فلسفة التمرّد الإنساني في «تمرّد أنثى»
ليست الفلسفة عند وحيد جلال الساحلي بحثًا عن حقيقة كبرى مكتملة، بقدر ما هي محاولة صادقة لعدم خيانة الإنسان القابع في الداخل. هو لا يكتب من برجٍ ذهنيٍّ معزول، بل من منطقة هشّة، تتقاطع فيها الفكرة مع الشعور، حيث لا يُطالَب النص بأن يكون جميلًا بقدر ما يُطالَب بأن يكون صادقًا.
في مشروعه الفكري والسردي، لا يظهر الكاتب شاهدًا محايدًا على الحياة، بل كائنًا متورّطًا فيها حتى العظم. يؤمن أن الكتابة ليست ترفًا ثقافيًا ولا تمرينًا لغويًا، بل ضرورة أخلاقية، وفعل مقاومة هادئ ضد التبلّد، وضد اعتياد الألم. لذلك تأتي نصوصه مثقلة بالأسئلة أكثر من الأجوبة، وكأنها تعلن بوضوح أن الوعي الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن ادّعاء الفهم الشامل، وحين نعترف بجهلنا النبيل.
في روايته «تمرّد أنثى»، يتجلّى هذا التصور بوضوح؛ فالحب ليس خلاصًا رومانسيًا ناعمًا، بل تجربة وجودية قاسية، تكشف الإنسان على حقيقته. الحب عند وحيد لا يُنقذ، بل يعرّي، لا يهب الطمأنينة، بل يختبر النوايا، ويسقط الأقنعة واحدًا تلو الآخر. أما الخسارة، فهي المعلّم الأصدق، ومنها يتعلّم الإنسان كيف يظل إنسانًا دون أن يتحوّل إلى حجر.
المرأة في فلسفته السردية ليست هامشًا حكائيًا ولا رمزًا عابرًا، بل جوهر الحكاية ومحورها. هي سؤال الحرية المفتوح، ومرآة القمع، ومؤشر نضج المجتمع أو انحداره. ومن هنا، لا ينحاز النص للأنثى بدافع الشفقة أو التزيين الخطابي، بل بدافع العدالة بوصفها موقفًا أخلاقيًا لا يقبل المساومة. «تمرّد أنثى» ليست رواية عن امرأة فحسب، بل عن مجتمع يُختبَر من خلالها.
أما الألم، فلا يراه لعنة يجب الهروب منها، بل لغة داخلية، إذا أُحسن الإصغاء إليها تحوّلت إلى وعي. هو يكتب وجعه لا ليقدّسه، بل ليفهمه، مدركًا أن الألم غير المفكَّر فيه يتحوّل إلى عنف، وأن الكتابة واحدة من أنبل طرق تهذيبه وتحويله إلى معنى.
إن فلسفة وحيد جلال الساحلي هي فلسفة الإنسان غير المكتمل، الذي لا يدّعي الحكمة، لكنه يرفض الكذب على نفسه. فلسفة تؤمن أن الكلمة قد لا تغيّر العالم، لكنها قادرة على إنقاذ روحٍ واحدة من الغرق…
وهذا، في نظره، سببٌ كافٍ للكتابة.
مسرعة الطرقات /ليندا حجازي
مسرعةً…، الطرقات واسعة…، تقطع المسافات…، تلوذ بصمتها. طفل لا يشبهها، ملفوف بقماط زمن خشن، تحمله على كفّ الحنين. على عتبة...
اقرأ المزيد



















