تعالي..
نخترع خريطة لجسدين يلتقيان في منتصف الهاوية
ونؤسس بلدة صغيرة للحب
نحكمها بقبضة من دمع ساخن
يا ساكنة تجاعيد وقتي العميقة
يا من تركت في يدي مفاتيح مدينة أشباح
ومفتاحاً واحداً صدئاً لقلبك
كنت ادخره لليوم الذي تعلن فيه
أن كل الأبواب تؤدي إلى الغياب
أيتها المرأة.. المتحف
يا من تحولين كل عاشق إلى زائر
يدفع تذكرة الدخول بقطعة من روحه
ويخرج محملاً بصور لا يشبهه أحدٌ فيها
سوى ظله المتعثر على جدران الخزائن الزجاجية
ما هذا الجنون الذي يجعل من قلبي
محطة قطارات للمسافرين إلى مدنك البعيدة؟
أرى العشاق يصلون ويغادرون
ويعلقون على جدراني لوحات صغيرة
مكتوباً عليها: “كان هنا.. ولن يعود”
أكتب اسمك على راحة يدي المبللة بالعرق
في ليالي الانتظار الطويلة
فينميه الزمن خطوطاً تتحول إلى شوارع
تؤدي كلها إلى ميدان اسمه الوحدة
وفي وسطه تمثال لكِ
يقطر من عينيه زيتاً أسود
يضيء مصابيح المدينة الباردة
قلت لي مرة بكلمات مختزنة في الثلاجة:
“سنكون نهراً يجري في اتجاهين متعاكسين
ونتقاطع عند نقطة اسمها المستحيل”
صدقتكِ..
ثم اكتشفت أن المستحيل مجرد محطة مترو مهجورة
بها لوحة إعلانات لعلاقات لم تكتمل
وكشك هاتف لا يجيب عنه أحد
هاأنذا..
أغسل جمجمتي من أحلامك القديمة
أيتها الحبيبة.. يا آخر ملكات الغياب
يا من تخلطين دموعي مع طلاء جدران منزلك
لتصنعي لوناً جديداً اسمه “الانتظار”
تعالي.. نؤرشف هذا الوجع بطريقة علمية
نحول دقات القلب إلى بيانات رقمية
ونخزنها على قرص صلب بلون الليل
لن أكذب..
أحياناً أسمع صوتك في مكالمات وهمية
تخترق خطوط الهاتف الميتة
وتقول لي بكلمات مشفرة:
“البقاء للأسود.. والمحبون يصنعون الوعود بلا معجزات”
فأرد بحيرة صامتة:
“والمحبوسون فيكِ.. مساجين حرب بلا راية استسلام”
خذيني إلى بلادك البعيدة
بلاد التي لا تشرق فيها شمس إلا من عينيك
بلاد التي لا تمطر إلا عندما تبتسمين
بلاد التي خرجت منها منفيّاً بلا محاكمة
وحملت معي ترابها الملعون في جيبي
فأصبح كل مكان أنزل فيه
يذكرني بأنني غريب
اليوم..
أخلع كل أضلاعي الواحدة تلو الأخرى
وأعيد ترتيبها ككراسي في قاعة فارغة
استعد لاستقبالكِ لو قررتِ الحضور
مع علمي أن القطار الأخير إلى هنا
قد مرّ قبل أن تولدي
وأن كل اللوحات الإرشادية تشير إلى اتجاه واحد:
“لا عودة من بلد العشق البائد”
في النهاية..
سأصنع من صوتكِ غيمة صغيرة
أحملها فوق رأسي في كل البلاد
وأسقي بها ظمأي عندما يجف كل الينابيع
وأموت أخيراً..
مستلقياً تحت شجرتك المستحيلة
التي تثمر كل عام رماناً من حجر
وتسقط أوراقها على قبرٍ
لم يكتب عليه اسمي بعد.



















