“”حين يصير العشق طريقًا “”
قراءة سيميائية في قصيدة “”كلّ الطرق تؤدّي إليك “” للشاعرة غادة الحسيني
بقلم الدكتورة زبيدة الفول.
كل الطرق تؤدي إليك
كل الطرق تؤدي إليك،
مهما حاولت أن أضلل قلبي،
أن أخبئ نبضي
تحت وسائد الغياب
أن أرتدي الصمت
كوشاح شتوي
يحميني من برد الحنين.
كل الطرق تؤدي إليك،
في عطر المطر
حين يلامسني
في صوت الأغاني التي
لم نستمع إليها معا،
في فنجان القهوة الذي
يبرد على شفتي
لأنني شاردة في تفاصيلك.
أحاول أن أنساك
لكن صوتك يتسرب إلي
مع نسمات الفجر
يوقظني كهمس البحر
علی شاطئ مهجور
يكتبني على صفحات الصباح
حكاية لا تعرف خاتمتها.
كل الطرق تؤدي إليك،
حتى حين أبتعد،
أجدني أقرب،
حتى حين أهرب،
أكتشف أنني أركض إليك.
ممتلئة بك حد الامتلاء
عيناك في مرآتي كل صباح،
اسمك على لساني قبل الدعاء،
خطاك على دروبي
وإن غابت
وصورتك في قلبي لا تشيخ.
ماذا أفعل بهذا الجنون؟
كيف أروض هذا الشوق العنيد؟
كيف ألملم نفسي من ضياعك
وأنت الوطن الذي تهت فیہ،
وأنت التيه الذي يسكنني ؟
كل الطرق تؤدي إليك،
فإما أن تأتي،
وإما أن أظل أمشي إليك،
حتى أصير جزءًا من دربك
وحتى تصير عالمي الوحيد
المقدّمة
ليست هذه القصيدة مجرّد اعتراف عاطفي، بل خريطة وجدانية تتقاطع فيها الطرق، وتتشابك الإشارات، حتى يغدو الحبيب علامة كونية لا مهرب منها. النصّ لا يروي حكاية حبّ بقدر ما يؤسّس نظامًا دلاليًا تُعاد فيه صياغة المكان والزمان والذات وفق مركز واحد: “أنت”.
في هذا الفضاء، لا يعود الطريق مسافة، ولا الغياب فراغًا، ولا الحنين شعورًا عابرًا، بل يتحوّل كلّ ذلك إلى علامات سيميائية تتواطأ لتقول معنى واحدًا بصيغ متعددة. هكذا تنزاح اللغة عن وظيفتها الإخبارية، وتدخل منطقة الرمز، حيث تتجاور الفلسفة مع الشعر، ويغدو الوجدان أداة معرفة لا تقلّ عمقًا عن العقل.
أولًا: العنوان بوصفه عتبة سيميائية
يحمل العنوان «كلّ الطرق تؤدّي إليك» وظيفة مزدوجة:
وظيفة إغرائية: إذ يستدعي المثل الشهير (كل الطرق تؤدي إلى روما)، لكنه يستبدل “روما” بالآخر/الحبيب، في انزياح دلالي يحوّل التاريخ والجغرافيا إلى عاطفة.
وظيفة تأطيرية: العنوان ليس خارجيًا، بل يتكرّر داخل النصّ، فيغدو لازمة دلالية تشبه “القرار الموسيقي” الذي تعود إليه الجملة الشعرية كلما ابتعدت.
سيميائيًا، نحن أمام علامة كلية (Macro-sign) تتحكّم في قراءة النص كله، وتجعل كل صورة لاحقة تفسيرًا جزئيًا لها.
ثانيًا: ثنائية الحضور والغياب (الدالّ والمسكوت عنه)
تشتغل القصيدة على مفارقة مركزية:
أن أرتدي الصمت / كوشاح شتوي / يحميني من برد الحنين.
الصمت هنا دالّ سيميائي، لكنه لا يدلّ على الفراغ، بل على الامتلاء المكبوت. الوشاح علامة حماية، غير أن الحنين هو “البرد” الحقيقي.
بهذا الانقلاب، يتحوّل الغياب إلى شكل آخر من أشكال الحضور، ويصبح الصمت لغة، لا نقيضًا للكلام.
هذه الثنائية تتكرّر في:
• القهوة التي تبرد (زمن متوقّف)
• الأغاني التي لم تُسمع معًا (ذاكرة ناقصة)
• الشاطئ المهجور (مكان بلا جسد)
وكلّها علامات على حضور مؤجَّل لا يُلغى، بل يزداد كثافة.
ثالثًا: سيمياء الحواس (العطر، الصوت، اللمس)
تراهن الشاعرة على الحواس بوصفها وسائط دلالية:
• عطر المطر: علامة تطهير وبداية، لكنه هنا يستدعي الغائب.
• صوت الأغاني: ذاكرة سمعية ناقصة، تؤكّد الفقد بدل أن تداويه.
• فنجان القهوة: طقس يومي يتحوّل إلى مؤشر على الشرود والانشطار الداخلي.
وفق التصوّر السيميائي، تتحوّل الأشياء المألوفة إلى رموز ذات فائض دلالي، وهو ما أشار إليه رولان بارت حين تحدّث عن انتقال العلامة من معناها الأولي إلى المعنى الإيحائي (Connotation).
رابعًا: صورة الذات المتشظية
ممتلئة بك حدّ الامتلاء
الذات هنا لا تُعرَّف بذاتها، بل بما تحتويه. الامتلاء paradoxal، لأنه يقود إلى الضياع لا الاكتمال.
المرآة، اللسان، الدعاء، الدروب… كلها فضاءات تُسقِط فيها الذات صورة الآخر، فيتحوّل إلى مرجعية وجودية.
سيميائيًا، نحن أمام:
• ذات = دالّ
• الحبيب = مدلول شامل
• العلاقة = نظام علامات مغلق
وهو ما يفسّر سؤال الجنون في المقطع الأخير: الجنون ليس خللًا نفسيًا، بل أزمة دلالية، حين تفقد الذات قدرتها على إنتاج معنى مستقل.
خامسًا: الطريق بوصفه رمزًا فلسفيًا
الطريق في القصيدة ليس مسارًا، بل قدرًا.
الابتعاد اقتراب، والهروب عودة، والحركة دوران حول مركز ثابت.
هنا يلتقي الشعر بالفلسفة الوجودية: الحرية وهم، والاختيار محكوم ببنية داخلية أعمق من الإرادة.
الطريق يتحوّل إلى علامة ميتافيزيقية، تشير إلى استحالة الفكاك من المعنى المؤسِّس للذات.
الخاتمة
تنتهي القصيدة، ولا ينتهي الطريق.
ذلك لأن النصّ لا يبحث عن خاتمة، بل عن إقامة دائمة في التيه الجميل.
غادة الحسيني لا تكتب حبًّا، بل تكتب بنية عشق، يتداخل فيها الرمز بالحسّ، والغياب بالحضور، والذات بالآخر، حتى تتلاشى الحدود، ويصير العشق كيانًا لغويًا قائمًا بذاته.
بهذه الكثافة السيميائية، تتحوّل القصيدة إلى مرآة كبرى:
من قرأها، سار فيها أدرك أن بعض الطرق… لا تُفضي إلى مكان، بل إلى معنى يسكننا إلى الأبد.
.
ومن سار فيها، أدرك أن بعض الطرق… لا تُفضي إلى مكان، بل إل
د. زبيدة الفول تكتب عن الشاعرة غادة الحسيني
""حين يصير العشق طريقًا "" قراءة سيميائية في قصيدة ""كلّ الطرق تؤدّي إليك "" للشاعرة غادة الحسيني بقلم الدكتورة زبيدة...
اقرأ المزيد


















