نعلّم الطاعة… فمتى نعلّم العدالة؟!
حين يصبح التعليم الرسمي ساحة ظلمٍ صامت
لم تعد أزمة التربية والتعليم في لبنان محصورة في المناهج أو البنى التحتية أو خطط التطوير المؤجّلة، بل تحوّلت إلى أزمة عدالة اجتماعية وكرامة مهنية. فالتعليم الرسمي، الذي يُفترض أن يكون الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، يُدار اليوم بمنطق التمييز الوظيفي، وتعدّد المسميات، وتفاوت الحقوق، في غياب رؤية واضحة للمساءلة والإنصاف.
في المدرسة الرسمية الواحدة، يعمل أساتذة يحملون الشهادات نفسها، ويؤدّون المهام ذاتها، ويقفون يوميًا أمام نفس التلامذة، لكنهم لا ينتمون إلى الواقع الوظيفي ذاته. فبين أستاذ ملاك ومثبّت يتمتّع بصفة قانونية وحقوق واضحة، وأستاذ متعاقد ومستعان به يعمل منذ 15 أيلول دون تثبيت أو ضمان أو استقرار مالي، تتكرّس فجوة مهنية واجتماعية عميقة داخل الجسم التربوي.
وتشير معطيات ميدانية إلى أنّ شريحة واسعة من الأساتذة المستعان بهم لم تتقاضَ حتى اليوم أي بدل أتعاب منذ بداية العام الدراسي. فلا تسويات واضحة، ولا جداول زمنية ملزمة، ولا آلية شفافة للدفع.
أما بعض متعاقدي الصناديق حُوِّل لهم مبلغ محدود لا يلبّي الحدّ الأدنى من الحقوق، فيما لم تُوقَّع طلبات آخرين أصلًا، رغم استمرارهم في التعليم، التزامًا منهم بحقّ التلميذ في التعلّم، وخوفًا من الفراغ التربوي.
ولا يقتصر هذا الخلل على مستوى السياسات المركزية، بل يتجلّى أيضًا في تفاوت التطبيق بين مدرسة رسمية وأخرى. فبينما بادر بعض المديرين إلى دفع مستحقات المتعاقدين على الصناديق فور وصولها، أو إلى صرف بدل النقل تقديرًا لجهد الأستاذ، امتنع آخرون عن ذلك بحجّة عدم تحويل أي مبالغ، في حين تُظهر الوقائع أنّ بعض التحويلات قد أُنجزت جزئيًا أو كليًا. هذا التباين جعل الحقوق رهينة الاجتهاد الفردي، لا نتيجة نظام واضح أو رقابة فاعلة.
في موازاة ذلك، أعلنت الروابط واللجان التربوية إضرابات متقطّعة أيام الثلاثاء والأربعاء، في محاولة للضغط على الجهات المعنية. إلا أنّ هذه التحرّكات كشفت انقسامًا داخل الجسم التعليمي، حيث يرفض عدد كبير من المتعاقدين الالتزام بالإضراب، لا رفضًا لفكرة النضال، بل خوفًا من فقدان موردهم الوحيد. فالتجربة السابقة أظهرت أنّه، في كثير من الأحيان، يعود الملاك إلى التعليم بعد تحقيق مطالبهم، فيما يبقى المتعاقدون خارج الحسابات، بلا تثبيت أو حماية قانونية.
ويرى متابعون للشأن التربوي أنّ استمرار هذا الواقع يهدّد استقرار التعليم الرسمي، ويُضعف الثقة بالمؤسسات، ويحوّل الرسالة التربوية إلى عبء فردي بدل أن تكون مسؤولية دولة.
فالإصلاح التربوي لا يمكن أن يُبنى على التمييز، ولا على هشاشة وظيفية، ولا على استنزاف الأساتذة معنويًا وماديًا.
المطلوب اليوم لا يقتصر على تسديد المستحقات المتراكمة، بل يتعدّاه إلى توحيد المسميات الوظيفية، ووضع آلية عادلة للتثبيت، وضمان حقوق المتعاقدين قانونيًا ونقابيًا، إضافة إلى فرض معايير موحّدة وشفافة في إدارة المدارس الرسمية.
فالتعليم لا ينهار دفعة واحدة، بل يتآكل بصمت.
وحين يُترك المعلّم طويلًا في هذا الصمت، لا يُربّي الأجيال على الصبر، بل على الاعتياد على الظلم.
لا يمكن تجاهل سعي وزيرة التربية إلى تطوير الإدارة التربوية، من خلال برامج تدريبية منظّمة تستهدف مديري المدارس الرسمية، تُنفَّذ سنويًا بالتعاون مع الجامعة اللبنانية، حيث يخضع المديرون لدورات في استراتيجيات الإدارة التربوية ومعاييرها، بإشراف أساتذة ودكاترة مختصين، ويتلقّون تدريبًا على التخطيط والتطوير المؤسسي.
غير أنّ هذه الخطط، على أهميتها، تبقى في إطارها النظري والإداري، إذ لا يلمس الأستاذ على أرض الواقع أي تحسّن مالي أو معيشي ينعكس استقرارًا أو طمأنينة داخل الصف. فبين خطط التطوير المعلنة وواقع الأستاذ اليومي فجوة واسعة، تجعل الإصلاح يبدو ناقصًا، لأن التربية لا تُصلَح بالإدارة وحدها، بل بكرامة المعلّم قبل أي شيء.
بقلم ساره حاطوم


















