في هذه اللوحة، لا يُستعاد الخط العربي بوصفه شكلاً زخرفيًا أو علامة جمالية مكتفية بذاتها، بل كأثر ثقافي حيّ، ينتمي إلى منظومة رمزية تشكّلت تاريخيًا داخل ممارسات اجتماعية وطقوسية ومعرفية متراكمة. من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية، يغدو الحرف هنا حاملاً لذاكرة جمعية، تُستدعى من عمق المخيال الثقافي لتُعاد مساءلتها ضمن سياق بصري معاصر، حيث لا يُفهم التراث ككيان ثابت، بل كعملية مستمرة من إعادة التأويل وإعادة التملك الرمزي.
الخط العربي، في هذا العمل، يحتل موقع “الرمز الكثيف” بالمعنى الذي تمنحه له الأنثروبولوجيا التأويلية؛ فهو لا يؤدي وظيفة لغوية مباشرة، بل يعمل كعلامة متعددة الطبقات، تتقاطع فيها الدلالة الجمالية مع الذاكرة الدينية والتاريخية والاجتماعية. هذا التحول من الحرف بوصفه أداة تواصل إلى الحرف بوصفه بنية رمزية مفتوحة، يعكس انتقالًا من المعنى القولي إلى المعنى المجسَّد بصريًا، حيث يصبح الحرف فضاءً تُنقش فيه آثار الطقوس، والكتابات، والسلطات الرمزية التي شكّلت حضوره عبر الزمن.
أما اللون الأزرق، المهيمن على خلفية اللوحة، فيحيل داخل المخيال الثقافي الإسلامي إلى أبعاد كونية وروحية، لكنه هنا يُعاد توظيفه كحقل دلالي متوتر، يتأرجح بين السكينة والقلق. أنثروبولوجيًا، يمكن قراءة هذا اللون كامتداد لرمزية السماء والماء، أي كمجال للعبور بين المرئي واللامرئي، بين المقدس واليومي. في المقابل، يشكّل اللون الأبيض في بنية الحرف عنصرًا طقوسيًا مضادًا، يضطلع بوظيفة الفصل والتمييز، كأنه حدّ رمزي يفصل بين ما هو مكشوف وما هو مستتر، وبين الذاكرة المؤسسة والتجربة المعاصرة القلقة.
الزخارف الهندسية والنباتية التي تحيط بالحرف لا تعمل هنا بوصفها عناصر تزيينية، بل كآثار لنسق ثقافي متوارث، يعبّر عن نزوع نحو النظام والتكرار والاستمرارية. غير أن هذا النسق يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع تشظي الحرف واضطراب بنيته، ما يكشف عن توتر أنثروبولوجي بين “المركز” بوصفه حاملاً للمعنى الموروث، و”الهامش” بوصفه فضاءً للتجريب والانزياح. هذا التوتر يعكس صراعًا رمزيًا بين ثقافة الاستقرار وثقافة التحول، بين الطقس بوصفه إعادة إنتاج للماضي، والفن بوصفه فعلًا لإعادة صياغته.
ضمن هذا الأفق، يمكن قراءة اللوحة كاستجابة ثقافية لأزمة المعنى في المجتمعات العربية المعاصرة، حيث تراجعت سلطة النص المدوَّن لصالح هيمنة الصورة. الحرف العربي، وقد جُرّد من قابليته للقراءة المباشرة، يتحول إلى أثر بصري، إلى “بقايا دلالية” تحمل شحنة هووية وذاكراتية، لكنها ترفض الاستقرار في معنى واحد. إننا أمام حرف يعيش حالة liminality، أي حالة العتبة، حيث لا ينتمي كليًا إلى الماضي ولا يندمج تمامًا في الحاضر.
تنتمي هذه التجربة إلى سياق الحروفية العربية، لا بوصفها اتجاهًا تقنيًا فحسب، بل كممارسة ثقافية سعت، منذ ستينيات القرن الماضي، إلى إعادة التفاوض مع الحرف باعتباره رمزًا مؤسسًا للهوية. من منظور أنثروبولوجي، تمثل الحروفية محاولة لبناء حداثة فنية محلية، تُبقي على الارتباط بالمرجعيات الثقافية، لكنها في الوقت ذاته تعيد تفكيكها وتحريرها من سلطتها المغلقة. غير أن هذا المسعى يظل مشحونًا بتوتر دائم بين الرغبة في الأصالة والخوف من الوقوع في إعادة إنتاج فولكلورية للتراث.
في هذه اللوحة، يتجلى هذا التوتر من خلال حرف يحتفظ بأثر قدسيته الرمزية، لكنه يخضع في الآن ذاته للتشويه والتفكيك البصري. الحرف هنا لا يقدم نفسه كهوية مكتملة، بل كحقل تفاوض دلالي، تُعاد داخله صياغة العلاقة بين الذاكرة والواقع، وبين الرمز وممارساته المعاصرة.
إدماج النص داخل بنية الحرف يكشف عن تحول عميق في مفهوم الحروفية، حيث لم يعد الحرف إطارًا زخرفيًا، بل وعاءً ثقافيًا يحمل شذرات من التاريخ والمعرفة والأسطورة. هذا التداخل بين النص والصورة يعكس أزمة أوسع في الثقافة المعاصرة، تتعلق باختلال العلاقة بين القول والرؤية، بين ما يُقال وما يُرى.
بهذا المعنى، تُعيد اللوحة تعريف الحروفية كخطاب أنثروبولوجي نقدي، لا يهدف إلى تمجيد التراث، بل إلى مساءلته بوصفه ممارسة ثقافية قابلة للتفكيك وإعادة البناء. إنها مساحة رمزية للتفاوض المستمر بين المقدس واليومي، بين الثابت والمتحول، حيث يتحول الفن إلى أداة لفهم الثقافة لا كإرث جامد، بل كعملية حية لإنتاج المعنى وإعادة تشكيله.
ميثاق النور /د. زبيدة الفول
ميثاقُ النورِ بينَ الأَسْرِ والخَلاص قال لي: قلبي أَسيرُ يديكِ… لا قَيْدَ سوى نورِ الرغبةِ إذ يُصلَبُ السُّؤَلَا فارفعي عنهُ...
اقرأ المزيد



















