حين يصبح الحب صلاة: قراءة جمالية صوفية في نشيد الفراشة
قراءة في قصيدة نشيد الفراشة للشاعر الكبير ناصر رمضان عبد الحميد
بقلم د. زبيدة الفول
***
تنهض قصيدة «نشيد الفراشة» للشاعر الكبير ناصر رمضان عبد الحميد بوصفها نصًا وجدانيًا-رؤيويًا، يزاوج بين الغنائية العالية والتأمل الوجودي، ويجعل من الحب طاقةً كونية قادرة على إعادة تشكيل الذات والعالم معًا. ليست القصيدة خطاب عشق تقليدي، بل تجربة شعرية مكتملة، تُبنى على التحوّل، والارتقاء، والانتقال من الشّتات إلى الاتساق، ومن الوجع إلى المعنى.
أولًا: العنوان ودلالته الرمزية
يحمل عنوان «نشيد الفراشة» كثافة رمزية لافتة؛ فـالنشيد يوحي بالترتيل، والقداسة، والإنشاد الجمعي، بينما الفراشة كائن هشّ، جميل، لا يعيش طويلًا، لكنه يحترق في سبيل الضوء. ومن هذا التوتر بين القداسة والهشاشة، تولد القصيدة: حبٌّ يحترق كي يُضيء، وجمالٌ لا يخاف الفناء ما دام يقود إلى المعنى.
الفراشة هنا ليست أنثى فحسب، بل مبدأ وجودي، وقوة إيقاظ داخلي، وسبب انتقال الشاعر من التعب إلى اللهب، ومن المرض إلى الاشتعال.
ثانيًا: التحوّل الجسدي والروحي
يفتتح الشاعر نصه بمشهد التحوّل:
«قبّلتُها
فتحوّلَ الجسدُ العليلُ إلى لهب»
القبلة ليست فعل حب بسيط، بل فعل كيمياء شعرية، تتحوّل فيه الطاقة الساكنة إلى احتراق خلاّق. الجسد العليل يشفى لا بالدواء، بل بالحب، في تماهٍ صوفي بين العشق والشفاء. ثم تتسع الرؤية إلى فضاء كوني:
«فتساقطت حولي الشهب»
الشهب علامة التحوّل العظيم، وكأن الذات لم تعد مركز العالم، بل صار العالم يدور حول لحظة العشق.
ثالثًا: الضوء بوصفه بؤرة جمالية
القصيدة مشغولة بالضوء في تجلياته المتعددة:
الضياء، الفجر، النور، الشهب، البرق، الضوء في البخور…
وهو ضوء غير فيزيائي، بل ضوء المعرفة والحب واليقين.
«وتفتّحت أبواب روحي للضياء»
هنا تتحوّل الروح إلى معبد، والضياء إلى وحي. ويبلغ هذا المسار ذروته في قول الشاعر:
«إنّي رأيتُ الله فيكِ»
وهي عبارة جريئة، لا تنتمي إلى التشبيه البلاغي السطحي، بل إلى الرؤية الصوفية التي ترى الإله متجليًا في الجمال والحق والخير. غير أن الشاعر، بوعيٍ أخلاقي عميق، يخشى الفناء أمام هذا التجلي، فيلجأ إلى الدعاء، لا الامتلاك.
رابعًا: الصورة الشعرية وتراسل الحواس
تعتمد القصيدة على تراسل حسي كثيف:
السمع: لحن، نشيد، ناي
الشم: العطور، البخور
البصر: الضوء، الشهب، الأقمار
اللمس: القبلة، الرعشة، اليدان
«من جرح نايٍ
ذاب في لحنٍ
تقادم في الصدور»
صورة بالغة الرهافة، يتحوّل فيها الجرح إلى موسيقى، والزمن إلى ذاكرة جمعية. وهنا تتجلّى قدرة الشاعر على تحويل الألم إلى جمال، وهي من أعلى وظائف الشعر.
خامسًا: ثنائية الشّتات والاتساق
من أبرز محاور النص الانتقال من التمزق إلى الانسجام:
«هذا الشتاتُ
توضّأ الآن…
واختار اشتياقَه»
إنها صورة مذهلة، يُحوِّل فيها الشاعر الشتات إلى كائن يتطهّر، في استعارة تجمع بين الديني والوجداني، وتؤكد أن الحب ليس فوضى، بل نظام داخلي جديد.
سادسًا: البعد الطفولي والبراءة الأولى
يتكرر حضور الطفل في النص:
«كأنّنا طفلان»
«أنا ذاك الطفل الذي…»
الطفولة هنا ليست عمرًا، بل حالة نقاء، وسرقة بريئة للضوء، وقدرة على الحلم خارج حسابات الخسارة. إن الشاعر لا يعود طفلًا ليهرب من العالم، بل ليواجهه بقلبٍ غير ملوّث.
سابعًا: البناء الإيقاعي واللغة
القصيدة مكتوبة بلغة شعرية عالية، تتكئ على:
تكرار مدروس (هاتِي يديكِ) يمنح النص نَفَسًا إنشاديًا.
جُمل قصيرة متجاورة تُحدث توترًا موسيقيًا.
مزجٍ بين التفعيلة والنثر الشعري دون كسر للانسجام.
واللافت أن الشاعر يحافظ على نبرة واحدة متصاعدة، دون ترهّل أو انكسار، ما يدل على وعي بنائي عميق.
خاتمة
«نشيد الفراشة» ليست قصيدة حب فحسب، بل بيان شعري عن الخلاص بالمعنى. فيها يتحوّل الحب إلى صلاة، والأنثى إلى لغة بقاء، والقصيدة إلى طقس تطهّر من الوجع القديم.
إن ناصر رمضان عبد الحميد يقدّم في هذا النص تجربة ناضجة، تتكئ على ثقافة جمالية وصوفية رفيعة، وتؤكد أن الشعر، حين يبلغ ذروته، لا يصف الحياة… بل يُعيد خلقها.
___
عضو ملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف
صدر لها :
محراب الشوق
شعر
ناصر رمضان عبد الحميد سفير الأدب العربي ودبلوماسي الثقافة المصرية
تراجم


















