المقهى
دخلت المقهى في ساعة لم يحددها أحد.
الساعات على الجدران تتحرك بشكل غريب، تصعد وتهبط، وكأن لكل واحدة يومها الخاص.
شعرت بغرابة المكان، كأنه يعرفني قبل أن أعرف نفسي.
الباب أغلق خلفي بصمت، لكني شعرت أنني دخلت منطقة بين الزمان والمكان، حيث كل شيء مألوف وغريب في الوقت نفسه.
جلست على الطاولة، والكرسي تحتي تنهد، وكأنه كان ينتظر قدومي منذ سنوات طويلة، منذ لحظة فقدت فيها شيئًا مني.
ظهر النادل فجأة، هادئًا، كأنه جزء من فكرة لم تولد بعد.
وضع أمامي كوبًا شفافًا، فارغًا لكنه ثقيل
—اشربي لئلا تتيهي أكثر.
شربت الهواء حولي، بدأ يتلوى، وتحولت وجوه حولي في لحظات غريبة
أطفال يطفون بلا وزن، وطفلة صغيرة تقفز بين الطاولات تاركة أثرًا من الضوء.
شعرت أن شيئًا بداخلي يتغير، وكأن داخلي اتسع بلا إذن.
همس المكان بصوت غامض:
—أنتِ لم تأتِ هربًا وإنما بحثًا.
اقتربت الجدران، لكنها لم تكن مهددة، وكانت تصغي لكل تردد داخلي، لكل رغبة ضائعة.
حاولت النهوض، فقال النادل:
—ليس بعد… المكان لم يقل كلمته الأخيرة.
حينها رأيت انعكاسي القديم في المرآة قرب الباب، المرأة التي كنتها تمد يدها نحو الزجاج
وضعت يدي مقابل يدها، كانت باردة، حية، وكأنها تتحدث بلغة قلبي قبل عقلي، تكشف صراعاتي المخبأة.
شربت من الكوب مرة أخرى، والسائل الداكن بدا وكأنه يمسح الحدود بين الداخل والخارج، بين الزمان والمكان
شعرت أن أفكاري أصبحت هواءً يركض ويتكاثر، يهمس باسمي في كل زاوية، وكل لحظة تحمل اكتشافًا جديدًا عن نفسي.
في تلك اللحظة، أدركت أن المقهى لم يكن مجرد مكان، وإنما اختبار عميق لاكتشاف الذات
كل شيء حولي—الكرسي، الجدران، الضوء، المرآة—كان يربطني بنسخ من نفسي، كل نسخة تحمل درسًا، وكل لحظة تذكرني بما تركت خلفي.
خرجت من المقهى، لكن شعرت أن جزءًا مني بقي هناك، يراقب انعكاس الضوء والأطياف، يهمس باسمي.
كل خطوة في الشارع الجديد تبدو وكأنها امتداد للحلم، وكل حلم يلتف حولي، وكل صوت يحمل صدى المكان.
لكنني عدت هذه المرة مختلفة، أعرف أنني لم أأتِ عبثًا
المقهى، الكوب، المرآة… كل ذلك أصبح جزءًا مني، ودائمًا سينتظرني لأعرف من أنا حقًا، وما إذا كنت أنا التي جاءت، أم أنا التي لم تغادر أبدًا.
الوقت يتلوى، الجدران تتذكرني، الهواء يحتفظ بأفكاري، والكوب أمامي يحمل الليل.
وأنا أمشي الآن، أحمل معي كل ما تعلمته، وكل ما بقي ينتظر، كما ينتظر كل شيء حي، حتى أعرف من أنا حقًا.


















