في عالمٍ تتقاطع فيه المعرفة مع الإبداع، وتتناغم فيه الكلمة مع رسالتها، تبرز أسماء جعلت من الثقافة رسالةً ومن الأدب هويةً. من بين هذه الأسماء، يسطع اسم تمارا شلهوب جاد ، الأكاديمية والكاتبة التي جمعت بين عمق التكوين العلمي ورهافة الحس الأدبي. فهي حائزة شهادة الماستر ٢ من الجامعة اللبنانية، ومدرّبة تربوية وأستاذة في القسم الثانوي لأكثر من سبعة عشر عامًا، قدّمت خلالها خبرةً غنية في ميدان التعليم والتربية.
لم يقتصر حضورها على الجانب الأكاديمي، بل امتدّ إلى الفضاء الثقافي من خلال مشاركاتها النقدية في ندوات أدبية وفكرية متنوّعة، فضلًا عن نشاطها في الشعر والتقديم والنقد خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وقد تُوِّج هذا المسار بصدور روايتها الأولى “امرأة في مهبّ الأزرق” عن دار البيان العربي، تلتها مجموعة شعرية بعنوان “نشوة عذراء” (قصائد نثر) عام ٢٠٢٤، فيما ينتظر القارئ ديوانها الجديد قيد الطبع “تاجي، ‘إيلّا’ إن سألت”.
إنها شخصيةٌ تتقاطع فيها التجربة التربوية مع التجربة الأدبية، لتقدّم نموذجًا غنيًّا للمرأة المثقفة، التي جعلت من الكلمة فعلًا للتأثير والتغيير.
ومن هنا كان لمجلة أزهار الحرف معها هذا الحوار.
حاورتها جميلة بندر
………………………..
1.بدايةً، من هي تمارا شلهوب جاد بعيدًا من الألقاب والشهادات؟ كيف تعرّفين بنفسك للقارئ بكلمات بسيطة؟
– دعيني، بعد إذنك، استبدل التّعريف المثبت، برؤيا لي، يستنتج منها القارئ التّعريف الأقرب إلى قلبه:
في الأوّل المتوسّط كنت عندما شُغفت بالشّعر إذ قرأتُ، بالصّدفة، ديوان “مصطفى جحا” “إلى امرأة واحدة”، الذي سرقته من قسم الكبار في مكتبة المدرسة. وبعده، لم أعد أنا، بل أدمنت قراءة الشّعر، والغزل منه بشكل خاص، حتى صرت أغمض عينيّ، وأرى نفسي على طاولة، في مكتبة، يلتهم قلمي سطور الأوراق أدبًا… نعم أنا الطّفلة/ الأديبة بالقوّة التي حلمت بأن تكون أديبة بالفعل، وفعلتها.
2.كونك أستاذة في التعليم الثانوي لأكثر من سبعة عشر عامًا، كيف أثّر عملك التربوي في تجربتك الأدبية؟ وهل أثّر الطلاب في كتاباتك بطريقة ما؟
– لقد أثّر طلّابي في كلّ تجاربي الحياتيّة، ولا أبالغ إن قلت إنهم علّموني أكثر ممّا علّمتهم: علّموني الصّبر، والتّعاطف، والتّفهّم، والتّسامح وأكسبوني مهارات مثيرة في الذّكاء العاطفي ما كنت لأكتسبها لولاهم، وقد ذكرت في روايتي أكثر من موقف لي معهم، صقلني وجعلني ما أنا عليه اليوم.
3.أنت حائزة شهادة الماستر ٢ من الجامعة اللبنانية، ما أهم ما أضافه لكِ التكوين الأكاديمي في مسارك الأدبي والثقافي؟
– إنّ أهمّ ما أضافه إليّ التّكوين الأكاديمي في مساريّ الأدبي والثّقافي، هو الحسّ البحثي، والعقل المنظّم، وامتلاك المعلومات، وتنمية شغفي باللّغة، كما فتح عينيّ على مصادر ومراجع كان لها الفضل الأكبر في تكوين خلفيّتي الأدبيّة.
4.دخلتِ عالم النشاط الثقافي مؤخرًا عبر الشعر والتقديم والنقد. ما الذي دفعك إلى هذه النقلة، وكيف وجدتِ نفسك في هذا الفضاء الجديد؟
– بعد الانهيار الاقتصادي بسبب الأزمات الأخيرة المتراكمة على لبنان، إذ صار راتبي أقلّ من أن يكفي وقودي نحو المدرسة، وبعد الضّغط النّفسي الذي عانيته لسنوات إذ كنت، في عيون النّاس معلّمة ناجحة لا بل متفوقة ومحبوبة، لكنّني في قرارة ذاتي كنت امرأة تعيسة، أضاعت نفسها ذات تعليم… فما كان منّي إلّا أن تركت مجال التّعليم نهائيًّا، وتوجّهت نحو شغفي الأوّل والأخير: الأدب والكتابة، وهنا، وجدت سعادتي.
5.روايتك الأولى “امرأة في مهب الأزرق” حملت عنوانًا عميقًا وموحيًا. ما الدلالات التي أردتِ إيصالها من خلاله؟
– “الأزرق” هو اللّون المتّفق عليه كرمز اجتماعيّ للفضاء الافتراضي الواسع: الفايسبوك، والواتساب، وعالم التّواصل الاجتماعي بكامله، وقد اخترت هذا العنوان لأشير إلى دلالات كثيرة أهمّها ضلال المرأة، بطلة الرواية، في العالم الافتراضيّ، وتخبّطها في أمواجه.
6.ديوانك “نشوة عذراء” كان محطّة لافتة في مسيرتك. لماذا اخترتِ قصيدة النثر تحديدًا، وكيف تنظرين إلى هذا الشكل الشعري مقارنةً بالأوزان التقليدية؟
– لقد كتبت خليليًّا وتفعيليًّا إلّا أن ما كنت أكتبه كان أقرب إلى رصف النّظم منه إلى روح الشّعر لشدّة ما أرهقتني قيود الوزن والقافية والرويّ، وقيّدت انطلاق أفكاري وجنون أحاسيس… لكن قصيدة النّثر كانت الأقرب إليّ للامحدوديّتها، ومع ذلك فقارئي الأكاديمي المتخصّص سيلاحظ أنّ شعري خليط من انطلاق قصيدة النّثر فكرًا وشعورًا، ومن موسيقى شعر التّفعيلة الدّاخلي والخارجيّ، إذ ألزمت نفسي بما لا يلزم من إيقاعين داخلي وخارجي، الأمر الذي يضع شعري بين البينين.
7.ديوانك المرتقب “تاجي، ‘إيلّا’ إن سألت” يحمل عنوانًا استثنائيًا. هلّا حدثتِنا عن خلفيته وما الذي يمكن أن يتوقعه القارئ من خلاله؟
– تاجي “إيلّا إن سألت”، مجموعة قصائد كتبتها في فترة العدوان الإسرائيليّ الأخير على لبنان، انطلاقًا من أسئلة عديدة طرحتها ابنتي إيلّا، ذات السّنوات السّبع، خوفًا، واستفسارًا، وفضولًا، عن شخصيّات ومفاهيم وأحداث معيّنة، أوحت إليّ بإجابات شعريّة توّجت هذا العمل.
8.كأديبة وناقدة، كيف ترين المشهد الأدبيّ اللبنانيّ والعربيّ اليوم؟ وهل تجدين أن المرأة الكاتبة تنال حقّها في الحضور والتقدير؟
– ما زلت أحبو في خطواتي الأولى في مجال المشاركات وبناء المعارف وخوض التجارب، وأعتقد أنه ما زال الوقت مبكرًا لأبدي رأيي في هذا الموضوع. أمّا عن حقّ المرأة في الحضور والتّقدير فقد كان لها وثبة كبيرة في هذا المجال في السّنوات الخمسين الأخيرة، ولكنّها تظلّ قاصرة عن نيل حقوقها المستحقّة.
9.من خلال مشاركاتك في النّدوات الثّقافية، كيف تقيّمين أهمية النّقد في حياة النّص الأدبي؟ وهل ترين أن النّقد العربيّ يواكب ما يُنتج من نصوص؟
– للنّقد الدّور الأبرز في تصفية الأعمال الأدبية وتنقية المكتبة الأدبيّة من شوائب اللاأدب، والنّقد عندنا للأسف، ما زال، ككلّ ما في هذا المجتمع اللّبناني والعربي، مرتبطًا باتّفاقات، وزعامات، وخلفيّات، ومحاصصات، وتبعيّات… تجعله يرزح تحت نير المحسوبيّات والمجاملات أو التشهير، لحساب فريق أو لحساب آخر.
10.لكلّ كاتب مؤثرات أثرت في تكوينه. من هم الأدباء أو الشعراء الذين شكّلوا بصمة في مسيرتك، محليًا أو عالميًا؟
– لقد ترعرعت على أدب مارون عبود، وتوفيق يوسف عواد، وميخائيل نعيمة، ما قوّم قلمي وصلّبه، كما وشببت على شعر مصطفى جحا ونزار قباني ومحمود درويش وما رقّق حبري ونعّم أسلوبي. ومؤخّرًا اطلعت على الأدب الروسي، والياباني، والإيطالي، ما وسّع آفاق الوحي وطوّر وسرّع، برأيي، في نضوج تجربتي الأدبيّة التي، وأُصرّ، ما زالت في أوّلها.
11.ما الرسالة التي تودّين توجيهها إلى القرّاء الشباب الذين يقفون على عتبة الكتابة ويبحثون عن هويتهم الأدبية؟
-سأنطلق من تجربة السعداوي في كتابها “مذكرات طفلة اسمها سعاد”: هي التي كتبته وهي في الصفّ الثّانوي الأوّل، عندما طلب منها معلّمها ان تكتب نصًّا في التّعبير الكتابي من ثلاث صفحات عن أيّ موضوع تختاره. وعندما قدّمت للمعلّم كتابها، مع العنوان، والرّسم الذي اقترحته له كغلاف، نهرَها معلّمها، وأعطاها صفرًا… فخبّأت كتابها الصّغير، وتجربتها الصّغيرة، وحلمها الصّغير في درج حياتها، وفقدت كلّ ثقة بكتابتها، واتّجهت نحو الطّب… ولكنّها ما لبثت أن عادت إلى الكتابة بتشجيع كثيرين وكتبت أكثر من خمسين كتابًا وألهمت الملايين… وقد قامت لاحقًا بنشر هذا الكتاب، على حدّ قولها، لتشجع كلّ فتى وفتاة على المثابرة على الكتابة، من أجل تحقيق احلامهم….
وأنا أتوجّه كذلك، من كلّ من يهوى الكتابة، لأشدّ على قلمه، وأشجّعه على القراءة، والتأمّل والمناقشة، والتّعلم، لاكتساب جدّة الأفكار، وجمال الأسلوب… كلّ قارئ هو مشروع كاتب، وقد نجد قارئًا لا يكتب، ولكن من المستحيل أن نجد، أو أن نخلق كاتبًا لا يقرأ… حتى الشات جيبيتي، هو قارئ وحافظ لآلاف الأفكار والجمل والكلمات التي أملاها عليها صانعوه، من أجل أن يأتينا بالإجابات والنصوص…
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف