عبقرية إدارة التوازنات الإقليمية: كيف أعاد السيسي رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط
منذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم، لم تكن السياسة الخارجية المصرية قائمة على ردود الأفعال أو الشعارات الآنية، بل على إدارة دقيقة للتوازنات الإقليمية، تقوم على مبدأ المصالح الوطنية العليا، وتقديم الدولة المصرية بوصفها ركيزة استقرار لا طرفًا في الفوضى. ولعلّ التحوّل الجذري في مسار العلاقات المصرية–التركية يُعد أحد أبرز النماذج الدالّة على هذه الرؤية السياسية المتأنية.
فبعد سنوات من القطيعة والتوتر، نجحت القاهرة في تحويل أنقرة من خصم سياسي إلى شريك إقليمي محتمل، دون تنازل عن الثوابت أو التفريط في الكرامة الوطنية. وجاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة تتويجًا لمسار طويل من العمل الهادئ، الذي اعتمد على تفكيك الخلافات بدل تضخيمها، وعلى إعادة تعريف المصالح المشتركة بعيدًا عن الاستقطاب الحاد.
هذا التحوّل لم يكن وليد مجاملة سياسية، بل نتيجة قراءة عميقة لموازين القوى في المنطقة. فتركيا، بما تمتلكه من ثقل عسكري واقتصادي وجغرافي، تمثّل لاعبًا محوريًا في الإقليم، والتقارب معها يعزّز من قدرة مصر على التأثير في ملفات معقّدة تمس الأمن القومي العربي، من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر، ومن ليبيا إلى القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تبرز قدرة القيادة المصرية على إدارة الملفات الساخنة دون الانزلاق إلى صراعات كبرى. فقد تعاملت القاهرة مع الحرب على غزة بمنتهى الحكمة، محافظِة على دورها التاريخي كوسيط رئيسي، ومدافع عن الحقوق الفلسطينية، وفي الوقت ذاته رافضة لأي محاولات لجرّ مصر إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو فرض واقع التهجير القسري على حساب السيادة المصرية. كان الرفض المصري واضحًا، صلبًا، وغير قابل للمساومة، دون ضجيج أو استعراض.
كما لا يمكن إغفال الدور المصري في دعم استقرار الدول العربية، وعلى رأسها السودان، حيث سعت القاهرة إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ومنع انزلاق البلاد إلى سيناريو التفكك، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن مصر لا ينفصل عن أمن محيطها العربي والإفريقي.
إن ما يميّز إدارة الرئيس السيسي للسياسة الخارجية هو قدرتها على الجمع بين الحزم والمرونة، بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الممكن سياسيًا. لم تدخل مصر في محاور مغلقة، ولم تُدار سياستها بمنطق العداء الدائم، بل بمنطق الدولة العاقلة التي تعرف متى تختلف، ومتى تقترب، ومتى تصمت، ومتى تتكلم.
وفي عالم يموج بالاضطرابات، تبدو هذه المقاربة السياسية واحدة من أهم أسباب حفاظ مصر على مكانتها الإقليمية، وعلى قدرتها في تجنّب كلفة الصراعات المفتوحة، دون أن تتنازل عن دورها أو وزنها. إنها سياسة لا تُقاس بالضجيج الإعلامي، بل بنتائجها على الأرض، وبقدرتها على حماية الدولة وسط إقليم لا يرحم الضعفاء.
عضو اتحاد كتاب مصر



















