فلسفة النحات عبد الحق السجلماسي
بقلم فوزية جعيدي
عبد الحق السجلماسي هو فنان مغربي معاصر متميز، يعرف بأسلوبه الخاص في تحويل المواد الجامدة إلى قطع فنية تنطق بالحياة.
يشتهر السجلماسي بقدرته العالية على التعامل مع مواد مختلفة، لاسيما الخشب والبرونز والحديد.
المزاوجة بين الأصالة والحداثة: تعكس منحوتاته صراعا وتصالحا في آن واحد بين التراث المغربي (بزخارفه ورموزه) وبين المدارس التجريدية والحديثة في النحت العالمي.
غالبا ما تدور أعماله حول مفاهيم الإنسان، الجسد، والذاكرة. فنحته لا يكتفي بالشكل الخارجي، بل يحاول نحت “المشاعر” أو “الحالات النفسية”.
مكانته في الفن المغربي
يعتبر السجلماسي من الأسماء التي ساهمت في إخراج النحت المغربي من طابع “الصناعة التقليدية” الصرف إلى فضاء “الفن التشكيلي” الأكاديمي والجمالي.
شارك في العديد من المعارض الوطنية والدولية.
تتميز قطعه بالقدرة على الاندماج في الفضاءات العامة (النحت الصرحي) أو كقطع مقتنيات خاصة.
ما يميز عبد الحق السجلماسي هو “الفلسفة” خلف النحت؛ فهو لا ينحت لغرض الديكور فقط، بل لتقديم رؤية فنية تجعل المشاهد يتساءل عن الفراغات والكتل في القطعة المنحوتة.
تقوم تجربة الفنان عبد الحق السجلماسي على علاقة حميمية مع المادة، فهو لا يختار وسائطه عشوائياً، بل ينتقي المواد التي تمتلك “روحا” أو تاريخا. تنقسم المواد في أعماله إلى ثلاث فئات رئيسية، لكل منها دلالة فلسفية عنده:
الخشب (المادة الحية)
يعد الخشب العشق الأول للسجلماسي، وهو المادة التي تبرز فيها فلسفته حول “ذاكرة الأرض”.
الأنواع: يفضل استخدام أخشاب البيئة المغربية مثل خشب الأرز، الزيتون، والعرعار.
التعامل معها: لا يحاول إخفاء عيوب الخشب؛ إذا وجد ثقبا طبيعيا أو شقا ناتجا عن الجفاف، فإنه يجعله مركزا للمنحوتة.
الفلسفة: الخشب بالنسبة له مادة “تتنفس”، والتعامل معها يتطلب صبراً لأنها مادة دافئة وعضوية تعكس هشاشة وقوة الإنسان في آن واحد.
المعادن (البرونز والحديد)
عندما يريد السجلماسي التعبير عن الصلابة والاستمرارية، يتجه نحو المعادن.
البرونز: يستخدمه لإنتاج قطع فنية ذات طابع كلاسيكي معاصر، حيث يسمح له البرونز بتجسيد التفاصيل الدقيقة والمنحنيات الانسيابية التي قد يصعب تحقيقها في الخشب.
الحديد والنحاس: أحيانا يدمج بين المعادن ليعكس التضاد بين البرودة (المعدن) والدفء (الخشب).
المواد المركبة (الخامات المختلطة)
في بعض مراحل تجريبه، قد يلجأ إلى دمج أكثر من مادة في عمل واحد:
يجمع بين خشب الأبنوس الداكن وبين لمسات معدنية لامعة.
يهدف من هذا الدمج إلى خلق “صراع بصري” بين مادة نبتت من الأرض (الخشب) ومادة صهرتها يد الإنسان (المعدن).
تقنيات السطح (الملمس)
لا يكتفي السجلماسي بنوع المادة، بل يركز على “البتينة” (Patina) أو الملمس النهائي:
المناطق المصقولة: تكون ناعمة جدا لدرجة تعكس الضوء، وكأنها تدعو المشاهد للمسها.
المناطق الخام: يترك فيها أثر الإزميل أو النار، ليوحي بأن العمل “قيد التشكيل” ولم ينتهِ بعد، مما يعطيه طابعا حداثيا.
“المادة عند السجلماسي ليست وعاء للفكرة، بل هي الشريك الذي يملي على الفنان كيف يجب أن تكون الفكرة.”
بالنسبة للنحات عبد الحق السجلماسي، لا يعتبر الضوء مجرد عامل خارجي لإضاءة المنحوتة، بل هو “الأداة الأخيرة” التي تكتمل بها العملية الإبداعية. الضوء عنده مادة نحتية غير مرئية.
الضوء كـ “ناحت” للفراغ
بما أنه يعتمد كثيراً على الفراغات والأنفاق داخل كتل الخشب أو المعدن، فإن الضوء هو الذي يملأ هذه الفراغات. عندما يسقط الضوء على المنحوتة، فإنه يخلق ظلالا داخلية متغيرة، مما يجعل العمل الفني يبدو مختلفا في كل ساعة من ساعات النهار. الفراغ المظلم يبرز الكتلة، والضوء يبرز العمق.
إبراز “تضاريس” المادة
يستخدم السجلماسي الضوء الجانبي (المائل) في معارضه ليرز الملمس .
في الأجزاء الخشنة التي ترك فيها أثر الإزميل، يخلق الضوء آلاف الظلال الصغيرة التي توحي بالخشونة والقوة.
في الأجزاء المصقولة (الناعمة)، ينزلق الضوء بسلاسة ليوحي بالليونة والصفاء.
“شفافية” الكتلة
في بعض أعماله التي يستخدم فيها مواد رقيقة أو فتحات متسلسلة، يحاول السجلماسي جعل المادة الصلبة تبدو خفيفة أو شفافة. الضوء هنا يكسر “ثقل” البرونز أو الخشب، ويجعل المنحوتة تبدو وكأنها تطفو في الفضاء، مما يعزز الجانب الروحي أو الفلسفي للعمل.
الظلال كـ “عمل فني مواز”
في فلسفته، ظل المنحوتة على الأرض أو الجدار هو جزء لا يتجزأ من العمل. أحيانا يكون الظل الناتج عن المنحوتة أكثر تعبيرا من المنحوتة نفسها، حيث يتحول الظل إلى شكل تجريدي أسود يرافق القطعة الأصلية، مما يخلق حوارا بين “الأصل” و”الخيال”.
كيف يمكنك تذوق أعماله بصرياً؟
عندما تقف أمام إحدى منحوتاته، جرب أن تتحرك حولها. ستلاحظ أن:
الزوايا تتغير: العمل ليس ثابتا بصريا.
انعكاس الضوء: يتبدل حسب ملمس السطح (مطفي أو لامع).
الغموض: الضوء يكشف أجزاء ويخفي أخرى، مما يدعوك لاستكشاف الجوانب المظلمة في المنحوتة.
فوزية جعيدي
فنانة تشكيلية
حقيبة سفر /رحاب هاني
بين يدي اللبناني، تتحول حقيبة السفر إلى خزانة للروح،يودع فيها رائحة الأرض ووعود اللقاء، بينما يطارد التهجير خطواته ليجعل من...
اقرأ المزيد



















