•أُعرف الشعر شحنات عاطفية متدفقة بقالب موسيقي، فما هو تعريف الشعر لدى ناصر رباح؟ لا يوجد تعريف للشعر يمكن الوثوق به، فهو شعور مثل الحب والكراهية والخوف، نعرفه عندما نعيشه ونكتبه ولا ندرك الأسباب الحقيقية لانتاجه، كثيرا ما كان الحافز موجودا والمخيلة متيفظة ولم يأت الشعر، وأحياناً يطرق الباب دون توقع. وهكذا..لكن يمكن تحديد ما اذا كان شعرا أم هراءً بسهولة جدا.
• ذاع صيت شعر شاعرنا الفلسطيني في بريطانيا، فما هي أسباب مقومات وأسباب نجاح الشاعر عموماً وناصر خصوصاً؟ لا بد من ممارسة طويلة ومريرة وإخلاص تام، فهو يتحول من هواية في البظاية إلى غواية ثم إلى حرفة تحتاج ساعات طويلة من العمل والإتقان، في القراءة الدائمة وتحليل النصوص وخوض التجارب الحياتية ومتابعة سلوكيات وتصرفات الأشخاص والكائنات وتفاصيل الطبيعة وكذلك التزود بتقنيات اللغة وتطورها، وتجارب الآخرين، وقبل كل هذا تحمل هذا الطريق بحب.
• لقد هاجم العقاد الشعر الحر ولم يعترف به كشعر، وقال ساخراً: من أي شيء يتحرر الشعر، فهل يتحرر من نفسه؟ على اعتبار أن الشعر يلزمه الموسيقى الشعرية العربية المتمثلة بالوزن والقافية، فإلى اي مدى جانبه الصواب العقاد؟
هذا سؤال قديم جدا. تمت إجابته مئات المرات، ولكني سأجيب بطريقة مختلفة؛ فنحن نرتدي كل يوم ملابس مختلفة عن السنوات السابقة ونبني بيوتاً بتصميمات جديدة ونستقل سيارات حديثة الطراز وأما في الشعر فدوما ما يجرنا هذا السؤال إلى الخلف.. الشعر العالمي بكامله كان يرتكز على التفعيلات والوزن وتخلص منها وليس فقط الشعر العربي.
لماذا نصر على الكتابة على موسيقى جاهزة ولا يمكننا تذوق موسيقى جديدة وخاصة بكل نص؟
•إعادة إنتاج النص بالقراءات المتعددة من المتلقي، هل تعتمد على المتلقي القارىء ذي النظرة الثاقبة لنصوص، أم على غزارة الكاتب لنص الذي يفتح الآفاق للقراءات المتعددة؟ بالطبع يمكن انتظار الإحتمالين، فلا يمكن دوماً توقع القاريء الصبور وأيضا لا يمكن دوماً توقع كتابة الطبقات المتراكمة للمعاني والأفكار العميقة للنص.
ولكن المدهش أننا أحياناً نصادف قراءات وتفسيرات لم تكن مقصودة لحظة الكتابة.
• قال الجاحظ: “المعاني مطروحة بالطريق…”حيث أنّه انتصر إلى اللفظ والشكل على المضمون، وثار الجدل على أيهما جودته أفضل لنص بين مرجح وراجح، فمن يسمو على الآخر من وجهة نظر شاعرنا؟ بالطبع الأفكار كثيرة والمهارة في توظيف هذه الأفكار بطريقة فنية ومبتكرة ومدهشة ودائمة التجديد.. الكثيرين عاشوا في غزة تجربة الحرب وشاهدوها بعينهم وبدمائهم ولكن من
الصعب التعبير عن تلك الأحداث بطرق تراعي المتطلبات الخاصة بكل شكل تعبيري من القصة والرواية والقصيدة والفيلم. الفكرة البسيطة يمكن توظيفها بطرق فنية ملهمة فتصبح فناً راقياً وخالداً والأفكار الكبيرة تصبح فناً رديئا إذا تم تناولها باستخفاف وتساهل.
• دوماً نُردد الكلمة وسيلة من وسائل المقاومة، فهل الكلمة لها دورها الفاعل في الحياة الإنسانية في عصرنا الراهن؟ لا يجب الاستخفاف بالقوى الناعمة في النضال الانساني، فكثيراً ما غيرت الكلمات مسارات وتوجهات الأخرين تجاه قضيتنا، كلمات درويش كانت تغنى في المسيرات العالمية المعاصرة لغزة..ومع ذلك فالكتابة هنا وبالتحديد في حرب كهذه تصبح على الأقل واجباً وظيفياً يجب بل ولا بد من إنجازه تماماً مثل الصلاة على الشهيد ووداع الأصدقاء ومراوغة الموت واللهاث بقوة الحياة لرفع حجر الصمود إلى قمة جبل المأساة، واجبا لطمأنة الناس على رصيدهم الوطني والأخلاقي، واجبا لإمداد الثكالي بالأمل أننا باقون وحاملوا الرايات، واجباً كي لا يرى الأعداء موتنا فينتشون، واجباً وديوناً مستحقة علينا تجاه الشهداء والأطفال اليتامى، واجباً إنسانياً نقياً لأصحاب الحق أمام بشاعة ووحشية الإبادة والتطهير العرقي.
• حينما قرأت عنونة الديوان(الحرب لا تنتهي) استدعاني.
• (مرثية طائر الحناء)ديوان الشاعر ناصر رباح، فمن هو طائر الحناء؟ وبماذا رثاه؟ بل كان كذلك الرثاء كافياً لتلك الفاجعة؟ طائر الحناء يسمى أحيانا بطائر الشمس الفلسطيني حيث يحمل على صدره وريشه ألوان علمنا، وهو مرثية لغياب هذا الطائر من سماوات غزة، مثل حلم الدولة والحرية والاستقلال، ولكن الديوان نفسه ينحاز لرثائي الخاص لنفسي ولذاتي حيث افتقد السلام الخاص والطمأنينة وأعيش في حالة من القلق الوجودي واليومي الدائم.
• حينما انتهيت من قراءة (شتلات الموت) تساءلت: هل شتلات الموت ستكون بها الأمل أم الموت المتجدد؟ هي توثيق للحظات خاصة من يوميات الحرب التي عايشتها، وبكاء بالحروف على المهانة والإذلال الذي تعرضنا له طوال ايامها. وتسليط الضوء على الزوايا الخلفية والتي لم تظهرها الكاميرا للعالم .. ربما نلمح بين السطور اعتيادية الموت بين السكان، ولامبالاة الناس به وتحجر مشاعرهم تجاه الفقد والخسارة، وفي نفس الوقت مالقيتهم لمل هذا بصبر وصمود متناهيين.
• علمتُ دراستك كانت بجمهورية مصر العربية، فما هي رؤيتك لثقافة المصرية الآنية، وما رأيك في مجلة أزهار الحرف؟
مصر دوما لديها الكثير لتقدم للثقافة العربية، فأفضل الروائيين العرب كانوا من مصر ورواد الشعر كانوا من مصر ومنهم معلمي الكبير أمل دنقل، والروائي الفذ صنع الله ابراهيم. وبالطبع فما زلت على اتصال برواد الشعر النصري الحديث أصدقاء الشباب: عاكف عبد العزيز وعماد غزالي وإبراهيم ابراهيم وغيرهم..
اتمنى للمجلس كل توفيق ونجاح وهي بالطبع رائدة المجال الثقافي والفني.
• سعدتُ بحوارك، هل بُخبرنا شاعرنا ما هي أمانيه المستقبلية؟ أمنياتي بسيطة جدا: مكان تحت شمس الحرية والاستقلال وبجواري علم بلادي.


















