حديقة ورود من الأسرار: محمود الشبستري في مرآة الترجمة والتحقيق
يُعَدّ القرن الرابع عشر الميلادي (الثامن الهجري) من أكثر العصور اضطرابًا في تاريخ العالم الإسلامي، إذ تزامن مع الغزو المغولي بقيادة هولاكو الذي اجتاح المشرق الإسلامي ودمّر بغداد سنة 1258م، وألقى بظلاله الثقيلة على الحياة الفكرية والدينية والاجتماعية. في ظل هذا الخراب، ظهرت نزعة التصوف كملاذ روحي للإنسان الباحث عن الطمأنينة، فانبثق من رحم المحن تيار شعري صوفي عميق، حمل على عاتقه مهمة الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى.
في هذا السياق، وُلد الشاعر محمود الشبستري (توفي سنة 720هـ/1320م) في مدينة شبستر بأذربيجان، ونشأ في بيئة عرفت تعدد السلطات السياسية وتنوع المذاهب الدينية، وهو ما انعكس بالضرورة على شعره ورؤيته. تأثر الشبستري بسابقيه من كبار أعلام التصوف مثل الحلاج، الغزالي، وفريد الدين العطار، وانخرط في حوار شعري – فلسفي عميق مع أسئلة الوجود والميتافيزيقا.
هذا الديوان الماتع “حديقة ورود من الأسرار” من النصوص الصوفية الخالدة، وقد كُتب على هيئة مثنويات (كل بيتين معًا)، وهو في أصله إجابة شعرية على أسئلة طرحها روح الدين أمير حسين الهروي الملقب بالجنيد الثاني على الأدباء والمتصوفة في تبريز. لذلك، جاء الديوان قائمًا على بنية السؤال والجواب، ما يضفي عليه طابعًا حواريًا فلسفيًا، يقترب من الجدل الروحي، ويكشف عن معاناة الإنسان في بحثه عن الحقيقة.
وقد تُرجم الديوان أولًا من الفارسية إلى الإنجليزية على يد إدوارد هنري واينفيلد، ثم جاءت الدكتورة البحرينية لمى سخنيني لتترجمه من الإنجليزية إلى العربية في عمل يُعدّ أول ترجمة عربية كاملة للنص، صدرت عن دار العائدون للنشر والتوزيع.
في هذا العمل الشعري البديع
لم تكتفِ الدكتورة لمى سخنيني بمجرد الترجمة، بل قدّمت تحقيقًا علميًا رصينًا وشرحًا معمقًا للنصوص، مستعينة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فضلًا عن الاستشهاد بكتاب “إحياء علوم الدين” لأبي حامد الغزالي، مع تخريج الأحاديث وبيان درجتها. كما كتبت مقدمة ماتعة عن حياة الشبستري وزمنه، بيّنت فيها أثر الاضطرابات السياسية والفكرية في صياغة تجربته الشعرية الصوفية.
وتجدر الإشارة إلى أن الدكتورة لمى سخنيني ذات نزعة صوفية وعشق خاص للورد، حتى إنها لا تكاد تزور مكانًا إلا وتحمل كاميرتها لتصوير الورود بأنواعها. لذلك بدا شرحها لمعنى “الوردة” في التصوف شرحًا حيًّا نابضًا، يستمد صدقه من تجربة شخصية ووجدانية.
مثال من بنية الديوان
من الأسئلة التي طرحها الهروي على الشبستري:
السؤال الثالث:
من أنا؟ قل لي ماذا تعني “أنا”؟
ما معنى السفر إلى نفسك؟
الجواب:
مرة أخرى تسألني من أنا؟
أعطني أخبارًا عن نفسي حول ما تعنيه كلمة “أنا”.
هذا الحوار الشعري يجسد عمق التجربة الصوفية في سعيها لفكّ ألغاز الذات والوجود، حيث تصبح “الأنا” رحلةً داخلية نحو الكشف والمعرفة.
في النهاية:
إن ديوان “حديقة ورود من الأسرار” ليس مجرد أثر شعري صوفي، بل وثيقة فلسفية-روحية، تعكس صراع الإنسان في مواجهة أسئلة الميتافيزيقا. وجاءت ترجمة وتحقيق الدكتورة لمى سخنيني لتعيد لهذا النص مكانته في الثقافة العربية، ولتمنح القارئ نافذة على عالم الشبستري المليء بالرموز والتأملات. إنها إضافة نوعية تحسب لها ولدار العائدون للنشر والتوزيع، ولبنة جديدة في جسر الحوار بين التراث الصوفي والإنسان المعاصر.