بين النجف وسماء العالم، تتشظّى الكلمات، تتناثر الحروف، وتكتب الشاعرة والروائية العراقية فليحة حسن حكايتها الخاصة، امرأةٌ حملت على كتفيها وجع الحرب وارتباك الاغتراب وحلم الحرية، فأهدت للعالم نصوصا تُترجم الروح قبل اللغة، وأصواتا شعرية تسافر من ضفاف العراق إلى مدن العالم،
لتكتب حضورها الاستثنائي في ذاكرة الأدب، ترجمت أعمالها إلى أكثر من عشرين لغة ولامست جوائزها كبرياء العالمية، بين ترشيحٍ لـ بوليتزر، واحتفاءٍ عربي ودولي، وبين قصائد تهمس بالحب، ونصوص تتقاطع مع الوجع الجمعي، تبدو فليحة حسن امرأةً تكتب بحبرٍ من الضوء،
حبرٍ لا يشيخ.
ومن هنا كان لمجلة أزهار الحرف معها هذا الحوار،
لنقترب أكثر من ملامح تجربتها المتفرّدة
ونسأل الشعر عن الشاعرة والكتابة عن الكاتبة
ونسألها عن حكاية الروح التي ما زالت تكتب الحياة
حاورتها من الولايات المتحدة الأمريكية
ليلى بيز المشغرية
تتذكّرين النجف… طفولتك الأولى بين الأزقة والكتب والسماء؟ 1- كيف
النجف لم تكن مدينة فقط، كانت معلمًا، ذاكرةً لا تزال تسكنني مهما ابتعدتْ عنها، حياة كاملة، فأنا أتذكّرها كما لو كانت كتابًا مفتوحًا، الأزقّة الضيّقة مثل شرايين صغيرة تحملني من بيت إلى بيت، في أسواقها رائحة الخبز الطازج تختلط بنداءات الباعة،
والمآذن ترفع صوتها فتفتح لي نافذة على السماء، طفولتي هناك كانت مكتبة صُقلتْ من حجارة الشمس،
كل جدارها مصفوفة بالقصص، كل ظلّ يخبّئ حكاية، وكل كتاب صغير كنتُ أحمله بين يديّ كان ينبتُ لي جناحين، لم أكن طفلة مشاعبة بل كنتُ ولما أزل قارئة نهمة فإذا ما فرغتُ من القراءة، كنت أجلس على العتبات أراقب الغبار وهو يرقص في الضوء، كأنّها حروف تتساقط من كتاب سرّي الذي حلمتُ بكتابته،
2-متى أدركت أن الكلمة قدرك وأن الشعر نافذتك الأوسع على العالم؟
منذ طفولتي في النجف، كنت أشعر أنّ الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل مصيرٌ يختبئ في داخلي. في كل كتاب صغير كنت أفتحه، وفي كل قصيدة أرددها بصوت خافت، كان يتكشّف لي سرّ جديد هو أنّ اللغة قادرة على أن تهدم جدران البيوت الضيقة وتفتح نوافذ على عوالم بعيدة وكبيرة، كنت أراقب نفسي، طفلةً تجلس قرب نافذة صغيرة، تحدّق في السماء المحدودة فوق الأزقة، لكنها ما إن تكتب جملة أو تحفظ بيتًا من الشعر حتى تشعر أنّ الأفق يتّسع بلا نهاية. عندها عرفت أنّ قدري أن أكون ابنة الكلمة، وأن الشعر نافذتي الأوسع على العالم، منه أسافر، ومنه أعود، ومنه أستطيع أن أصنع وطنًا لا يُنفى.
-كيف توازنين بين كونك شاعرة وناقدة وقاصّة وروائية في آنٍ واحد؟3
بصراحة أرى نفسي كما ترى اليد أصابعها؛ لكل إصبع دوره المختلف، لكن اليد لا تكتمل إلا بها جميعًا. الشعر هو نبضي الأول، اللغة التي تنبثق من القلب مباشرة، بلا وساطة ولا أقنعة. القصة تمنحني عينًا حادّة لالتقاط التفاصيل الصغيرة، تلك الهمسة العابرة أو الظلّ الهارب الذي قد يصير عالَمًا كاملًا. الرواية، في المقابل، تفتح لي أفقًا واسعًا، كمدينة أبنيها وأتنقّل بين شوارعها وأعيش مع شخصياتها. أما النقد فهو المرآة التي أواجه بها نفسي، أختبر بها صلابة لغتي وصدق رؤيتي، كي لا أظلّ سجينة غابة ذاتي ، والتوازن عندي لا يأتي من الفصل بين هذه الأجناس، بل من الإصغاء إلى النداء الداخلي. فإذا نادتني القصيدة كتبت، وإذا ألحّت عليّ القصة اتبعتها، وإذا فتحت لي الرواية أبوابها دخلت، وإذا تطلب الأمر وقفة تأمل ناقدة توقفت. الأمر ليس ازدحامًا، بل انسجام سرّي، أوركسترا داخلية لا تُسمع إلا حين أكتب.
-“قصائد أمي”… هل كنت تكتبينها كابنةٍ تبحث عن دفء الطفولة أم كشاعرة تُصالح قلبها؟4
هذه المجموعة وُلدت من الرثاء، من تلك الفجوة التي يتركها رحيل الأمّ في الروح. كتبتها وأنا ابنة قبل أن أكون شاعرة؛ ابنة تبحث بين الكلمات عن ظلّ ثوبها، وعن رائحة الخبز، وعن الأمان الذي لا يعوّضه شيء. لكن الشعر حوّل الرثاء إلى لغةٍ تتجاوز حزني الخاص لتصبح خطابًا لكل من فقد أمّه. كنت أكتب كي أُصالح قلبي، وكي أعيد إلى الأم الراحلة حياة أخرى في الكلمات، حياة لا يطالها الموت. وهكذا، صار “قصائد أمي” ليس فقط كتاب رثاء، بل وطنًا صغيرًا من اللغة، أعود إليه كلما اشتدّ عليّ الغياب.
بين “إفطار الفراشات” و”وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي” كيف تغيّر شكل الحلم ولون اللغة؟ 5-
في إفطار الفراشات كنت أكتب وكأنني أمسك بيد فراشة، أفتّش عن المعنى في خفّة الجناح ورقّة الضوء
أما في وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي، فقد تغيّر اللون وصار أكثر كثافة، وصارت اللغة أكثر التصاقًا باليومي والمعاش، هنا الحلم يتخذ هيئة المنفى، واللغة تصبح جسرًا بين عالمين، جذوري التي لا تنفصل عن العراق، وواقعي الجديد في المهجر،
كأنني في الكتاب الأول كنت أحلّق، وفي الثاني أتعلم كيف أمشي على أرض غريبة دون أن أفقد جناحي. اللغة لم تفقد شفافيتها، لكنها اكتسبت عمقًا آخر، كأنها نهر يحمل طمي الذاكرة وماء الحاضر في مجرى واحد.
-كيف تتبدّل فليحة بين الشاعرة والروائية والناقدة؟ أهو انقسامٌ داخلي أم تكامل روحي؟6
بصراحة أنا لا أراه انقسامًا، بل أشبهه بحديقة تتبدّل زهورها مع الفصول. في داخلي شاعرة تنصت لنبض اللحظة، وروائية تحتاج مساحة رحبة لتبني مدنًا كاملة من الشخصيات، وناقدة تجلس على مقعد الظل لتعيد النظر في كل ما يُكتب. هذه الأصوات لا تتنازع، بل تتجاور كما تتجاور الألوان في لوحة واحدة، فحين أكتب الشعر أستسلم للومضة، وحين أكتب الرواية أتنفّس الصبر، وحين أمارس النقد أتحوّل إلى مراقبة حذرة، إنها أدوار مختلفة، لكنها كلّها تصبّ في نهر واحد هو البحث عن المعنى. لذلك لا أشعر أنّني منقسمة، بل أشعر أنّني أعيش تكاملًا روحيًا، حيث كل جنس أدبي يضيء الآخر ويكشف عن زاوية لم تكن لتظهر لولا وجوده.
-أيّ رواياتك كانت أكثر استنزافا لروحك وتركت فيها أثرا عميقا؟ وأيها كانت الأقرب اليها ؟7
كل كتاب أكتبه يأخذ جزءًا من روحي، لكن “الحرب وأنا” كان النزيف الأكثر وضوحًا، لأنني كتبت فيه ذاكرتي الجسدية والروحية معًا. لم أكن أختبئ خلف شخصيات متخيَّلة، بل كنت أكتب نفسي كما هي، بجرحها وخوفها وأسئلتها، لذلك كان الكتاب استنزافًا حقيقيًا، أشبه باعتراف طويل على الورق،
أما “نمش ماي”, فهي الأقرب إليّ لأنها ابنتي الحلمية، الرواية التي فتحت لي الباب لأرى كيف يمكن للخيال أن يُنقذ الحقيقة من قسوتها، فيها استعدت قدرتي على تحويل الألم إلى لغة، والهواجس إلى شخصيات، والذاكرة إلى عالم متخيّل يمنحني القوة على الاستمرار، وهكذا، بين المذكرات التي أحرقتني والرواية التي أنقذتني، وجدت أن الكتابة ليست خيارًا، بل قدرًا لا فكاك منه.
-كتبت قصص للكبار وايضا للصغار برأيكِ، أيهما أكثر تحديًا: الكتابة للصغار أم للكبار؟8
الكتابة للصغار تحمل تحديًا خاصًا، فهي تحتاج إلى وضوح شديد، وحقيقة صافية، ولغة قريبة من القلب لكنها دقيقة بما يكفي كي لا تخدع العقل الطفولي. عليك أن تتحدّى نفسك لتختصر المعنى دون أن تختزل الشعور، لتبني عالمًا كاملًا في جملة أو مشهد صغير،
أما الكتابة للكبار، فالتحدي مختلف، هناك حرية أكبر، لكن هناك أيضًا مسؤولية أعمق، لأن القارئ يقرأ بين السطور، ويبحث عن الغياب والغياب وراء المعنى، فتكون اللغة مسرحًا داخليًا يحتاج إلى ضبط دقيق. لذا فيمكنني القول إن الصغار يختبرون صدقك، والكبار يختبرون عمقك، وكلّ نوع يفرض على الكاتب أن يكون على أهبة الاستعداد، لكن ربما الصغار أكثر صرامة في الحكم، وأشدّ تحديًا، لأنهم لا يتسامحون مع أي شيء مزيف.
9- تُرجمت أعمالك إلى أكثر من عشرين لغة… هل شعرت بأن رسالتك عبرت الى العالم كما أردت لها؟
الترجمة بالنسبة تشبه الى حدّ كبير تجربة سحرية ومعقدة في آنٍ واحد، فهي شيء يشبه العبور من جسد اللغة الأم إلى جسد آخر، وكل لغة تمنح النص نبضًا جديدًا، ورائحة مختلفة، وإيقاعًا خاصًا بها، لقد شعرت أنّ رسالتي تصل بصدق حين كتب لي بعض القراء من بلدان بعيد، كيف ألهمتهم قصائدي أو قصصي، أو كيف وجدوا في رواياتي صدىً لذكرياتهم وأحلامهم.
وصحيح إذا قلنا ان في الترجمة يُفقد جزء من الموسيقى الداخلية للكلمة، لكن جوهر المشاعر والأفكار تبقى محافظ عليها، وهذا أهم ما أرغب فيه، أن تصل التجربة الإنسانية المشتركة، بغض النظر عن الاختلافات اللغوية والثقافية، إنها لحظة مدهشة حين ترى الكلمات التي خرجت من قلبك في مكان آخر من العالم، تتنفس حياة جديدة، وتلتقي بقلوب لم تكن لتلتقي بها إلا بهذه الوسيلة.
-حدثينا عن شعورك حين طُرح اسمك في قائمة البوليتزر10
حين سمعت الخبر، شعرت بمزيج من السعادة والامتنان والخجل قليلًا، كأنّ قلبي اكتشف فجأة أنّه جزء من موجة أكبر، لم يكن مجرد اعتراف شخصي، بل شعور بأن الكلمات التي كتبتها، والقصص التي حملت صدى الذاكرة والإنسانية، قد وجدت مكانها في قلب العالم الأدبي الكبير، لأن المفاجأة لم تكن في اكتساب الشهرة، بل في المسؤولية التي شعرت بها، المسؤولية عن الاستمرار، عن الصدق في الكتابة، وعن أن أحافظ على العلاقة الحميمية بيني وبين اللغة، بيني وبين القرّاء، وبين قلبي وبين العالم. لحظة رائعة، نعم، لكنها لحظة تدفعك أكثر إلى الكتابة، لا إلى التوقف عندها.
11-حصلتِ على جوائز عربية ودولية عديدة منها جائزة نازك الملائكة وجائزة إلهام المرأة المتميزة… أيّها ترك الأثر الأعمق في مسيرتك؟ واي جائزة شعرت معها بأن العالم أخيرا أصغى لصوتك كما هو؟
كل جائزة تحمل معها قيمة رمزية، وكل واحدة كانت لحظة فرح وتقدير، والجائزة، بالنسبة لي ، لم تكن مجرد تكريم شخصي، بل شعور بأن الرسالة التي أحملها وصلتْ بالفعل، وأن عالمي الداخلي صار جزءًا من حوار عالمي أوسع.
12-صدر لك في النقد كتاب “تشظيات الفاء فوق مراياهم “كيف ترين دور الناقد في قراءة النصوص الشعرية اليوم؟
أرى الناقد اليوم كعين ثانية للنص، ليس لمراقبته أو الحكم عليه فحسب، بل لفهم أبعاده الخفية، لإعادة اكتشاف طبقات المعنى التي قد يغفلها القارئ العادي، والناقد لا يجب أن يكون قاضيًا، بل مرشداً ومرافقًا، يضيء الزوايا المظلمة للنص، ويساعد القراء على رؤية ما لم يرونه من قبل،
في كتابي “تشظيات الفاء فوق مراياهم” حاولتُ أن أصنع نوعًا من المرآة المضاعفة، أن أقرأ الشعر قراءة متأنية، وأفتح نافذة على النصوص بحيث يمكن للمتلقي أن يجد نفسه فيها، وأن يلمس الإبداع والعمق وليس فقط الكلمات على الورق، والناقد اليوم مسؤول عن بناء جسر بين النص والمبدع، وبين النص والقرّاء، وبين اللغة والحياة، دوره ليس مجرد تفسير، بل تعزيز تجربة النص، وتمكين الشعر من الاستمرار في حيويته وثرائه في العالم المعاصر.
13-ديوانك “لأنني فتاة” ما هي الرسالة التي أردت إيصالها الى المرأة والعالم؟
“لأنني فتاة” كان صرخة حميمية، رسالة إلى نفسي أولًا، ثم إلى كل امرأة تشعر بالقيود المجتمعية ، والحدود التي يضعها الآخرون على قدراتها وحريتها، أردت أن أقول بصوتي، بصوت فتاة عراقية، أنّ للمرأة الحق في التعبير عن أحلامها، عن ألمها، عن قوتها، دون مواربة أو خجل ، وحين حين حضر توقيع الديوان عدد الكبير من الشعراء والادباء من الرجال، ولم تحضر سوى أديبة واحدة كانت صديقتي، شعرت مرة أخرى بوضوح التحديات التي تواجه المرأة في عالم الأدب، وكم تحتاج أصواتنا إلى الإصرار والمثابرة لتكون مسموعة، لم أرَ في الأمر إحباطًا، بل حافزًا، فقد دافعت عن لغتي وعن كلماتي، وعن حقي في الوجود والكتابة، وهذا الديوان أصبح علامة فارقة في مسيرتي.
-إلى أي مدى يتقاطع الشعر مع الحرية في كتاباتك؟14
في كتاباتي، الشعر والحرية وجهان لعملة واحدة، الشعر بالنسبة لي ليس مجرّد كلمات ، بل هو فعل تحرّر؛ تحرّر من القيود الاجتماعية، ومن القيود الداخلية، ومن الصوت الذي يطلب مني أن أصمت ، حين أكتب، أمارس حرية الاختيار في كل شيء، الكلمة، الصورة، الإيقاع، المشهد، وحتى الصمت بين الحروف، نعم الحرية في الشعر تمنحني القدرة على مواجهة الواقع بلا خوف، على استدعاء الحقيقة مهما كانت مؤلمة، وعلى التعبير عن الذات كما هي، بلا رتوش أو أقنعة ، فالشعر عندي هو ممارسة يومية للحرية، ولغتي الخاصة، ونافذتي إلى عالم أوسع، عالم يمكنني فيه أن أكون كاملة، رغم كل القيود التي يفرضها الخارج أو الداخل.
كإمرأة عراقية في المحافل العالمية هل تشعرين بأنك تحملين ذاكرة وطن أم ذاكرة إنسان؟ -15
بصراحة، أشعر بأنني أحمل كلاهما، وهما متشابكان بشكل لا ينفصل في داخلي، ذاكرة الوطن تسكن تفاصيل كتابتي وتتمثل في الأزقّة، رائحة الأسواق الممزوجة مع بعضها بعضاً، الأحداث الصغيرة والكبيرة التي شكلت طفولتي وهويتي، هي تهمس في كل قصيدة، في كل جملة، وفي كل سطر من نصوصي.
لكن في الوقت نفسه، هذه الذاكرة تتحول عبر الشعر أو النثر إلى ذاكرة إنسانية، تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، فالحزن، الحب، الفقد، الحلم، الألم، الفرح، كلها مشاعر مشتركة بين البشر في أي مكان وزمان، لذا، حين أمثل العراق في المحافل العالمية، لا أمثل فقط وطنًا، بل أصوّت لتجربة الإنسان العامّة، وأحاول أن أجعل لغتي جسراً بين الخاص والعام، بين الفرد والمجتمع، بين الوطن والإنسانية جمعاء.
16-هل تشعرين بأنك تمثلين المرأة العراقية والعربية في المحافل الدولية، أم أنك تقدّمين ذاتك قبل كل شيء؟\
أحياناً كثيرة أشعر بأنني أفعل الاثنين معًا، لكن الأهم هو تقديم ذاتي بصدق، فحين أكتب أو أشارك في المحافل الدولية، أقدّم شخصيتي، تجربتي، رؤيتي، وجزءًا من حياتي الخاصة، وهذا بحد ذاته يعكس كثيرًا من الواقع الذي تعيشه المرأة العراقية والعربية، لكنني لا أستطيع بالطبع أن أختزل النساء العربيات جميعاً في كتاباتي، فالمسألة أعمق وأوسع لذا فكل ما أقدمه هو صوتي، لغتي، وقلبي، ومع ذلك، حين ينظر الناس إلى كتاباتي، يجدون فيها انعكاسًا لتجارب مشتركة، كالقوة، الصبر، الألم، الحب، المقاومة، الحرية، وبذلك، أكون ممثلة لذاتي أولًا، وللمرأة العراقية والعربية بشكل غير مباشر، من خلال الصدق والعمق في الكتابة.
؟ – ما الذي يدفعك إلى الكتابة؟ أهو الحلم، الذاكرة، الغربة أم وجع التجربة17
الكتابة عندي هي تفاعل لكل ما ذكرتيه معًا، لا ينفصل أحدها عن الآخر، الحلم يمنحني الأفق، يفتح أمامي إمكانيات لا يحدها الواقع، ويزرع في النص روحًا من الحرية شبه المطلقة، الذاكرة تكتبني من الداخل، تعيد لي تفاصيل طفولتي في النجف والعراق ، وجوه من رحلوا، أماكن شكلت ذاتي ، ولحظات لم تزل تحفر أثرها في روحي، والغربة تضيف بعدًا آخر، تجربة الغياب عن الوطن التي تجعل كلّ كلمة تحمل صدى مسافة، وتجعل الكتابة جسرًا بين ما فقدته وما أحتفظ به، أما وجع التجربة، فهو الوقود الحقيقي لاستمرار كتاباتي ، الألم والفرح والمفارقة كلها تتحول إلى لغة تعيش وتنبض على الورق،
لذا فالكتابة بالنسبة لي ليست اختيارًا، بل حاجة ملحّة، طريقة لأفهم نفسي والعالم، ولأحافظ على الحرية والذاكرة والحلم في آن واحد.
18-ماذا تعني لك كل تلك الترجمات والمهرجانات والجوائز إذا عدتِ إلى فليحة التي كانت تحلم بحرفها الأول؟ وماذا أضافت الى مسيرتك الأدبية؟
حين أعود بذاكرتي إلى فليحة الصغيرة في النجف، التي حملت أول قلم وكتبت أول حرف على الورق، أشعر أن كل الترجمات والمهرجانات والجوائز لم تغيّر جوهر تلك الفتاة الصغيرة الحالمة، فهي لما تزل تحلم بالقصيدة المنشودة، وتبحث عن صدق الكلمة، وتتمسك بالخيال والحرية كما كانت دائمًا،
لكنني لا أخفي عليك إن الترجمات أضافتْ بعدًا آخر لمسيرتي الإبداعية، فالاعتراف الدولي منح كتاباتي صوتًا أوسع، وفتح أمامها آفاقًا لم تكن لتخطر على بالي، وعزز الثقة بأن اللغة يمكن أن تعبر الحدود، وأن تجربتي الإنسانية يمكن أن تلمس قلوب القراء في أي أماكن أخرى، أما الجوائز والمهرجانات فهي عندي ليست مجرد تكريم، بل هي دليل على أن الحلم الصغير الذي بدأ بحرف أول، يمكن أن يتحول إلى نوافذ على العالم، وأن الكلمة الصادقة تجد طريقها دائمًا، مهما بعدت المسافات.
-لو طلبتُ منكِ أن تختصري مسيرتك الإبداعية بجملة واحدة… ماذا ستقولين؟19
سأقول، مسيرتي الإبداعية رحلة مستمرة بين الذاكرة والواقع، بين الألم والفرح، حيث تتحوّل كل تجربة عشتها إلى قصيدة.
20-أنت اليوم تعيشين وتعملين في أمريكا… كيف أثّر الاغتراب في وعيكِ الشعري والإنساني؟ و هل غيّر العيش في أمريكا صورة الوطن داخلك؟
الاغتراب كان ولما يزل بالنسبة لي تجربة مزدوجة من جهة، أضاف بعدًا جديدًا للشعور بالحنين والهوية، وجعل كل كلمة أكتبها تحمل صدى البعد عن الوطن، وعن الأزقة والسماء والوجوه التي نشأت بينها، ومن جهة أخرى، منحني مساحة للتأمل الحر، وحرية أكبر في التجربة الإنسانية، بعيدًا عن ضغوطات المجتمع المباشرة،
والعيش في أمريكا لم يغيّر صورة الوطن في داخلي، لكنه جعلها أكثر وضوحًا وعمقًا، فحينما ابتعدتُ عنه أتضحتْ عندي صورته الاوضح والأكمل، فالوطن أصبح شعورًا أكثر تجذرًا في الذاكرة، في الحلم، في اللغة، وفي كل ما أكتبه، حتى وإن كنت على بعد آلاف الأميال، هنا، صرت أرى العراق ليس فقط كمكان جغرافي، بل كتدفق دائم من التجارب، تتنقل معي أينما كنتُ، وتغذي نصّي الشعري والنثري معاً.
21- كيف تعرّفين الشعر في زمنٍ تداخلت فيه الأصوات وتباينت المدارس والى أي مدى تعتقدين أن الشعر قادر على تجاوز الحدود ليكون لغة عالمية مشتركة؟
الشعر بالنسبة لي هو روح اللغة التي تنبض بالوجود، هو الصوت الداخلي الذي يخرج على الورق ليصبح تجربة مشتركة بين الشاعر والقارئ. ورغم تباين المدارس وتداخل الأصوات، يظل الشعر مساحة للحرية والصدق، حيث يمكن لكل تجربة إنسانية أن تجد شكلها الخاص، بغض النظر عن الزمان أو المكان، وأعتقد أن الشعر قادر على تجاوز الحدود، ليس فقط من خلال المعنى، بل من خلال الإيقاع، الصور، والموسيقى الداخلية للكلمة.
فحين يقرأ الإنسان نصًا صادقًا، ويشعر بالصلة الإنسانية المشتركة التي تكمن فيه، أما بإحساسه به أو بفهمه له، حينها يصبح الشعر لغة عالمية تتجاوز الاختلافات الثقافية والجغرافية، ويستطيع أن يكون جسرًا بين الشعوب، مهما اختلفت لغاتهم وأماكنهم.
22-برأيك هل تغيّرت وظيفة الشعر اليوم؟ وهل ما زال قادرا على إحداث أثر عميق في القارئ كما كان في السابق
بالتأكيد تغيرتْ هذه الوظيفة كثيراً، فبعد أن كان الشاعر يمثل صوت قبيلته، كونه المدافع عنها شفاهياً بين اعدائها والناطق الرسمي لها، ولسان حالها، أصبح الشاعر الان يمثل نفسه أكثر من ذي قبل، ويهتم بقضاياه الذاتية بصورة أوضح من ذي قبل،
أما وظيفة الشعر فقد تطورتْ مع الزمن أيضاً، لكنها لم تفقد جوهرها، فالشعر لما يزل قادرًا على إحداث أثر عميق، لكنه يحتاج إلى صبر القارئ وفضوله، وإلى صدق الشاعر في التعبير عن تجربته الإنسانية، فالكلمة الصادقة، الصورة الشعرية الحية، الإيقاع الذي يتنفس والدهشة غير المتوقعة، كل هذا يضمن أن الشعر يصل إلى قلب القارئ، كما كان دائمًا، ويترك أثره رغم كل الضوضاء من حولنا.
23-هل ترين أن الملتقيات الأدبية قادرة على خلق حركة شعرية عربية حقيقية تتجاوز الحدود الجغرافية؟ وما رأيك في ملتقى الشعراء العرب الذي يرأسه الاديب المصري الاستاذ /ناصر رمضان عبد الحميد ودوره في جمع الأصوات الشعرية العربية تحت مظلة واحدة؟
أعتقد أن الملتقيات الأدبية العربية تلعب دورًا مهمًا في تقريب الأصوات الشعرية من بعضها بعضاً، وتتيح فرصة أوسع للتبادل الثقافي بين الشعراء العرب بخاصة، والشعراء من مختلف البلدان بشكل عام، فهي تمنح الشاعر مساحة للاطلاع على تجارب الآخرين، وتساعد كثيراً في توسيع رؤيته الفنية والأدبية، ومعرفة صدى لأفكاره خارج حدود وطنه،
أما عن ملتقى الشعراء العرب الذي يرأسه الأستاذ ناصر رمضان عبد الحميد، فأراه منصة فاعلة في جمع الأصوات الشعرية العربية تحت مظلة واحدة، ومنحها حضورًا مشتركًا في فضاء أدبي اوسع.
شكرا لكم سيدة ” ليلى بيز المشغرية”، عضو ملتقى الشعراء العرب ومحررة لمجلة أزهار الحرف على أسئلتكم الذكية التي اتسعتْ لتشمل كل ما يحب أن يعرفه القارئ العربي عن تجربتي الأدبية المتواضعة، دمتم مبدعين.
فليحة حسن
[email protected]