الأم بوصفها علامة كونية:
قراءة سيميولوجية في قصيدة “أمي”
للدكتور ناصر رمضان عبد الحميد
بقلم الدكتورة زبيدة الفول.
———————
أمي
يا من على سطري
أرق من الندى
وأعز من همس الضحى بفلاتي
وكتبت شعري نفحة
شماء تصعد للمعالي في ثبات
ورسمت حرفي قصة غناء
تبقى في الحياة وفي الممات
وسكبت حزني باليراع
فأنبتت زفراته زفراتي
ونطقت باسمك ذاكراً
فاخضو ضرت بين الربا أبياتي
وصعدت باسمك حالما
فتفتحت في خلوتي
صبواتي
يا من على قلبي أحب من الشذا
وألذ من وقع الهوى بهداتي
ويجيء ذكرك والعيون لها بكا
والقلب من وله به حسراتي
وأتوه أبحث عنك في كل الخطى
ضلت خطاي
وأثقلت آهاتي
أنا ما حييت
بغير حبك حارسا
يا نور عيني
في رؤى خطواتي
ما زال صوتك
في الصباح مناديا
قم يا صغيري
داعب الصلوات
وأحفظ كتاب الله
في عمر الزهور
وجنة الدعوات
أنا ما نسيت حنان
قلبك حافظا
والحب ما تعطي لنا ( نجواتي).
——————————————
المقدمة: حين تتحول اللغة إلى رحمٍ كونيّ
في فسحة الضوء التي تتكوّر فيها المعاني قبل أن تُولد كلمات، تنهض هذه القصيدة كجرحٍ مضيء في جسد اللغة، لا ينزف حزنًا بل إشراقًا. الأم هنا ليست مجرد حضور عاطفي، بل شيفرة وجودية، علامة تتشظّى في النص وتعيد تركيب العالم من جديد. إن القصيدة لا تكتب الأم، بل تعيد خلقها في بنية رمزية تجعل من الحرف جسدًا، ومن الصوت نبضًا، ومن الذكرى معراجًا لغويًا يصعد بالذات من تراب الواقع إلى أفق التأويل. ومن هذا المنطلق، تغدو القراءة السيميولوجية رحلة في شبكة العلامات، حيث لا يُقرأ النص بما يقوله فقط، بل بما يومئ إليه، وبما يخفيه تحت طبقات الدلالة، وبما يفتحه من مسارات فلسفية تتجاوز حدود اللحظة الشعرية.
الإطار النظري: السيميولوجيا بوصفها علم العلامات
تشكل “الأم” في النص بؤرة العلامات كلها. فهي ليست مفردة لغوية بل محور دلالي مهيمن، تتفرع منه الحقول الرمزية:
“يا من على قلبي أحب من الشذا”
“يا نور عيني في رؤى خطواتي”
هنا تتحول الأم إلى:
• علامة أصل: تشير إلى الجذور الأولى للذات.
• علامة نور: رمز للهداية واليقين.
• علامة وجودية: تمثل المعنى العميق للحياة والاستمرار.
ثانيًا: الحقول الدلالية الحسية وبناء الأيقونات الشعرية
تعتمد القصيدة على حقل حسي كثيف يحوّل العاطفة إلى إشارات مرئية ومسموعة:
1. حقل الرقة والطهارة
“أرق من الندى”
“أعز من همس الضحى”
الندى والهمس يعملان كـ أيقونات حسية، إذ يشبه الدال مدلوله في صفاته: النعومة، الصفاء، اللطف. هذه الأيقونية تمنح العاطفة بُعدًا ملموسًا، وتجعل الحنان قابلًا للتجسيد الشعوري.
2. حقل الضوء والرؤية
“نور عيني”
“رؤى خطواتي”
الضوء هنا رمز معرفي يدل على الوعي والبصيرة، وليس مجرد إضاءة فيزيائية. الأم تتحول إلى مرشد وجودي، وإلى بوصلة داخلية تعيد توجيه الذات.
ثالثًا: التكرار بوصفه آلية سيميولوجية لبناء المعنى
يتكرر في النص النداء، والضمير، وصيغة الاستدعاء العاطفي:
“أنا ما حييت”
“ما زال صوتك”
هذا التكرار لا يؤدي وظيفة إيقاعية فقط، بل يعمل على:
• تثبيت العلامة المركزية (الأم).
• خلق تراكم دلالي تصاعدي.
• بناء ما يُعرف في علم النص بـ “التماسك الدلالي”
وهكذا يتحول التكرار إلى استراتيجية رمزية تعيد إنتاج المعنى في مستويات متجددة.
رابعًا: الزمن بوصفه علامة سردية رمزية
القصيدة لا تتحرك في زمن خطي، بل في زمن دائري رمزي:
• الماضي: الطفولة، النداء الصباحي
• الحاضر: الحنين، البكاء
• المستقبل: الدعاء، الاستمرار الروحي
هذا التداخل ينتج ما يسمى الزمن الأسطوري الرمزي، حيث تتكرر اللحظة العاطفية وتتحول إلى بنية ثابتة في الوعي، فتغدو الأم خارج حدود الفناء الزمني.
خامسًا: العلامة الدينية والبعد الروحي
“أحفظ كتاب الله”
“جنة الدعوات”
هنا تنتقل العلامة من المستوى الإنساني إلى المستوى المقدّس. الأم تتحول إلى وسيط روحي، وإلى مصدر تطهير أخلاقي. في السيميولوجيا الثقافية، يُعرف هذا الانتقال بـ “تقديس العلامة”، حيث تتحول الدلالة إلى رمز متعالٍ يحمل شحنة أخلاقية وروحية.
سادسًا: سيمياء العاطفة وبناء التأثير الوجداني
الحزن، الحنين، البكاء، الشوق… كلها تتحول إلى إشارات وجدانية جماعية. النص لا يعبّر عن ذات فردية فقط، بل يُنشئ نموذجًا شعوريًا مشتركًا يسمح للقارئ بأن يعيد إسقاط تجربته الخاصة داخل بنية القصيدة.
الخاتمة: حين تصير الأم شمس العلامات
في نهاية هذه الرحلة العلاماتية، تتكشف القصيدة ككونٍ لغويٍّ مصغّر، تدور في مداراته الرموز كما تدور الكواكب حول نجمها المركزي. الأم لا تبقى شخصية شعرية، بل تتحول إلى شمس دلالية تشعّ في النص ضوءًا وجوديًا لا يخبو. هنا تنتصر اللغة على الفناء، ويصبح الحرف جسدًا للذاكرة، ويغدو الشعر طقسًا لإعادة خلق المعنى. القصيدة لا تحفظ صورة الأم، بل تخلّدها في بنية رمزية مفتوحة، تجعل القارئ شريكًا في عملية التأويل، وفاعلًا في استمرار الحياة داخل النص. وهكذا يبرهن هذا العمل الشعري أن الشعر، في جوهره، ليس وصفًا للعاطفة، بل هندسة للروح داخل فضاء العلامة.















