يا ربيعَ العمرِ…
يا وعدَ المواويلِ الأسيرةْ،
يا صدى الأيامِ
في صدرِ القلوبِ المستنيرةْ،
قد هَرمنا
فوق أهدابِ المسافاتِ القصيرةْ،
وتبعْنا حُلْمَنا المنفيَّ
في دربِ القبيلةْ.
وغفونا
فوق أجنحةِ المدى حلمًا
بأفياءٍ عليلةْ،
وتنادَى
في ضلوعِ الصمتِ
صوتُ الأمنياتِ المستحيلةْ.
بين ربيع العمر ومنفى الحلم
قراءة جمالية دلالية في قصيدة «ربيع العمر» للشاعر ناصر رمضان عبد الحميد
بقلم: فوزية جعيدي
تنبض قصيدة «ربيع العمر» للشاعر ناصر رمضان عبد الحميد بعذوبة شجية، وتنهض على حافة دقيقة تفصل بين الحلم والخذلان، وبين دفء البدايات وثقل النهايات. إننا أمام نص يلامس جوهر التجربة الإنسانية حين تكتشف، متأخرة، أن الزمن لم يكن حليفا بقدر ما كان امتحانا قاسيا للانتظار.
يفتتح الشاعر نصه بنداء شعري مفعم بالحنين:
«يا ربيعَ العمرِ… يا وعدَ المواويلِ الأسيرة»،
وفي هذا النداء تتكثف الرؤية منذ البدء؛ فالربيع هنا ليس فصلا زمنيا عابرا، بل رمز للعمر كما كان يتخيّل: وعدا بالجمال والاكتمال. غير أن اقتران هذا الوعد بـ«المواويل الأسيرة» يكشف منذ السطر الأول عن انكسار داخلي، حيث يصبح الغناء محاصرا، والجمال نفسه واقعًا تحت القيد.
القصيدة، في عمقها، مرثية مزدوجة: مرثية للحلم، ومرثية للزمن. لكنها ليست مرثية مباشرة أو خطابا بكائيا، بل مرثية واعية، تتسلل عبر الصور والمجازات، وتتكئ على مفارقات دلالية حادة، أبرزها المفارقة بين الامتداد والانكماش، وبين التطلع والخذلان.
من أكثر الأسطر لفتا للنظر قول الشاعر:
«قد هرمنا / فوق أهدابِ المسافاتِ القصيرة».
هنا تتجلى ذروة المفارقة الشعرية؛ فالهرم لم يكن نتيجة رحلات طويلة أو تجارب عظيمة، بل نتيجة الوقوف الطويل عند تخوم القريب. إن «المسافات القصيرة» تتحول إلى مساحة استنزاف روحي، ويغدو الانتظار ذاته رحلة مهلكة. إنها صورة عميقة تختصر تجربة إنسانية شائعة: أن يشيخ المرء وهو ينتظر ما ظنّه قريبًا.
أما توصيف الحلم بـأنه «منفي في درب القبيلة» فيحمل بعدا اجتماعيا واضحا، حيث يصطدم المشروع الفردي النقي بمنظومة الجماعة، بما تحمله من أعراف وضغوط وقيود. القبيلة هنا ليست مكانا جغرافيًا، بل رمز للسلطة الجمعية التي تقصي الحلم المختلف، وتدفعه إلى المنفى بدل الاحتضان. في هذا السياق، يبدو الشاعر وكأنه يعلن اغترابه لا عن المكان فحسب، بل عن المنظومة التي صادرت حلمه.
وتتوالى الصور الشعرية محمّلة بإيحاءات نفسية عميقة، كما في قوله:
«وغفونا / فوق أجنحة المدى حلمًا».
فالمدى، بما يوحي به من اتساع وانفتاح، يتحول إلى جناحين لا يحملان الجسد بقدر ما يحملان الحلم ذاته. غير أن هذا التحليق لا يقود إلى ذروة، بل إلى «أفياءٍ عليلة»، في دلالة واضحة على أن الطموح انكفأ من السعي إلى الإنجاز إلى مجرد البحث عن الظل والراحة بعد إرهاق العمر.
وتبلغ القصيدة ذروتها الشعورية في الخاتمة:
«وتنادَى / في ضلوعِ الصمت / صوت الأمنيات المستحيلة».
هنا يتحول الصمت إلى كيان حيّ، وتتحول الضلوع إلى فضاء داخلي يضج بما لا يُقال. إن «الأمنيات المستحيلة» لا تصرخ في الخارج، بل تتنادَى في الداخل، في أعمق مناطق الوجدان، حيث يدرك الإنسان استحالة التحقق، لكنه يعجز عن إيقاف النداء.
من الناحية الفنية، يتكئ النص على موسيقى داخلية هادئة، تتناغم مع النبرة التأملية الحزينة، دون افتعال أو صخب. كما ينجح الشاعر في تطويع المجاز ليخدم الفكرة لا ليزاحمها، فتأتي الصور مكثفة، موحية، ومتجانسة مع الجو النفسي العام للقصيدة.
إن قصيدة «ربيع العمر» ليست مجرد تعبير عن حزن شخصي، بل هي نص إنساني مفتوح، يلتقي فيه الذاتي بالجمعي، والزمني بالوجودي. نص يقول، بصدق وهدوء، إن بعض الأحلام لا تموت فجأة، بل تنفى، وتشيخ، وتظل تنادينا من داخلنا… حتى آخر العمر.
فوزية جعيدي
فنانة تشكيلية وباحثة في الفن, وحاصة على ماستر في النسيج.
خريجة المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء المغرب.
عضو ملتقى الشعراء العرب


















