السبت, يناير 10, 2026
  • أسرة التحرير
  • مجلة أزهار الحرف
  • مكتبة PDF
  • الإدارة
azharalharf – مجلة أزهار الحرف
  • الرئيسية
  • أخبار
  • أدب
    • النقد
    • التراجم
    • القصة
    • شعر
    • الزجل
  • الفن التشكيلي
  • اخترنا لك
  • تنمية بشرية
  • حوارات
  • فلسفة
  • مقالات
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار
  • أدب
    • النقد
    • التراجم
    • القصة
    • شعر
    • الزجل
  • الفن التشكيلي
  • اخترنا لك
  • تنمية بشرية
  • حوارات
  • فلسفة
  • مقالات
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
azharalharf – مجلة أزهار الحرف
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
  • الرئيسية
  • أسرة التحرير
البداية مقالات

شيخ الأزهر وكوسوفا: قصة دبلوماسية الإيمان والحكمة بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

ناصر رمضان عبد الحميد by ناصر رمضان عبد الحميد
يناير 9, 2026
in مقالات
شيخ الأزهر وكوسوفا: قصة دبلوماسية الإيمان والحكمة بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

الإمام الأكبر فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب: مسيرة علمية ودور فكري في تعزيز الأمن والحوار العالمي

بقلم: الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: [email protected]
تمهيد الإهداء
تأتي هذه المقالة بوصفها تحية فكرية وأخلاقية، وإشادة علمية مستحقة، مهدَاة من كوسوفا إلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بمناسبة بلوغه عامه الثمانين؛ هذه المحطة العمرية التي لا تُقاس بعدد السنين، بقدر ما تُقاس بما راكمته من علم، وحكمة، وأثرٍ ممتد في حياة الناس والمؤسسات والأمم.
إن هذا الإهداء لا يندرج في إطار المجاملة البروتوكولية، ولا في سياق الاحتفاء العاطفي العابر، بل ينبع من تقدير عميق لتجربة فكرية وإنسانية فريدة، جسّد فيها الإمام الأكبر نموذج العالم المسلم الذي جمع بين الرسوخ في التراث، والانفتاح الواعي على العصر، وبين القيادة الدينية والمسؤولية الحضارية العالمية.
ومن كوسوفا، هذا الفضاء الإسلامي الأوروبي الذي خبر الألم والصراع، ثم اختار طريق السلام والتعايش، يأتي هذا الإهداء تعبيرًا عن الامتنان لدور الأزهر وشيخه في احتضان قضايا المسلمين في الأطراف، ودعمهم علميًا وأخلاقيًا، وترسيخ قيم الوسطية والحوار والاعتراف بالآخر.
إن هذه المقالة، بما تتضمنه من تحليل فكري، وشهادة شخصية، وقراءة دبلوماسية، وتعبير أدبي، تُقدَّم في هذه المناسبة لا لتُحصي إنجازات رجل، بل لتُسهم في فهم المعنى العميق لقيادته، ولتؤكد أن الثمانين عامًا في حياة الإمام الطيب ليست خاتمة مسار، بل ذروة نضجٍ لعطاء متجدد، ما زال أثره ممتدًا في الأزهر، وفي العالم الإسلامي، وفي فضاءات الحوار الإنساني العالمي.
مقدمة
الإمام الأكبر أحمد الطيب: من السيرة الفردية إلى النموذج الحضاري
في زمنٍ تتكاثف فيه الأزمات الفكرية، وتتصاعد فيه خطابات الكراهية وسوء الفهم المتبادل بين الثقافات والأديان، تبرز الحاجة الملحّة إلى نماذج فكرية وأخلاقية قادرة على الجمع بين أصالة الانتماء ووعي العصر، وبين ثبات المرجعية ومرونة الخطاب. ويأتي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب في طليعة هذه النماذج النادرة، بوصفه عالمًا أزهريًا موسوعيًا، وفيلسوفًا مسلمًا، وقائدًا دينيًا عالميًا، استطاع أن يمنح مؤسسة الأزهر حضورًا متجددًا في خضم التحولات الدولية المعاصرة.
لا يهدف هذا المقال – في بنيته الحالية الموسعة – إلى مجرد تتبع السيرة الذاتية لشيخ الأزهر، ولا إلى تعداد مناصبه العلمية والإدارية، على أهميتها، بل يسعى إلى قراءة متكاملة لمشروعه الفكري والإنساني والدبلوماسي، بوصفه مشروعًا يتجاوز حدود الجغرافيا المصرية، ليؤثر في الفضاءين الإسلامي والعالمي على السواء. فالإمام الطيب لا يُقرأ بوصفه فردًا، بل بوصفه تجسيدًا حيًا لمنهج أزهري تاريخي أُعيد تفعيله في سياق عالمي شديد التعقيد.
ينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أن الوسطية التي يمثلها الإمام الطيب ليست شعارًا خطابيًا، بل ممارسة مؤسسية ورؤية معرفية وسلوكًا أخلاقيًا. ومن هنا جاء تنوع فصول المقال بين التحليل الأكاديمي، والشهادة الشخصية، والقراءة الدبلوماسية، والتعبير الشعري، ليعكس تعدد مستويات التأثير التي مارسها الإمام الأكبر في الواقع.
كما تكتسب هذه الدراسة خصوصيتها من زاوية النظر التي تنطلق منها، إذ كُتبت من موقع المثقف والدبلوماسي القادم من كوسوفا، أي من فضاء إسلامي أوروبي حديث التشكّل، عانى من ويلات الصراع، ويبحث عن مرجعية روحية وفكرية معتدلة. ومن ثمّ، فإن العلاقة بين الأزهر وكوسوفا، كما تتجلى في هذا العمل، ليست علاقة عابرة، بل مثالًا دالًا على الدور العالمي للأزهر في احتضان أطراف العالم الإسلامي دون وصاية أو إقصاء.
لقد توزعت فصول المقال بين:
• قراءة المسيرة العلمية والفكرية للإمام الأكبر،
• تحليل دوره في تجديد الخطاب الديني وتعزيز ثقافة الحوار،
• توثيق شهادات شخصية تكشف البعد الإنساني والأخلاقي لقيادته،
• إبراز دوره الدبلوماسي غير المباشر في دعم قضايا عادلة، وفي مقدمتها قضية كوسوفا،
• ثم الانتقال إلى الشعر بوصفه ذاكرة وجدانية للأحداث والمواقف.
وهكذا، فإن هذه المقدمة لا تمهّد للنص فحسب، بل تدعو القارئ إلى التعامل معه بوصفه وثيقة فكرية وأدبية ودبلوماسية، تساهم في فهم نموذج قيادي ديني معاصر، وتعيد طرح سؤال الدور الحقيقي للعالم المسلم في عالم مضطرب.
رجل في قلب العصر
يُمثّل فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي الذي يجمع بين الأصالة العميقة والمعاصرة الواعية، بين التخصص الفلسفي العميق والمسؤولية الدينية الكبرى، وبين الانتماء المحلي والإشعاع العالمي. إن مسيرته الحافلة – منذ مولده في قرية القرنة بمحافظة الأقصر عام 1946م – ليست مجرد سلسلة من المناصب والألقاب، بل هي مشروع فكري وإصلاحي متكامل، يسعى لتأكيد دور الأزهر الشريف ومكانته كمنارة للوسطية والاعتدال في عالم تموج فيه التحديات الفكرية والسياسية.
البناء العلمي والأكاديمي: من القرية إلى العالمية
نشأ الشيخ أحمد الطيب في بيئة علمية وأسرية كريمة، حيث تلقى تعليمه الأزهري التقليدي القائم على حفظ القرآن وقراءة المتون، مما منحه أساسًا متينًا في العلوم النقلية واللغوية. ثم تدرج في سلم العلم الحديث، فحصل على الليسانس ثم الماجستير فالدكتوراه في تخصص دقيق هو “العقيدة والفلسفة” من كلية أصول الدين بالقاهرة. وهذا الجمع بين المنهج التقليدي في التحصيل والتخصص الفلسفي الحديث هو ما شكل العقلية النقدية والتحليلية التي تميز بها.
لقد وسّع الإمام الطيب آفاقه المعرفية من خلال المهام العلمية خارج مصر، ولا سيما إجادته للغة الفرنسية وترجماته منها، وإقامته العلمية في جامعة باريس، وعمله في جامعات مرموقة في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات والباكستان. هذه الخبرات المتنوعة جعلت منه عالمًا يدرك سياقات الفكر الإسلامي في أبعاده العالمية، وقادرًا على الحوار مع المنظومات الفكرية الأخرى بلغتها ومصطلحاتها.
الإنتاج الفكري: الجمع بين التراث والتجديد
يتميز المشروع الفكري للدكتور أحمد الطيب بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسة:
1. التراث الفلسفي الإسلامي: كما يتجلى في دراساته لأبي البركات البغدادي والتفتازاني، وتحقيقه للنصوص التراثية، ونقده المنطقي والفلسفي. وهو هنا لا ينقل التراث نقلاً جامدًا، بل يعرضه وينقده ويحصره، مما يخرجه من دائرة الجمود إلى فضاء الحوار مع العقل الحديث.
2. التصوف والفلسفة العرفانية: وهو مجال تخصص دقيق، حيث ترجم وألف في فكر محيي الدين بن عربي، مقدماً هذا التراث الروحي والفلسفي بلغة أكادمية واضحة، ودافع عن جانب مهم من التراث الإسلامي كان محل سوء فهم أو تجاهل.
3. قضايا التجديد والوسطية: عبر العديد من المحاضرات والمؤتمرات التي دافع فيها عن صورة الإسلام المعتدل، وناقش قضايا التجديد الفكري بجرأة ووعي، كما في بحثه “التراث والتجديد – مناقشات وردود”.
لقد نجح الإمام الطيب في تقديم نموذج للعالم الأزهري المنفتح على تيارات الفكر المختلفة، دون أن يفقد هويته أو ينسلخ من أصوله. فكتاباته تجمع بين دقة الأكاديمي وعمق العالم الشرعي، وبين لغة العصر وأسئلته.
التأثير في الحياة الفكرية والدينية: قيادة الأزهر في العصر الحديث
شكّل تعيين الدكتور أحمد الطيب شيخاً للأزهر عام 2010م منعطفاً مهماً في تاريخ المؤسسة الأزهرية. فقد تولى مسؤوليتها في مرحلة بالغة الحساسية، إقليمياً ودولياً، حيث تصاعدت موجات التطرف والصراع الطائفي، واشتدت الهجمات الفكرية على الإسلام. وقد انطلق في قيادته من عدة ركائز:
• ترسيخ الوسطية كمنهج: جعل من الوسطية الإسلامية – بمعناها الشامل الذي يجمع بين النص والواقع، والثابت والمتغير – علامة مميزة لخطاب الأزهر، سواء في الفتوى أو في التعليم أو في الحوار مع الآخر.
• الإصلاح المؤسسي: سعى لتطوير مناهج الأزهر وتحديثها، مع الحفاظ على جوهرها العلمي، ودعم البحث العلمي في الجامعات الأزهرية.
• الحوار الداخلي: عمل على تعزيز الوحدة الوطنية والتقارب بين المذاهب الإسلامية، ومواجهة خطاب التكفير والتطرف.
إن دوره كرئيس سابق لجامعة الأزهر ثم كشيخ للأزهر أتاح له التأثير المباشر في آلاف الطلاب والعلماء، ونقل رؤيته الإصلاحية من حيز النظرية إلى مجال التطبيق المؤسسي.
الدور العالمي: سفيراً للحوار والأمن والسلام
يمثل الإمام الأكبر أحد أهم وجوه الحوار الإسلامي-الدولي في العقدين الأخيرين. فمشاركاته الكثيرة في مؤتمرات السلام والحوار بين الأديان والثقافات – من فرنسا إلى إيطاليا إلى الولايات المتحدة – لم تكن مجرد تمثيل بروتوكولي، بل كانت إسهاماً فعالاً في تقديم رؤية إسلامية معتدلة لقضايا العالم المعقدة.
1. الحوار بين الأديان: كان حضوره قوياً في المؤتمرات الدولية التي تهدف لتعزيز الاحترام المتبادل بين الأديان، مثل مؤتمر القمة في نيويورك وهارفارد، حيث قدم الإسلام كداعٍ للسلام والتعايش.
2. تعزيز ثقافة التسامح: في ظل صعود خطابات الكراهية، شدد في خطاباته العالمية على قيم التسامح والعدالة والكرامة الإنسانية المشتركة، مستنداً إلى التراث الإسلامي الغني بهذه القيم.
• الدفاع عن صورة الإسلام: في أعقاب أحداث العنف التي شوهت صورة الإسلام عالمياً، تحول الإمام الطيب إلى سفير دبلوماسي فكري، يشرح حقيقة الإسلام ووسطيته ورفضه للعنف والإرهاب، مستخدماً حججه العقلية والشرعية بلغة تتناسب مع العقلية الغربية.
• القضايا الثقافية والأدبية: من خلال مشاركاته في مؤتمرات الثقافة والأديان في منطقة البحر المتوسط، ساهم في إبراز الدور الحضاري للإسلام في حوار الحضارات، والتأكيد على المشتركات الإنسانية.
الرؤية الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية: منظور إسلامي مستنير
لم يقتصر خطاب الإمام الأكبر على الشأن الديني البحت، بل امتد ليشمل القضايا الاقتصادية والسياسية المعاصرة، من منظور إسلامي يستند إلى مقاصد الشريعة ومتطلبات المصلحة العامة:
• البُعد الاقتصادي: في سياق النقاش حول الاقتصاد الإسلامي، قدم رؤى تؤكد على العدالة الاجتماعية ورفض الاستغلال، ودور الأخلاق في الحياة الاقتصادية.
• الرؤية السياسية: أكد دوماً على مفهوم الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية التي تحقق المواطنة الكاملة وتصون الحريات العامة ضمن الأطر الشرعية، ورفضه لاستغلال الدين لأغراض سياسية ضيقة.
• الدبلوماسية الدينية: استخدم منصبه العالمي كوسيط للسلام وحل النزاعات، ودعم جهود المصالحة في مناطق الصراع، معتمداً على المكانة الروحية والفكرية للأزهر.
• مواجهة التحديات الفكرية: واجه بثبات الخطابات المتطرفة مثل داعش وغيرها، فكك أيديولوجيتها فكرياً وشرعياً، وقدم البديل الوسطي المعتدل.
لقاء العالِمَيْن: شهادة شخصية في فضاء الأخلاق والقيادة الفكرية
(شهادة الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي)
المقدمة التحليلية: من الوصف إلى الدلالة
لا تُعدّ الشهادات الشخصية مجرد سرد انطباعات عابرة، بل هي وثائق نفسية وثقافية تكشف عن الأبعاد الإنسانية المخفية خلف الشخصيات العامة، وتُجسّر الفجوة بين الصورة الرسمية والجوهر الإنساني. شهادة الدكتور بكر الكوسوفي عن لقائه بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب تتحول من مجرد ذكريات إلى نصّ دالّ، يكشف عن بنية أخلاقية وفكرية تتشكل في العلاقة بين العالم والمتعلّم، والقائد والضيف، والمركز (الأزهر) والأطراف (العالم الإسلامي ككوسوفا). فهي تسجل ليس فقط طبيعة الرجل، بل وتسجل أيضًا دور المؤسسة الأزهرية كملاذ روحي وفكري للمسلمين في أرجاء العالم، خاصة من مناطق شهدت تحولات سياسية عنيفة مثل كوسوفا. اللقاء، كما يصفه بكر إسماعيل الكوسوفي، هو لقاء بين “المنهج” و”الحاجة”، بين “المرجعية” و”الهُوية” في طور إعادة التشكيل.
السرد المحرر والمحلل
يقول الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي:
“تشكل لقاءاتي المتتالية بفضيلة شيخ الأزهر الإمام الأكبر، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، فصلاً أساسيًا في مسيرتي الفكرية والشخصية. لقد تعرفت عليه أولاً وهو يشغل منصب مفتي الديار المصرية، فانطبعت في ذهني صورة العالم الجليل الذي يجمع بين سعة العلم وسمو الخلق. كان اللقاء الأول بمثابة الوقوف أمام بحرٍ محيط من المعرفة، ولكنه بحر هادئ الأمواج، عميق الجذور، لا ضجيج فيه ولا ادعاء. فهنا كان عالِمًا من طراز فريد: يشرح ويُقرر ويُعلل بمنهجية عقليّة صارمة، مستندًا إلى الدليل والنص في صرامة الأكاديمي، ولكنه لا يحيد عن الحق ولا يميل مع أهواء المرحلة أو ضغوطها.
لكن ما شدّني أكثر من سعة علمه – وهي سعة معروفة مشهودة – كان كمال خلقه وتواضعه الجم. لقد استقبلني استقبالاً حافلاً، لا بتكلف البروتوكول، بل بتلقائية العالم العامل وشفقة الأب الروحي. في سعة صدره، وكرم محتده، ولمسة التواضع التي تزيّن كل حركة من حركاته، وجدت تجسيدًا حيًا للروح الإسلامية التي قرأنا عنها في سير السلف، الروح المتحلية بأخلاق النبي محمد ﷺ. كان سمح الوجه، طلق الجبهة، يقسم وقته – وهو الوقت النفيس المشغول ليل نهار بشؤون الأمة – ليُقدّم لمن يحتاج معلومة أو توجيهًا ما يظنّه خدمةً له، وهو في الحقيقة منّة وعطاء.
في حواراتنا، التي تطرقت إلى قضايا فكرية وشائكة تتعلق بواقع المسلمين في البلقان وفي العالم، كان جوابه دائمًا “بلسمًا على الجروح”. لم يكن يقدم إجابات جاهزة أو خطابات إنشائية، بل كان يقدم فقهًا واقعيًا يستند إلى أصول الشرع ويستشرف حكمة المقاصد، مما يُطفئ نار الحيرة ويُروي ظمأ القلب والعقل معًا. كانت إجاباته شافية كافية، لأنها صادرة عن رؤية متكاملة، تجمع بين ثبات المبادئ ومرونة التعامل مع وقائع التاريخ المتغيرة.
وقد توالت لقاءاتنا، وتعمّقت صلتي به، شاهدًا على تحول منصبه من مفتي إلى رئيس لجامعة الأزهر، ثم إلى شيخ للأزهر الشريف. وتطورت صفتي في هذه اللقاءات من ممثلٍ لكوسوفا إلى سفيرٍ لها. عبر هذه المراحل كلها، ظل فضيلته النموذج الثابت: قائدًا فكريًا لا ينفصل إنسانه عن منصبه، ولا ينفصل منهجه العلمي عن سلوكه الأخلاقي. كان دؤوبًا صبورًا، لم يتوانَ لحظة عن فعل الخير وقول الحق، حتى عندما كان الحق مرًّا أو صعبًا. لقد استفدت منه علماً يُوسع الأفق، وأخلاقاً تُهذّب النفس، وأدركت أن الشخصية “النادرة الوجود” التي أبحث عنها ليست مجرد أسطورة، بل هي حقيقة تج
سّدت في عالم من لحم ودم، يحمل همّ الأمة كلها على كتفيه، ويرى في كل فرد قادم من أطرافها ابنًا من أبنائها يستحق العناية والتقدير”.
الخاتمة النقدية: دلالات الشهادة في السياق الأوسع
لا يمكن قراءة هذه الشهادة بمعزل عن سياقها السياسي والجيو-ثقافي. فالدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي يأتي من كوسوفا، دولة ذات أغلبية مسلمة في قلب أوروبا، خرجت من رحم صراع دامٍ وتبحث عن هوية وتواصل مع مركزها الحضاري. لقاؤه بشيخ الأزهر، إذن، هو أكثر من لقاء شخصي؛ إنه لقاء رمزي بين “الأطراف” و”المركز”، بين التجربة الإسلامية الأوروبية الحديثة والمؤسسة الدينية التاريخية العريقة.
من خلال هذا المنظور، تكتسب صفات الإمام الطيب التي ركز عليها بكر إسماعيل الكوسوفي –التواضع، سعة الصدر، الخلق الرفيع، منهجية الإجابة – دلالة أعمق. فهي لم تكن مجرد فضائل شخصية، بل كانت أدوات دبلوماسية ثقافية فائقة الفعالية. لقد نجح الطيب، من خلال سلوكه، في تجسيد “الوجه الإنساني” للأزهر، وجعله مقصدًا روحياً ومَرجعاً ثقافيًا للجاليات والمجتمعات المسلمة في الغرب، يعيد لها الثقة في انتمائها دون أن يتعارض ذلك مع اندماجها. لقد حوّل المنصب من سلطة بيروقراطية إلى سلطة أخلاقية وجاذبية روحية.
علاوة على ذلك، يكشف النص عن النموذج القيادي الذي يمثله الطيب: فهو ليس القائد البطولي الصاخب، بل العالم الصبور الدؤوب، الذي تتحقق القيادة عنده بالمثال والثبات والعمق الفكري، لا بالإثارة والإعلام. إن صبره و”دؤوبه” في الصبر، كما وصفه بكر إسماعيل الكوسوفي، هو إستراتيجية وجودية في مواجهة عصر السرعة والسطحية.
أخيرًا، تشير الشهادة إلى دور الأزهر تحت قيادة الطيب كحاضنة للعالم الإسلامي الجديد. استقباله لممثلي الدول والمجتمعات الصغيرة مثل كوسوفا، وتقديمه التسهيلات والمعرفة، يؤسس لدور الأزهر كشبكة دعم فكري وأخلاقي عالمية، تعيد تعريف مفهوم “المركزية” ليس كهيمنة، بل كخدمة واستقطاب حكيم. وهكذا، تتحول الشهادة الشخصية من وصف للرجل إلى تحليل لأدوار المؤسسة في عصر العولمة، وتُظهر كيف أن الأخلاق والمنهج العلمي هما أقوى أدوات التأثير السياسي والثقافي على المدى الطويل.
الكتاب والتقديم: وثيقة أدبية ودبلوماسية في سياق عالمي
المقدمة التحليلية: التوثيق كفعل سياسي وبناء للرمزية
يُعدُّ تأليف كتاب عن شخصية عامة في أثناء ممارستها لمهام منصبها الرسمي من قبل دبلوماسي أجنبي، فعلًا يتجاوز المجال التوثيقي الأكاديمي ليدخل في عوالم الدبلوماسية الثقافية وبناء الرمزية السياسية-الدينية. يُمثل كتاب الأستاذ الدكتور بكر الكوسوفي عن الإمام الطيب في فترة توليه الإفتاء ظاهرة ثقافية فريدة. فهو ليس فقط تسجيلًا لسيرة علمية، بل هو رسالة من “الهامش” إلى “المركز”، وإعادة إرسال مُعدَّلة من ذلك المركز إلى الهامش (شعب كوسوفا) عبر صيغة مُوثَّقة. الاختيار ذو دلالة مزدوجة: تأليف الكتاب بلغة الضيف (العربية) وتعريف قومه به، ثم تعزيز شرعيته الأدبية والفكرية بتقديم من أحد أعمدة الأدب المصري والعربي، جمال الغيطاني. هذه العملية برمتها تكشف عن استراتيجية لبناء جسر ثقافي دائم، حيث يتحول الإمام الطيب من شخصية محلية إلى نموذج عالمي للتسامح والحوار، يُقدَّم لمجتمع أوروبي مسلم ناشئ كمرجع أخلاقي وفكري.
السرد المحرر والمنظور
“إن العلاقة الفكرية التي نشأت بيني وبين فضيلة الإمام الأكبر لم تتوقف عند حد اللقاءات والحوارات، بل تجسدت في عمل توثيقي دائم. بعد سلسلة من اللقاءات والمناقشات المستفيضة مع فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الطيب، ألَّفتُ كتابًا موسعًا بعنوان: “الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، مفتي الديار المصرية: جهوده العلمية والفلسفية”.
هدفي من هذا العمل كان مزدوجًا: أولاً، تقديم صورة علمية متكاملة عن رجل رأيت فيه تجسيدًا حيًا لقيم التسامح والسلام والحوار بين الأديان، والذي خدَم بها المسلمين والإنسانية جمعاء. وثانيًا، تقديم هذا النموذج إلى شعب كوسوفا، ليكون لهم دليلاً ومعينًا في فهم إمكانيات الاندماج الإيجابي في العالم المعاصر دون التخلي عن الهوية، مستلهمين من فكر رجل جمع بين الأصالة والانفتاح.
وحرصًا مني على أن يحظى الكتاب بالعمق الأدبي والمكانة الثقافية المناسبة، سعيتُ إلى طلب تقديم له من أحد أعلام الفكر والأدب في مصر، وهو الكاتب والأديب الكبير الأستاذ جمال الغيطاني. وكان لتفضُّله بكتابة هذا التقديم أثرٌ كبير في إثراء العمل، حيث قدَّم رؤية نافذة من داخل المشهد الثقافي المصري تُكمِل رؤيتي من موقع الضيف والمتابع.”
تقديم جمال الغيطاني: تحليل نقدي لأبعاده الأدبية والسياسية
يُشكِّل تقديم جمال الغيطاني، بحد ذاته، وثيقة أدبية ونقدية بالغة الأهمية. فهو ليس مجرد ثناء عابر، بل تحليل سياسي-ثقافي حاد كُتب في لحظة تاريخية مفصليّة (ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001). يمكن تفكيك أبعاده على النحو التالي:
1. السياق التاريخي كمدخل درامي: يبدأ الغيطاني بنبأ تعيين الطيب مفتيًا ردَّ فعلُ عليه المثقف بـ “الحمد لله!”. هذه البداية ليست مجرد انفعال، بل هي موقف سياسي ضمني. إنه يشير إلى أزمة في معايير اختيار الشخصيات للمناصب الدينية الرفيعة، حيث أصبحت “الجاهزية السياسية” أو العلاقات تفوق أحيانًا “العلم والسيرة الحسنة”. تعيين الطيب، من وجهة نظره، يمثل استثناءً صحح مسارًا منحرفًا، وهو تعليق يحمل نقدًا لاذعًا للنظام السياسي والثقافي السائد.
2. الصورة الأخلاقية كبديل عن الأيديولوجيا: يرسم الغيطاني صورة للإمام الطيب كنموذج “الرجل العظيم الأبيّ” الذي كان يمكن أن يظل في الظل بسبب ترفعه. هذه الصورة تُقدَّم كبديل عن نمط الشخصية العامة الصاخبة أو الانتهازية. التركيز على “السكينة” و”الاطمئنان” النابعين من “النظرة الهادئة الواثقة” و”التواضع الجم” هو تأكيد على سلطة الأخلاق الهادئة في مواجهة فوضى العصر وصراخه.
3. التعلم كفعل مجاهدة وانفتاح: يسلط الغيطاني الضوء على رحلة الطيب التعليمية من الصعيد إلى المركز الثقافي الفرنسي، محولاً السيرة إلى قصة كفاح. تعلم الفرنسية عنده ليس للتباهي، بل كـ “وسيلة لمخاطبة قوم آخرين”. هنا يربط الغيطاني بشكل مباشر بين الجهد الشخصي والقيمة الحضارية الكبرى: القدرة على الحوار مع الآخر. وهو يستشهد بالقرآن (“وجادلهم بالتي هي أحسن”) لربط هذه الصفة الشخصية بالجوهر الإسلامي الأصيل، مما يخلق شرعنة مزدوجة (شخصية ودينية) لدور الطيب.
4. الدور التاريخي المُنتظَر: الفلسفة كسلاح في معركة الصورة: يقدم الغيطاني رؤية طموحة لدور الطيب، مميزًا إياه كحلقة وصل بين التراث الفلسفي الإسلامي المنسي والعالم. قوله: “لو عرف الناس في المشرق والمغرب حقائق الفلسفة الإسلامية… لتغيرت صورة الإسلام في عيون الآخرين”، هو بيان سياسي-ثقافي جريء. فهو يتهم “الرؤى ضيقة الأفق” (إشارة واضحة للخطابات السلفية والتكفيرية الحرفية) بحجب الحقائق وإعطاء صورة مشوهة. الإمام الطيب، الفيلسوف المتخصص، يأتي في “التوقيت المناسب” بعد 11 سبتمبر ليصحح هذه الصورة من الداخل، مستخدمًا العقل الفلسفي كسلاح في معركة الدفاع عن الإسلام.
5. التجديد من الداخل: موقف فكري حاسم: يؤكد الغيطاني، بناءً على حواره مع الطيب، على أن التجديد عنده هو “من صميم الإسلام” وليس استيرادًا من خارجه. هذا التمييز حاسم في الصراع الفكري الداخلي بين الإسلاميين والعلمانيين، ويضع الطيب في موقع الوسطية المستنيرة التي ترفض الجمود والقطيعة مع التراث في نفس الوقت.
6. النزاهة المادية: اكتمال الصورة الأخلاقية: الإشارة إلى رفض الطيب تقاضي أي مكافأة عن نشاطه الدعوي هي اللمسة الأخيرة في بناء النموذج الأخلاقي المتكامل. فهي تفصله عن شبهات التسويق أو استغلال المنصب، وترسخ صورته كـ عالم زاهد في السلطة المادية، مشغول بالرسالة فقط.
الخاتمة النقدية الشاملة: التداخل بين الأدب والدبلوماسية وبناء النموذج العالمي
يُظهر هذا الفصل بأكمله كيف تتداخل المستويات المختلفة لبناء صورة القائد الديني في العصر الحديث:
• المستوى الشخصي/الأدبي: عبر تقديم الغيطاني الأدبي العميق، الذي يحلل الشخصية بلغة نقدية تصف الأثر النفسي (“السكينة”، “الاطمئنان”).
• المستوى الفكري/الإيديولوجي: عبر التركيز على الفلسفة والتجديد والحوار كأدوات لمراجعة التراث وإعادة تقديم الإسلام.
• المستوى السياسي/الدبلوماسي: حيث يُستخدم الكتاب والتقديم كأداة دبلوماسية ثقافية من قبل سفير كوسوفا لتعزيز علاقة بلده بمركز إسلامي عريق، وكرسالة طمأنة داخلية لكوسوفا عن وجود مرجعية فكرية معتدلة.
• المستوى الرمزي/العالمي: حيث يتم اختيار وتقديم شخصية الإمام الطيب كنموذج “المفكر المسلم العالمي” القادر على الحوار، والمجتهد في تحصيل العلم، والنزيه في سلوكه، والمجدد في فكره من داخله. هذا النموذج يُقدَّم كبديل ضروري – في لحظة تاريخية حرجة – عن نموذج “المتشدد” أو “المعارض الصامت”.
الكتاب وتقديمه، معًا، يشكلان حلقة في سلسلة طويلة من “التبادل الرمزي” بين مصر والعالم الإسلامي. إنه يؤكد أن تأثير الأزهر وشيخه لا يقاس فقط بالفتاوى أو الخطب، بل أيضًا بقدرته على استقطاب وتشجيع المثقفين والدبلوماسيين من أقصى أوروبا على توثيق سيرته وتبني رؤيته، ونقلها بلغة أدبية رفيعة. وهذا هو جوهر “القوة الناعمة” في أعلى تجلياتها: عندما تتحول سيرة العالم إلى مادة لأدب رفيع، وحجة في حوار الحضارات، ورسالة أمل لمجتمع ناشئ في قلب أوروبا.
بين قضية وطن ودور عالمي: الأزهر وكوسوفا في عهد الإمام الطيب
المقدمة: الجسر الدبلوماسي الديني: من القضية إلى الاعتراف
لم تقتصر مساهمة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب عند حدود الخطاب الفكري والأخلاقي العام، بل امتدت لتشمل تدخلاً مباشراً ومؤثراً في قضايا مصيرية للأمة الإسلامية في أرجاء العالم. تبرز قضية كوسوفا كمثال حي على كيف يمكن للقيادة الدينية الرشيدة، المتمثلة في الأزهر وشيخه، أن تلعب دوراً دبلوماسياً وإنسانياً فاعلاً، يتجاوز السياسات الرسمية المترددة أحياناً ليساهم في صناعة واقع جديد. كان تعامل الإمام الطيب مع ممثل ثم سفير كوسوفا في مصر، الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، نموذجاً لـ “الدبلوماسية الوقائية” و “الوساطة الأخلاقية” التي ساهمت في تمهيد الطريق للاعتراف المصري بكوسوفا كدولة مستقلة.
السرد: من الاهتمام إلى الإسهام الجلي
يقول الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي:
“عُقدت العديد من اللقاءات المثمرة والرفيعة المستوى سياسياً ودبلوماسياً مع فضيلة الإمام الأكبر، خلال فترتي كممثل ثم سفير لكوسوفا في مصر. لطالما أبدى فضيلته اهتماماً حقيقياً ومتابعة دؤوبة لأحوال شعب كوسوفا وشعوب منطقة البلقان، متجاوزاً دور العالم المنعزل إلى دور القائد المهتم بقضايا أمته. وكان له إسهام جليل في دعم قضية كوسوفا، إسهام لن ينساه شعبها.
لقد تحول الأزهر تحت قيادته إلى منصة دعم متكاملة لكوسوفا: عبر برنامج المنح الدراسية للطلاب الكوسوفيين، وتقديم المساعدات، وفتح قنوات الحوار والتواصل. ولكن الأهم من ذلك كان الدور التمهيدي والمعنوي الذي لعبه في الساحة المصرية والإسلامية. فمن خلال حواراته وتأكيده الدائم على أن ‘الأزهر يولي اهتماماً كبيراً لكوسوفا’، كان يرسل رسائل واضحة إلى صناع القرار والمجتمع المصري والعربي بأهمية هذه القضية العادلة، وضرورة الوقوف مع شعب مسلم عانى طويلاً من الظلم والتهميش. لقد ساهم هذا الموقف الثابت والأبوي في خلق مناخ من التفهم والتعاطف، كان أحد العوامل التي مهدت الطريق أمام الاعتراف التاريخي لمصر بكوسوفا كدولة ذات سيادة، حيث انتقلت القضية من كونها شأناً إقليمياً أوروبياً إلى قضية إسلامية وإنسانية تستحق الدعم والاعتراف.”
فكر الإمام الطيب: التسامح والسلام كمنهج عملي
لطالما كانت أفكار الإمام الطيب حول التسامح والسلام والحوار هي الإطار النظري الذي تحرك داخله لدعم قضايا مثل قضية كوسوفا. ويمكن تلخيص ركائز هذا الفكر في نقاط جوهرية، مستمدة من خطبه وأقواله:
1. الحوار وسيلة للتعارف، وليس للصراع: كان يؤكد أن “الحوار بين الحضارات والأديان ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة إنسانية للتعارف، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. والتعارف يقتضي الاعتراف بالآخر المختلف، واحترام خصوصيته.”
2. التسامح قوة وليس ضعفاً: كان يردد أن “التسامح الإسلامي ليس تنازلاً عن المبدأ، بل هو قوة في التمسك بالمبدأ مع الرحمة بالخلق. هو العفو عند المقدرة، والعدل مع المخالف، والإنصاف في الحكم على الأفكار والأشخاص.”
3. السلام هو الأصل، والحرب استثناء طارئ: أصر على أن “مقاصد الشريعة كلها تصب في حفظ النفس والعقل والعرض والمال والدين، وهذا هو جوهر السلام. فـ السلام هو الأصل الثابت في العلاقات الدولية والإنسانية، وهو ما يجب أن نعمل له، ونسعى لتحقيسته.”
4. الوسطية منهج للحياة والمعاملة: رأى أن “الوسطية ليست موقفاً سياسياً مرناً، بل هي منهج رباني في فهم النصوص والتعامل مع الواقع. وهي التي تمنعنا من الغلو في الدين، أو التفريط في الثوابت، وتفتح لنا باب التعامل الحكيم مع كل القضايا، من قضايا الأقليات المسلمة مثل إخواننا في البلقان، إلى قضايا الحوار العالمي.”
5. دور العالم: التيسير لا التعسير، والجمع لا التفريق: من أقواله المأثورة: “واجب العالم ليس تخويف الناس، ولا تشديد الأمور عليهم، ولا تمزيق صفهم. واجبه تبيين الحق بالحكمة، والدعوة إليه بالرحمة، والسعي لجمع الكلمة على كلمة التقوى، ومد جسور المودة مع كل من يريد الخير للإنسانية.”
الخاتمة: نموذج للفاعلية الدينية الأصيلة في العلاقات الدولية
قصة دعم الإمام الأكبر أحمد الطيب لقضية كوسوفا، وتأثيره غير المباشر في تمهيد طريق الاعتراف المصري، تكشف عن نموذج عميق لـ الفاعلية الدينية الرشيدة في القرن الحادي والعشرين. فهو نموذج لا يعتمد على الخطابة الثورية أو التحريض، بل على:
• الشرعية الأخلاقية والعلمية المتراكمة.
• البناء الهادئ للعلاقات الشخصية والمؤسسية (كالمنح واللقاءات).
• الخطاب الثابت الذي يخلق رأياً عاماً مسانداُ من خلال التركيز على القيم الإسلامية والإنسانية الجامعة (العدل، نصرة المظلوم، التعارف).
• الربط الواعي بين المبادئ العامة (التسامح، السلام) والتطبيقات العملية الملموسة (دعم طالب، الاعتراف بدولة).
وهكذا، لم يكن الإمام الطيب مجرد متعاطف مع قضية كوسوفا، بل كان مهندساً للقناعة بضرورة دعمها. لقد حول الأزهر من مؤسسة تعليمية تاريخية إلى فاعل دولي أخلاقي، يستخدم سلطة مرجعيته وقوة خطابه الوسطي للتأثير في مجرى الأحداث، ودعم قضايا السلام والاعتراف بالآخر، بدءاً من كوسوفا ووصولاً إلى كل بقعة يحتاج فيها المسلمون أو غير المسلمين إلى صوت الحكمة والعدل. هذا هو الإرث العملي لفكره حول التسامح والسلام، وهو إرث يوضح أن القيم لا تزدهر إلا عندما تتحول إلى سياسات وإجراءات ملموسة.
من الأزهر إلى كوسوفا – شعر الوفاء والتحليل
يأتي هذا الفصل في سياق توثيقي–أدبي يهدف إلى إبراز البعد الإنساني والفكري والدبلوماسي في علاقة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب بقضية كوسوفا، كما عايشها وعاينها الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي من موقعه ممثلاً ثم سفيراً لبلاده. ولا يقتصر هذا الفصل على السرد التاريخي أو الشهادة الدبلوماسية، بل يتخذ من الشعر أداةً تعبيرية راقية، ومن التحليل الأدبي وسيلةً لفهم الدلالات العميقة للنص الشعري بوصفه وثيقة ثقافية.
إن إدراج القصيدة في هذا الفصل ليس ترفاً جمالياً، بل هو انتقال من لغة التقرير إلى لغة الوجدان، ومن منطق السياسة إلى أفق القيم، حيث يصبح الشعر شاهداً مكمّلاً للتاريخ، وقادراً على قول ما تعجز عنه اللغة المباشرة.
أولاً: النص الشعري

من الأزهر إلى كوسوفا… عهدُ وفاء
(رؤية الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب)
يا شيخَ أزهرَ، يا ضياءَ منابرِ
وعلامةَ العِلمِ الرصينِ الزاهرِ
من صعيدِ مصرَ أتيتَ حاملاً هُدى
فغدوتَ قبلةَ فكرِ كلِّ مُحاوِرِ
لم ترفعِ الصوتَ العنيفَ، وإنما
جعلتَ حِلمَكَ سيفَ صدقٍ قاهرِ
سألتُكَ عن كوسوفا، فانتفضَ الأسى
في القلبِ، لكنْ باليقينِ الباهرِ
قلتَ: الأزهرُ لا يُضيّعُ أهلهُ
في البلقانِ، في شرقِها والغابرِ
أبناءُنا هناكَ، والعِلمُ الذي
نمنحُهُ عهدٌ بغيرِ تفاخرِ
منحتَ طالبَها كتاباً وأملاً
وكسرتَ جدارَ اليأسِ بالحبِّ الطاهرِ
ما كنتَ شيخَ فتوى، ولا منصبٍ
بل كنتَ ضميرَ الحقِّ في زمنٍ عاثرِ
في كلِّ لقاءٍ كنتَ أباً حانياً
لا دبلوماسيّاً بوجهٍ ماكرِ
صدقُ التعاونِ بيننا لم يكنِ
حرفاً، بل نهجاً ثابتَ المسافرِ
يا من جعلتَ الأزهرَ جسراً آمناً
بين الشعوبِ، وبين قلبٍ شاكرِ
سيذكرُ التاريخُ أنكَ وقفةٌ
مع المظلومِ، لا صوتَ المتاجرِ
وكوسوفا – إن تسألِ الأيامُ –
ستقولُ: هذا الشيخُ بعضُ مصيرِ
ثانياً: التحليل الأدبي والنقدي
1. الإطار العام للنص
تندرج هذه القصيدة ضمن شعر الشهادة والوفاء، وهو نمط شعري يجمع بين التجربة الذاتية والبعد الجمعي، ويحوّل العلاقة الشخصية إلى رمز ثقافي. فالشاعر هنا لا يتحدث بلسان فرد معجب بشخصية عامة، بل بلسان أمة صغيرة وجدت في الأزهر وشيخه سنداً أخلاقياً وعلمياً في مرحلة تاريخية حرجة.
2. البنية الفنية والإيقاع
جاءت القصيدة في قالب عمودي تقليدي، محافظ على وحدة الوزن والقافية، بما يمنح النص وقاراً يتناسب مع شخصية الممدوح ومقامه العلمي والديني. القافية الموحدة (الراء المكسورة) توحي بالثبات والاستمرارية، وتعكس فكرة العهد الذي لا ينقطع بين الأزهر وكوسوفا.
أما الإيقاع، فهو هادئ غير صاخب، متوازن بين المدح والتأمل، ويبتعد عن المبالغة الخطابية، مما يجعل النص أقرب إلى التأمل الأخلاقي منه إلى القصيدة الاحتفالية العابرة.
3. الصورة الشعرية والدلالة الرمزية
اعتمد الشاعر على صور رمزية واضحة لكنها عميقة الدلالة، من أبرزها:
• الأزهر بوصفه “جسراً آمناً” بين الشعوب، وهي صورة تختزل الدور العالمي للمؤسسة الأزهرية في ربط الأطراف بالمركز دون هيمنة.
• الإمام الطيب بوصفه “أباً حانياً”، وهي صورة إنسانية تُخرج الشخصية من الإطار الرسمي إلى فضاء الأخلاق والرعاية.
• العلم باعتباره “عهداً”، لا منّة، في إشارة إلى المنح الدراسية ودعم الطلاب الكوسوفيين، بوصفه التزاماً أخلاقياً دائماً.
4. البعد الفكري والدبلوماسي
تكشف القصيدة عن فهم عميق لدور الإمام الأكبر في تحويل الفكر الوسطي إلى ممارسة عملية. فالدعم لم يكن خطاباً عاطفياً، بل تجسّد في مؤسسات وبرامج ولقاءات، وهو ما ينعكس في النص من خلال الربط بين القول والفعل، وبين القيم والتطبيق.
كما يظهر البعد الدبلوماسي الثقافي بوضوح، حيث يتحول الشعر إلى أداة من أدوات القوة الناعمة، تُسهم في ترسيخ صورة الأزهر كفاعل أخلاقي عالمي، لا كسلطة دينية منغلقة.
5. القيمة التوثيقية للنص
تتجاوز هذه القصيدة كونها عملاً أدبياً لتغدو وثيقة ثقافية تُسجّل موقفاً تاريخياً. فهي تُخلّد دور الإمام الطيب في ذاكرة كوسوفا، وتُعبّر عن الامتنان الجماعي بلغة جمالية قادرة على البقاء والاستمرار.
خاتمة الفصل
يُظهر هذا الفصل كيف يمكن للأدب، وبخاصة الشعر، أن يؤدي دوراً مكمّلاً للتاريخ والدبلوماسية، وأن يحفظ الذاكرة الأخلاقية للأمم. لقد شكّل الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، في تجربة كوسوفا، نموذجاً للعالم الذي يجمع بين الحكمة والعمل، وبين الفكر والموقف، فجاء هذا النص الشعري وتحليله توثيقاً لذلك النموذج، وتعبيراً عن عهد وفاء لا يزال مفتوحاً على المستقبل.
خاتمة
نحو فهم جديد لدور العالم المسلم في العصر الحديث
يخلص هذا العمل، في مجمله، إلى أن فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب لا يمثل مجرد حلقة في سلسلة شيوخ الأزهر، بل يجسد تحولًا نوعيًا في حضور المؤسسة الدينية في المجالين العالمي والدولي. فقد استطاع، عبر علمه العميق، ومنهجه الوسطي، وأخلاقه الشخصية، أن ينقل الأزهر من موقع الدفاع وردّ الفعل إلى موقع المبادرة والتأثير.
لقد أثبتت التجربة التي تناولتها فصول هذا المقال أن القوة الحقيقية للعالم الديني لا تكمن في الصخب الإعلامي، ولا في الخطاب المتشنج، بل في الثبات الأخلاقي، والعمق العلمي، والقدرة على الإصغاء والحوار. فالإمام الطيب لم يواجه التطرف بتطرف مضاد، بل واجهه بتفكيك معرفي، وبإحياء مقاصد الشريعة، وبإعادة الاعتبار للعقل الفلسفي الإسلامي الذي طال تهميشه.
كما تُظهر تجربة كوسوفا – التي احتلت حيزًا مهمًا في هذا العمل – أن الفكر الوسطي حين يتحول إلى ممارسة مؤسسية ودبلوماسية هادئة، يمكن أن يسهم في صناعة التحولات الكبرى، حتى وإن لم يظهر ذلك في صورة قرارات سياسية مباشرة. لقد كان دعم الأزهر، بقيادة الإمام الطيب، نموذجًا لـ الدبلوماسية الدينية الأخلاقية التي تهيئ المناخ، وتبني القناعة، وتراكم الثقة.
أما إدراج الشعر في هذا السياق، فلم يكن خروجًا عن المنهج العلمي، بل تأكيدًا على أن الذاكرة الثقافية للأمم لا تُحفظ بالوثائق وحدها، بل أيضًا باللغة الجمالية القادرة على اختزال المعنى والشعور معًا. فجاء الشعر شاهدًا وجدانيًا على ما أنجزه الفكر، ومكمّلًا لما سجله التحليل.
في المحصلة النهائية، يؤكد هذا المقال أن نموذج الإمام الأكبر أحمد الطيب يقدم إجابة عملية عن سؤال جوهري:
كيف يمكن للعالم المسلم أن يكون وفيًّا لتراثه، ومنفتحًا على عصره، ومؤثرًا في عالمه دون أن يفقد هويته؟
إن هذا النموذج – بما يحمله من علم، وحكمة، وتواضع، وشجاعة فكرية – لا يمثل إرثًا شخصيًا فحسب، بل يشكل رصيدًا حضاريًا للأزهر وللعالم الإسلامي بأسره، ودعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار لدور العقل، والأخلاق، والحوار في بناء مستقبل أكثر أمنًا وسلامًا للإنسانية جمعاء.

كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]

مشاركةTweetPin
المنشور التالي
د. هدى المعدراني وثلاثية ناصر رمضان بملتقى الشعراء العرب

د. هدى المعدراني وثلاثية ناصر رمضان بملتقى الشعراء العرب

آخر ما نشرنا

د. هدى المعدراني وثلاثية ناصر رمضان بملتقى الشعراء العرب
أخبار

د. هدى المعدراني وثلاثية ناصر رمضان بملتقى الشعراء العرب

يناير 10, 2026
0

كتبت غادة الحسيني من بيروت يستضيف ملتقى الشعراء العرب السبت الموافق 10/1/2026 الدكتورة اللبنانية هدى المعدراني / ومناقشة كتابها ثلاثية...

اقرأ المزيد
شيخ الأزهر وكوسوفا: قصة دبلوماسية الإيمان والحكمة بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

شيخ الأزهر وكوسوفا: قصة دبلوماسية الإيمان والحكمة بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

يناير 9, 2026
6
أن تكون رفيقا للكتاب/صباح بشير

أن تكون رفيقا للكتاب/صباح بشير

يناير 9, 2026
7
صباح بشير:  “كأنّي لم أذهب بعيدا”.. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

صباح بشير: “كأنّي لم أذهب بعيدا”.. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

يناير 9, 2026
5
وبكت فيروز مرتين /دعد عبد الخالق

وبكت فيروز مرتين /دعد عبد الخالق

يناير 9, 2026
30
  • الأكثر شعبية
  • تعليقات
  • الأخيرة

ليل القناديل /مريم كدر

يناير 15, 2024
ومضات /رنا سمير علم

رنا سمير علم /قصور الروح

أغسطس 11, 2022

ومضة /رنا سمير علم

أغسطس 11, 2022

الفنانة ليلى العطار وحوار مع أسرتهالمجلة أزهار الحرف /حوار مي خالد

أغسطس 23, 2023

ومضة

ومضات

زمن الشعر

عطش

د. هدى المعدراني وثلاثية ناصر رمضان بملتقى الشعراء العرب

د. هدى المعدراني وثلاثية ناصر رمضان بملتقى الشعراء العرب

يناير 10, 2026
شيخ الأزهر وكوسوفا: قصة دبلوماسية الإيمان والحكمة بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

شيخ الأزهر وكوسوفا: قصة دبلوماسية الإيمان والحكمة بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

يناير 9, 2026
أن تكون رفيقا للكتاب/صباح بشير

أن تكون رفيقا للكتاب/صباح بشير

يناير 9, 2026
صباح بشير:  “كأنّي لم أذهب بعيدا”.. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

صباح بشير: “كأنّي لم أذهب بعيدا”.. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

يناير 9, 2026

الأكثر مشاهدة خلال شهر

الدكتورة ندى محمد صالح لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان الدكتورة جيهان الفغالي
حوارات

الدكتورة ندى محمد صالح لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان الدكتورة جيهان الفغالي

ديسمبر 18, 2025
212

اقرأ المزيد
الكاتبة والمترجمة الكردية روزا حمه صالح لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان رحاب هاني

الكاتبة والمترجمة الكردية روزا حمه صالح لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان رحاب هاني

ديسمبر 18, 2025
156
عبد الله الحضري… حين يتحوّل الإرشاد السياحي إلى وعيٍ أثريٍّ وانتماءٍ مصريٍّ أصيل بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

عبد الله الحضري… حين يتحوّل الإرشاد السياحي إلى وعيٍ أثريٍّ وانتماءٍ مصريٍّ أصيل بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

ديسمبر 30, 2025
143
الدكتورة رشا علي الدين لمجلة أزهار الحرف حاورتها روان  شقورة

الدكتورة رشا علي الدين لمجلة أزهار الحرف حاورتها روان شقورة

ديسمبر 14, 2025
97
رؤية تحليلية: نجاد داتشي بعيون الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

رؤية تحليلية: نجاد داتشي بعيون الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

يناير 2, 2026
95
جميع الحقوق محفوظة @2022
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
  • الرئيسية
  • أسرة التحرير