حين يتكلم الليل: شعرية الغياب والاحتواء
قراءة في ديوان تراتيل المطر القديم لما يوسف
مدخل عام
يُشكّل ديوان «تراتيل المطر القديم» فضاءً شعريًا مكثّفًا تتداخل فيه التجربة الوجدانيّة مع الرؤية الجماليّة، حيث تتقدّم القصيدة بوصفها فعل بوحٍ وتأمّل، لا مجرّد تعبير لغوي. النصوص هنا لا تُكتب لتُروى، بل لتُرتَّل، في إحالة واضحة إلى البُعد الطقسي والروحي الذي يحكم الديوان من بدايته حتى خواتيمه.
تظهر الذات الشاعرة واعية بذاتها، مثقلة بتاريخ من الحبّ، الفقد، الغربة، والانكسار، لكنها في الوقت نفسه ذات قادرة على تحويل الألم إلى جمال، والخذلان إلى نصٍّ مفتوح على التأويل.
أولًا: تحليل العنوان «تراتيل المطر القديم»
العنوان يحمل شحنة دلاليّة مركّبة تقوم على ثلاثة عناصر أساسيّة:
تراتيل:
تحيل إلى الإنشاد، الطقس، والتكرار الروحي، بما يجعل النصوص أقرب إلى صلوات شعريّة تتردّد داخل الذات لا خارجها.
المطر:
رمز الحياة، الغسل، والخصب، لكنه في الديوان يحمل أيضًا دلالة الحنين والبكاء المؤجّل، والذاكرة التي لم تجفّ.
القديم:
صفة زمنيّة ونفسيّة في آن، تشير إلى وجع سابق، حبّ منتهٍ، وطن مستهلك، وذاكرة لم تتعافَ.
بهذا يصبح العنوان مدخلًا دلاليًا لنصوص تستعيد الألم لا بوصفه حدثًا منتهيًا، بل حالة مستمرّة تُعاد ترتيلها.
ثانيًا: الحبّ بوصفه تجربة وجوديّة
الحبّ في الديوان ليس علاقة عاطفيّة عابرة، بل تجربة وجوديّة كاملة، تتداخل فيها الروح والجسد واللغة. يظهر الحبيب كقوّة قادرة على الخلق والهدم في آن.
في قصيدة «عاشق السكون»:
> «لا تلعب داخل ميدان السّهر
ثمّ تأتي لترتّل داخل معبد شهوتك
لتسرق زهوتي الرّوحيّة»
يتجلّى رفض الشاعرة للحبّ الزائف، وتأكيدها على قداسة العلاقة التي لا تنفصل عن الروح.
وفي «كلّ شيء… إلّا أنتِ»:
> «مسيطر أنا
على كلّ شيء
إلا أنتِ»
تتحوّل المحبوبة إلى مساحة عصيّة على الامتلاك، كاشفة هشاشة الذات أمام الحب، مهما ادّعت السيطرة.
ثالثًا: الغربة والرحيل
الغربة في الديوان متعددة الأبعاد: غربة المكان، غربة الوطن، وغربة الذات عن ذاتها. الرحيل لا يُطرح كفعل اختياري دائمًا، بل كقدرٍ مفروض.
في «ألوان الرحيل»:
> «يا غاصبًا على بعضٍ من وطني،
اتركني لرحيلي»
الوطن هنا يتجاوز الجغرافيا، ليشمل الحبيب، الذاكرة، والهوية. ويتكرّس السؤال الوجودي في خاتمة الديوان:
> «أهي الأيامُ أم أنا من يرحل؟»
وهو سؤال يضع الذات في مواجهة الزمن، دون إجابة قاطعة.
رابعًا: الليل بوصفه كيانًا حاضنًا
الليل في نصوص الديوان ليس زمنًا محايدًا، بل كيان حيّ، صديق، شاهد، ومرآة للانكسارات.
في «السارق الغريب»:
> «أنت يا ليل،، أنت الليل
لا تبخل علينا بقطرة احتواء»
الليل يتحوّل إلى بديل عن الأمان الإنساني، ومساحة للاعتراف، وحاضن للأسرار والهزائم.
خامسًا: الجسد بين الرمزي والصوفي
الجسد حاضر بقوّة، لكنه غير مبتذل أو مباشر، بل يُقدَّم كلغة موازية للقصيدة، وأداة كشف لا إغواء.
في «ثمالة الروح»:
> «هيّأتُ له جسدي
بعض النبيذ وقطعة حلوى»
الجسد هنا قربان، وطقس حب، ومساحة تماهٍ بين الحسيّ والروحي.
سادسًا: الحالة السيكولوجيّة للذات الشاعرة
تكشف النصوص عن ذات:
واعية بالخذلان
متأرجحة بين القوّة والانكسار
ذات نزعة صوفيّة واضحة
في «حنين»:
> «فأفرّ منّي… إليّ»
يدلّ هذا التركيب على صراع داخلي حادّ، ورغبة في المصالحة مع الذات، حيث يصبح الهروب وسيلة للعودة.
الذات هنا ليست ضحية، بل شاهدة على وجعها، قادرة على تسميته واحتوائه.
سابعًا: اللغة والأسلوب
اللغة:
شعرية، تصويريّة، حسّيّة
تعتمد الاستعارة الطبيعيّة (مطر، ليل، قمر، نور)
كثيفة، لكنها شفّافة
الإيقاع:
نثري داخلي
قائم على التكرار والترتيل
يحاكي نبضًا نفسيًا متقلّبًا
في النهاية :
يشكّل ديوان «تراتيل المطر القديم» تجربة شعريّة ناضجة، تتجاوز البوح العاطفي إلى بناء عالم رمزي متكامل، تتحوّل فيه القصيدة إلى صلاة، والحب إلى سؤال، والحنين إلى هوية.
هو ديوان لا يُقرأ بسرعة، بل يُصغى إليه، لأنه لا يقدّم أجوبة، بل يفتح نوافذ على ذاكرة ما زال المطر فيها قديمًا… وما زال يهطل.
__
مايا يوسف
فنانة تشكيلية وشاعرة لبنانية
صدر لها
رقصة الغياب
عضو ملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف


















