حزين عمر… شاعر الموقف وابن الأرض الذي لم تُرهبه المناصب بقلم /ناصر رمضان عبد الحميد
تعرفتُ على الشاعر الكبير حزين عمر في اتحاد كتاب مصر، وكان وقتها يشغل موقع السكرتير العام للاتحاد. وما إن علم أنني من الفيوم حتى اتسعت ابتسامته أكثر، ورحّب بي ترحيب ابن الأرض بابن أرضه، كأن الجغرافيا تحولت فجأة إلى وشائج إنسانية وثقافية. من تلك اللحظة لم يكن اللقاء عابرًا، بل تأسس تواصل إنساني وأدبي ما زال ممتدًا، تؤكده المواقف قبل الكلمات، والذاكرة قبل المناسبات.
دعاني إلى ندوة «العامرة» التي كانت تُقام كل ثلاثاء، تلك الندوة التي شكّلت في زمنها واحدة من أهم المنصات الجادة التي تستضيف الشعراء، وتقدمهم، وتناقش تجاربهم، بل وتطبع أعمالهم، في ممارسة ثقافية نادرة لا تعرف الزيف ولا الاستعراض. هناك بدا حزين عمر في موقعه الطبيعي: مثقفًا حقيقيًا، يفتح الأبواب ولا يغلقها، ويؤمن بأن دور المسؤول الثقافي هو الاكتشاف والرعاية لا الوصاية.
امتد دعمه إلى النشر في جريدة «المساء»، حين كان نائبًا لرئيس التحرير، منحازًا للنص الجيد لا للاسم، ومؤمنًا بأن الصحافة الثقافية رسالة لا مكافأة. ثم ناقش ديواني «للحب رائحة الأرق – ومضات» في نقابة الصحفيين، مناقشة واعية وصريحة، لا مجاملة فيها ولا تزيين، لأن حزين عمر لا يعرف المجاملة في الشعر، ولا يقبل أنصاف الأحكام في النقد.
ينتمي حزين عمر إلى الفيوم، لكنه في جوهره ينتمي إلى مصر بوصفها فكرة ومشروعًا وهوية. هو ابن الفلاح المثقف، الذي خرج من الأرض حاملاً وعيها، ومن الريف مشبعًا بقيمه، فصار صوته الشعري مزيجًا من البساطة والعمق، ومن الصدق والصلابة. وهو شاعر ناصري الانتماء، واضح الموقف، لا يوارب ولا يساوم، حتى صارت من أشهر مقولاته:
«من لم يحب عبد الناصر، في وطنيته شك»،
وهي جملة لا تُقال بوصفها شعارًا، بل بوصفها تعبيرًا عن إيمان بمشروع وطني، وبفكرة العدالة الاجتماعية، وبالدولة التي تحمي الفقراء وتحترم الكرامة.
لم يكن هذا الانحياز بلا كلفة؛ فقد خاض حزين عمر صراعًا عنيفًا مع سمير رجب، الذي كان يشغل منصب رئيس تحرير جريدة «المساء» ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الجمهورية. ورغم ثقل المنصب وسطوته، ورغم الحراسة المشددة التي كانت تحيط بسمير رجب آنذاك، لم يرهبه الموقع، ولم تخيفه السلطة، وظل ثابتًا على موقفه، مدافعًا عن استقلال الكلمة وكرامة الصحافة، مؤمنًا بأن المنصب زائل، أما الموقف فباقٍ.
حزين عمر ليس شاعرًا فحسب، بل مفكر وناقد وكاتب مسرحي وصحفي أدبي، ومدافع صلب عن الأزهر بوصفه حصن الوسطية والعقل، وعن «دولة التلاوة» باعتبارها أحد أعمدة الهوية المصرية. يتسلح بلغة عربية رصينة، ويستند إلى تكوين علمي رفيع بوصفه ابن كلية الألسن، المتقن للغات الأجنبية، القادر على الانفتاح على الثقافات دون أن يفقد جذوره أو يفرط في هويته.
في حضوره الإنساني، هو كريم في ضيافته، هادئ في تعامله، رصين في رأيه، لا يرفع الرديء، ولا يمنح الشرعية إلا لما يستحق. وفي هذا يشبه شعره تمامًا: صادق، واضح، منحاز للإنسان، ومتصالح مع الأرض.
وتأتي مؤلفاته لتؤكد اتساع تجربته وعمقها، من دواوين شعرية بارزة مثل:
«فصل من التاريخ الخاص»،
«اليوم العاشر»،
«مذكرات فلاح»،
«أنت رائحة الغناء»،
«المطرود منك… آب إليك»،
و«آخر أخبار الجنة» (رواية شعرية)،
إلى كتبه النقدية والفكرية مثل:
«الإبداع الجديد وقضايا المجتمع»،
«ملوك الضحك وحرافيش السخرية»،
و«الحرية في الإسلام في مواجهة التطرف والإرهاب»،
إضافة إلى أعماله المسرحية التي قُدمت على مسارح الدولة.
هكذا يتجلى حزين عمر: شاعر الموقف، ومثقف الدولة الوطنية، وابن الأرض الذي لم تغره المناصب، ولم تُرهبه السلطات، وبقي وفيًا للكلمة حين تكون فعلًا، وللشعر حين يكون موقفًا، وللوطن حين يكون المعنى الأعلى لكل إبداع.



















