من صفو الفجر إلى احتفال الروح
قراءة نقدية في قصيدة «إلى الطفل كِيان»
للشاعر الكبير ناصر رمضان عبد الحميد
بقلم: غادة الحسيني (الجدة)
مقدمة
ليست هذه القصيدة مجرّد نصٍّ موجهٍ إلى طفل، بل هي شهادة قلب، ودليل قاطع على أن المحبة الصادقة لا تشترط اللقاء الجسدي، وأن الأرواح حين تتآلف، تصنع جسورًا أصفى من الواقع.
فالشاعر الكبير ناصر رمضان عبد الحميد، الذي لم يلتقِ بحفيدي كِيان وجهًا لوجه، أحبّه عبر نافذة الشاشة، ورآه بقلبه قبل عينيه، فكتب نصًّا يفيض إنسانية، ويؤكد أن الأطفال يمتلكون قدرة فطرية على إعادة ترميم العالم.
إنها قصيدة لا تتغنّى بالطفولة بوصفها مرحلة عمرية فحسب، بل تتعامل معها كقيمة كونية، وكمصدر خلاص في عالمٍ أثقلته الليالي العاصفات.
أولًا: العنوان ودلالته
يحمل العنوان «إلى الطفل كِيان» بساطته المقصودة، لكنه ينطوي على عمق دلالي واضح.
فالاسم «كِيان» لا يُستدعى هنا كاسم علم فقط، بل كرمز للوجود النقي، والجوهر الإنساني الأول قبل أن تمسّه تشوّهات العالم.
وكأن الشاعر يكتب إلى الكيان الإنساني في أنقى صوره، لا إلى طفل بعينه فقط.
ثانيًا: الطفولة بوصفها خلاصًا كونيًا
يقدّم الشاعر الطفل كيان باعتباره نقيضًا للوجع، لا ضحيته:
«ليس في روحِكَ إلّا
صفوُ فجرٍ… واحتفال»
الطفولة هنا ليست هشّة، بل قوية في صفائها، قادرة على استقالة الهمّ من صدر الليالي، في صورة بليغة تجمع بين التجريد والتشخيص، وتمنح الطفل سلطة رمزية على الزمن والألم.
ثالثًا: الصورة الشعرية وبنية الضوء
تعتمد القصيدة على معجم ضوئي كثيف:
الفجر
الضحى
الربيع
النقاء
النسيم
وهي صور لا تأتي تزيينيًا، بل لتشييد عالم مقابل لعالم العاصفة والليل.
الطفل في النص ليس ساكنًا، بل فاعل:
«وإذا تنفّستَ اشتعلت
وإذا غفوتَ…
منحت للقلبِ الجمال»
إنه كائن يعيد تشكيل المحيط، لا يتأثر به فقط، وهو ما يمنح النص بعدًا فلسفيًا خفيًا حول الطاقة الخلّاقة في البراءة.
رابعًا: البنية الإيقاعية والتكرار
يوظف الشاعر التكرار بوصفه أداة احتفالية لا خطابية:
«يا صغيرًا»
«يا نقاءً»
«صفو فجر… واحتفال»
هذا التكرار يرسّخ المعنى، ويخلق إيقاعًا دائريًا يشبه التراتيل، وكأن القصيدة صلاة سرية تُقال للطفولة كي تبقى.
خامسًا: البعد الإنساني والعاطفي
أكثر ما يميز النص هو صدقه العاطفي.
فالقصيدة لا تُكتب من موقع التنظير، بل من موقع المحبة الخالصة، حيث يتحول الطفل إلى مرآة يرى الشاعر فيها ما تبقى من صفائه الداخلي.
«كيف تمحو وجهَ حزنٍ
بابتسامٍ…
فتُعيدُ الكونَ ميلادًا»
هنا تبلغ القصيدة ذروتها، إذ تُسند للابتسامة الطفولية فعل الخلق من جديد.
خاتمة
إن قصيدة «إلى الطفل كِيان» ليست مجرد إهداء عاطفي، بل نصٌّ إنساني مكتمل، يثبت أن الشعر الحقيقي لا يحتاج إلى القرب المكاني، بل إلى صدق القلب.
وقد نجح الشاعر الكبير ناصر رمضان عبد الحميد في أن يجعل من طفلٍ لم يلتقه أيقونة للصفاء، وسببًا للاحتفال بالحياة في وجه العاصفة.
إنها قصيدة تُقرأ… ثم تُحتفظ بها، لأنها تذكّرنا بأن العالم، مهما اشتد ظلامه، ما زال قادرًا على الميلاد من ابتسامة طفل.
__
غادة الحسيني
أمينة السر بملتقى الشعراء العرب
مدير التحرير بمجلة أزهار الحرف
عضو اتحاد كتاب لبنان
صدر لها تسع إصدارات ما بين الشعر والقصة والنقد
***
إلى الطفل كِيان
يا كِيانا في ضحاه
كل احلام الطفولة
والتعالي والجمال
يا صغيرًا…
ليس في روحِكَ إلّا
صفوُ فجرٍ… واحتفالْ
يا نقاءً فاضَ حبًّا
فاستقالَ الهمُّ من صدرِ الليالْ
طالعٌ أنتَ…
ونوّارُ ربيعٍ
في الليالي العاصفاتِ
وإذا تنفّستَ اشتعلت
وإذا غفوتَ…
منحت للقلبِ الجمالْ
يا كيانًا في ضُحاهُ
يا ربيعًا في نَداهُ
يا نسيـمًا في هواهُ
وجههُ بيت الوصال
يا ابتسامًا يتدلّى
من سَما قلبٍ تجلّى
كان وجهُ الفجرِ يحلو
يتهادى…
يملأُ العمرَ اكتمالًا
بالوصالْ
كيف تمحو وجهَ حزنٍ
بابتسامٍ…
فتُعيدُ الكونَ ميلادًا
وتُنهي كلَّ ما كان من الوجعِ المُحالْ؟
يا صغيرًا…
ليس في روحِكَ إلّا
صفوُ فجرٍ… واحتفالْ
يا نقاءً فاضَ حبًّا
فاستقالَ الهمُّ من صدرِ الليالْ
__
حفيد المهندس رشيد التنير عليه رحمة الله
والمهندسة الشاعرة غادة الحسيني


















