الاستكانة والأمر، بين شتاء المعنى وإمكانية الربيع، وفي إبقاء المخاطب مفتوحاً بما يوسع طبقات القراءة. وهكذا تغدو هذه الومضة نصاً عن اغتراب وحنين إلى باب يُفتح، كي لا تظل الأحلام دفينة تحت ثلج العمر.
تحليل د. زبيدة الفول
—
شكرا للدكتورة زبيدة على الدراسة
وللعلم لست دكتورا ولا آخد ما ليس لي