العطاء المتعدِّد: قراءة في المسيرة العلمية والفكرية للأستاذة الدكتورة هدى محمود درويش
بقلم: الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: [email protected]
رسالة وفاء من كوسوفا إلى روح عالمة عربية
من كوسوفا، هذه الأرض التي عرفت معنى الألم والصبر، وعاشت تجربة الفقد والبحث عن العدالة والاعتراف، نودّع اليوم قامةً علميةً عربيةً سامقة، الأستاذة الدكتورة هدى محمود درويش، رحمها الله رحمةً واسعة، وأسكنها فسيح جناته.
لقد بلغ نبأ رحيلها الأوساط الأكاديمية والفكرية في كوسوفا ببالغ الحزن والأسى، ليس لأنها عالمة مرموقة في حقل الدراسات المقارنة فحسب، بل لأنها كانت صوتاً صادقاً للإنسانية، ومنبراً للحوار، وحاضنةً للقضايا العادلة، وفي مقدمتها قضية كوسوفا التي لقيت منها اهتماماً علمياً وإنسانياً نبيلاً.
إن كوسوفا، التي ما زالت تشق طريقها في ذاكرة العالم وضميره، تحفظ للدكتورة هدى درويش موقفها المشرف، وتثمن عالياً إسهامها في فتح نوافذ الحوار والتعريف بقضايا الشعوب من داخل المؤسسات الأكاديمية، حيث تتحول المعرفة إلى رسالة، والعلم إلى موقف.
رحم الله الفقيدة الكبيرة، وجعل علمها في ميزان حسناتها، وألهم أسرتها وطلبتها ومحبيها جميل الصبر والسلوان.
مقدمة
تمرّ في تاريخ الأمم شخصيات علمية لا تُقاس قيمتها بعدد المؤلفات والمناصب فحسب، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مشروع حضاري، وإلى فعلٍ إنساني يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. ومن هذه الشخصيات التي تركت أثراً مركباً ومتعدّد الأبعاد في الفكر العربي المعاصر، الأستاذة الدكتورة هدى محمود درويش(وُلدت في 1 يناير 1953م)، أستاذة الأديان المقارنة والدراسات الشرقية بجامعة الزقازيق، وواحدة من أبرز الباحثات العربيات في شؤون اليهودية والحوار بين الأديان.
إن الكتابة عن الدكتورة هدى ليست مجرد توثيق لمسيرة أكاديمية حافلة، بل هي قراءة في نموذج عالمة جمعت بين صرامة المنهج وجرأة السؤال، وبين العمق العلمي والانحياز للقيم الإنسانية الكبرى. فقد استطاعت، عبر مسيرتها الطويلة، أن تؤسس مدرسة بحثية رصينة في الدراسات اليهودية والإسرائيلية، وأن تفتح آفاقاً جديدة في مقاربة قضايا الدين والتاريخ والسياسة بعيداً عن التبسيط أو التحيّز.
ويأتي هذا المقال ليقدّم قراءة تحليلية في “العطاء المتعدِّد” لهذه العالمة الراحلة، من خلال تتبع آثارها العلمية والفكرية والثقافية والاجتماعية، مع إيلاء اهتمام خاص لبعدٍ إنسانيٍّ مهم في مسيرتها، وهو انفتاحها على قضايا الشعوب، وفي مقدمتها قضية كوسوفا، التي شكّلت نموذجاً للتفاعل بين الأكاديميا والدبلوماسية الفكرية، وبين البحث العلمي والالتزام الأخلاقي.
كما يكتسب هذا المقال بعداً توثيقياً وشهادياً، إذ يكتب من موقع المعايشة والتعاون العلمي، لا من مسافة باردة، الأمر الذي يمنحه صدق التجربة وحرارة الذاكرة، ويجعل منه مساهمة في حفظ إرث علمي وفكري يستحق أن يُقرأ ويُدرَّس.
أولاً: الأثر العلمي والأكاديمي: تأسيس مدرسة فكرية متكاملة
من يطّلع على سيرتها الذاتية يلحظ أنها نسجت مساراً علمياً متماسكاً، بدأ بدراسة اللغة العبرية في جامعة عين شمس، ثم تدرج في الدراسات العليا في مقارنة الأديان بجامعة الزقازيق، حيث قدمت رسالتي ماجستير ودكتوراه أصبحتا مرجعين أساسيين في دراسة العلاقات التركية اليهودية وأثرها على العالم العربي. لم تكن هذه الرسائل مجرد أبحاث أكاديمية، بل كانت مشاريع فكرية كاشفة لجذور إشكاليات سياسية ودينية لا تزال حية حتى اليوم.
لقد أسست الدكتورة هدى مركز الدراسات الإسرائيلية بجامعة الزقازيق، وهو إنجاز مؤسسي كبير جعل من الجامعة مركز إشعاع في مجال الدراسات الاستراتيجية والدينية المعاصرة المرتبطة بإسرائيل واليهودية. كما أن رئاستها لقسم الأديان المقارنة وإدارتها للمعهد الآسيوي سابقاً، كلها أدوار تدل على قدرة قيادية وعلمية نادرة، خاصة في بيئة أكاديمية تحتاج إلى مثل هذه الكفاءات المؤسسة.
ثانياً: الأثر الفكري والديني: جسر بين الأديان والثقافات
تُعدُّ الدكتورة هدى درويش من أبرز الباحثين العرب الذين تناولوا اليهودية والتصوف اليهودي والفكر القبَّالي ويهود الدونمة بمنهجية علمية محايدة، بعيدة عن الانحياز العاطفي أو الإسقاط الأيديولوجي. مؤلفاتها مثل “العلاقات التركية اليهودية وأثرها على البلاد العربية”، و”حقيقة يهود الدونمة في تركيا”، و”الصلاة في الشرائع القديمة والرسالات السماوية”، و”أسرار اليهود المتضرين في الأندلس”، تشكّل مكتبة متخصصة لا غنى عنها للباحث في الشؤون اليهودية والإسرائيلية والعلاقات العربية التركية.
كما أنها قدمت إسهامات كبيرة في الحوار بين الأديان، من خلال مشاركاتها الدولية في مؤتمرات الحضارة والفنون الإسلامية، ومؤتمرات مواجهة الإرهاب بالفكر والحوار، وتأكيدها على قيم التعايش والتسامح، وهو ما تجلّى في حصولها على لقب “الشخصية النسائية لعام 2022 في التسامح” من اتحاد الجاليات المصرية في أوروبا، ونيلها وسام فلسطين في التسامح.
ثالثاً: الأثر الثقافي والأدبي: موسوعية المعرفة وتنوع الإنتاج
لا تقتصر إسهامات الدكتورة هدى على البحوث الأكاديميَّة الجافة، بل تمتد إلى التأليف الموسوعي الذي يخاطب القارئ المثقف العام، مثل موسوعة الحوار، والطريقة البكتاشية الصوفية، وحجاب المرأة بين الأديان والحداثة، ونبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام. وهي بذلك تجمع بين عمق الأكاديمي وجمالية الأدبي، وبين دقة المتخصص وسعة المثقف.
وترجمة أعمالها إلى لغات مثل التركية والألمانية دليل على أن فكرها تجاوز الحدود المحلية، وأصبح جزءاً من الحوار الفكري العالمي في قضايا الدين والمجتمع.
رابعاً: الأثر الاجتماعي والسياسي والديبلوماسي: صوت المرأة العالمة الفاعلة
لم تكن الدكتورة هدى منعزلة في برجها العاجي، بل شاركت في الحياة العامة من خلال عضويتها في المجلس القومي للمرأة، وتمثيلها لأسر ذوي الاحتياجات الخاصة في الأولمبياد الخاص، ومشاركتها في مؤتمرات دولية تحمل رسائل سياسية وديبلوماسية واضحة، مثل مؤتمر بروكسل حول مواجهة التطرف، ومؤتمر بوسان في كوريا حول استراتيجية اليهود في حوض المتوسط.
لقد كانت سفراً لمصر وللقيم العربية والإسلامية في محافل العالم، تحمل خطاباً يجمع بين الهوية والانفتاح، وبين الثبات على المبدأ والمرونة في الحوار.
خامسا: من الأزهر إلى الزقازيق: مسار تعاون مشترك لدعم قضايا الشعوب – لقاء علمي وسياسي حول كوسوفا
سيتناول هذا القسم من المقال تفاصيل العلاقة العلمية والإنسانية المميزة بين الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل والأستاذة الدكتورة هدى درويش، مع تسليط الضوء على نقطة التعاون البارزة وهي قضية كوسوفا. سيركز على:
1. نشأة العلاقة وتطورها: بدءًا من اللقاء الأول في جامعة الأزهر، ومرورًا بالتعاون المستمر في المحافل العلمية.
2. الندوة كحالة دراسة: تفصيل ندوة “وضع كوسوفا والعلاقات العربية الآسيوية” التي نظمها معهد الدراسات الآسيوية بجامعة الزقازيق في 7 مايو 2014، تحت رعاية الدكتور أشرف الشحي وإشراف الدكتور عبد الحكيم الطحاوي، وبحضور شخصيات أكاديمية مرموقة مثل الدكتور رأفت الشيخ. تُبرز هذه الفقرة دور الدكتورة هدى كحاضرة ومشاركة فاعلة، والدور المحوري للدكتور بكر إسماعيل كمحاضر رئيسي وسفير يقدم القضية.
3. جوهر التعاون: تجاوز الأكاديميا إلى الإنساني: التأكيد على أن تعاملهما مع قضية كوسوفا لم يكن مجرد نشاط أكاديمي عابر، بل انعكاس لالتزام مشترك بمناقشة القضايا الإنسانية العالمية وتقديم صوت للشعوب التي تبحث عن العدالة والاعتراف، وهو ما يتسق مع المسار الفكري للدكتورة هدى في الدفاع عن الحوار والعدالة.
4. الأثر والتغطية: الإشارة إلى أن الندوة حظيت بتغطية إعلامية (مقالات صحفية)، مما وسع دائرة النقاش حول القضية، وعكس نموذجًا للتفاعل البناء بين الدبلوماسية والأكاديميا في خدمة القضايا العادلة.
خاتمة: امتداد لجيل المؤسسين
في الختام، يمكن القول إن الأستاذة الدكتورة هدى محمود درويش لم تكن مجرد باحثة متخصصة في الأديان المقارنة أو الدراسات اليهودية، بل كانت مشروعاً فكرياً متكاملاً، جسّد قدرة العالِم العربي على الجمع بين المعرفة الدقيقة والرسالة الإنسانية. لقد آمنت بأن العلم لا يكتمل إن لم ينفتح على قضايا العصر، ولم يتحوّل إلى أداة للفهم والحوار والدفاع عن القيم العادلة.
وبرحيلها، تخسر الساحة الأكاديمية العربية اسماً وازناً، لكنها لا تخسر أثره؛ إذ يبقى علمها شاهداً، ومواقفها حاضرة، وتجربتها ملهمة للأجيال الجديدة من الباحثين والباحثات، خاصة في زمن تشتد فيه الحاجة إلى أصوات عاقلة، توازن بين الهوية والانفتاح، وبين الثبات والمرونة.
إن استحضار اسم الدكتورة هدى محمود درويش في سياق الحديث عن كوسوفا، أو عن الحوار بين الأديان، أو عن الدراسات الشرقية، هو استحضار لمعنى العطاء المتعدِّد في أنقى صوره: عطاء العلم، وعطاء الموقف، وعطاء الإنسان.
رحمها الله رحمةً واسعة، وجعل ذكراها خالدة في ذاكرة العلم والفكر.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]


















