المبـالغـة و الغلـو فـي الشعـر العـربـي ….
تُعد قضية “المبالغة و الغلو” من أقدم و أشهر المعارك النقدية في تاريخ الأدب العربي، و هي تتلخص في سؤال جوهري:
هل يجب أن يكون الشعر صادقاً و واقعياً، أم أن جماله يكمن في قدرته على الخيال الجامح؟ .
في الحقيقة هناك رأيين متضادين، و لكي نفهم الموضوع بشكل مُبسط، سنقوم بإستعراض كلا الرأيين مع أمثلة من الشعر العربي الفصيح:
أولا مفهوم المبالغة:
المبالغة هي تجاوز الحدّ المعتاد في الوصف، بهدف الـتعظيم أو التقبيح. و درجاتها: التبليغ و الإغراق و الغلو.
أما التبليغ فهو وصف ممكن عقلاً و عادةً (مثل: الجود كالبحر).
و مثله قول امرؤ القيس في وصف سرعة فرسه:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
(و هنا وصف سرعة الفرس بصخرة ساقطة من جبل، و هو أمر ممكن و مشاهد في الواقع).
و أما الإغراق فهو وصفٌ ممكن عقلاً لكنه ممتنع عادةً (مثل: رجل يقاتل جيشاً كاملاً بمفرده).
و مثله قول زهير بن أبي سلمى في المدح:
تراهُ إذا ما جئتَهُ مُتهللاً
كأنك تُعطيهِ الذي أنتَ سائلُهْ
(أن يفرح الشخص بالبذل كأنه هو من يأخذ العطاء هو أمر ممكن عقلاً، لكنه نادر جداً في العادة البشرية).
و أما الغلو فهو وصف مستحيل عقلاً و عادةً (مثل: شاعر يدعي أن دموعه أجرت أنهاراً، أو أن ممدوحه يحيي الموتى).
مثله قول المتنبي:
بَرِّد حَشايَ إِنِ اِستَطَعتَ بِلَفظَةٍ
فَلَقَد تَضُرُّ إِذا تَشاءُ وَ تَنفَعُ
(و هذا النوع كان موضع نقد و خلاف عند البلاغيين لأنه ينقل الممدوح إلى مقام شبه إلهي)
و قد يصل الغلو أيضا إلى حد الكفر و العياذ بالله ، كقول إبن هانئ الأندلسي في مدح الحاكم بأمر الله الفاطمي ،
شئت ، لا ما شاءت الأقدار
أحكم فإنك أنت الواحد القهار
ثانيا الانقسام النقدي :
و قد انقسم النقاد قديماً و حديثاً إلى فريقين:
الفريق الأول قال: “أعذب الشعر أكذبه”. و وجهة نظرهم أن الشعر فن تخيلي و ليس تقريراً صحفياً. أي كلما ابتعد الشاعر عن الواقع و حلق في الخيال و المبالغة، كان شعره أكثر إدهاشاً و قوة. و أشهرهم: قدامة بن جعفر، الذي اعتبر أن المبالغة دليل على سعة قدرة الشاعر اللغوية.
كقول المتنبي:
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ
لولا مخاطبتي إياك لم ترني.
(و هنا يبالغ المتنبي في وصف نحافة جسمه لدرجة أنه أصبح غير مرئي، و هذا قمة الكذب الفني المحبب لدى هذا الفريق لأنه يصور شدة الألم و يستخدم المبالغة في النحافة كأداة بلاغية لتكثيف الانطباع و إظهار شدة الحالة النفسية).
الفريق الثاني قال: “أعذب الشعر أصدقه” و وجهة نظرهم هي رفض الغلو الذي يخرج عن حدود العقل أو الدين. فهم يرون أن الشعر يجب أن يحافظ على الصدق الفني و لا يتحول إلى ترهات غير مقبولة. و أشهرهم القاضي الجرجاني و الآمدي، اللذان كانا يميلان إلى التوازن و الوضوح.
كقول البحتري:
صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي
وَ تَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جَبسِ
(هنا يميل البحتري للصدق المباشر و الترفع الواقعي، و هو ما يفضله النقاد الذين يبحثون عن الرصانة و الوضوح دون شطحات خيالية).
ثالثا النظرة النقدية الحديثة :
أما في النقد الحديث، فلم يعد السؤال هل كذب الشاعر أم صدق؟ بل أصبح التركيز على “الصدق الشعوري”. فالمبالغة كأداة نفسية يراها النقاد المعاصرون أنها ليست “كذباً”، بل هي تعبير عن حالة نفسية مكثفة. و عندما يقول الشاعر
“كادت الأرض أن تميد من هول الخبر”، هو لا يصف زلزالاً جغرافياً، بل يصف زلزالاً في مشاعره.
و مثال المبالغة كأداة نفسية قول بدر شاكر السياب:
الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها و الظلامُ
حتّى الظلامُ هناك أجملُ، فهو يحتضنُ العراق
(قوله «حتى الظلام هناك أجمل» مبالغة صريحة؛ فالظلام في ذاته لا يُوصف بالجمال عادة. لكن السيّاب لا يقصد المفاضلة الحسية، بل الإفراط الشعوري الناتج عن الحنين و الإقتلاع. المبالغة هنا تعمل كآلية تعويض نفسي، حيث الشاعر يُعيد بناء الوطن في المخيلة بوصفه كاملًا، جميلًا حتى في عتمته).
أخيرا: متى تسقط المبالغة نقدياً؟
تسقط إذا كانت “باردة” أو “مصطنعة”؛ أي إذا استخدم الشاعر الغلو لمجرد التباهي بالكلمات دون أن يكون خلفها عاطفة حقيقية تبرر هذا الخروج عن الواقع.
مثال قول أحد الشعراء في مدح ملك:
مَلِكٌ لو أنَّ الشَّمسَ تَلقى نورَهُ
لَتَوارَتِ الشَّمسُ استِحياءً مِنْهُ
(هذا النوع من الغلو يُنقد حديثاً بأنه “بارد و مكرر”؛ لأنه مديح وظيفي مصطنع لا يحمل تجربة شعورية حقيقية.
و خلاصة القول :أن أجمل الشعر أصدقه ، إذ أن الشعر ليس إستعراضا للمجازات و الإستعارات .
بل هو حديث الوجدان الصادق .
و لو عدنا إلى الشعر الجاهلي و شعر صدر الإسلام لعلمنا أن الشعر كان بعيدا عن الإنزلاقات الأخلاقية .
كان في معظمه تعريفا بالأنساب و الوفاء و حفظ الجوار و حب الوطن و الدفاع عن الأعراض ، بقوالب أدبية رفيعة المستوى ، لدرجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إستمع إلى الشعر و كافأ عليه .



















