عيد الحب… حين يصبح القلب موقفًا
في الرابع عشر من شباط، تتزيّن الواجهات باللون الأحمر، وتتكاثر الرموز التي تختزل الحب في وردةٍ أو هدية. غير أنّ الحب، في جوهره، ليس مناسبة عابرة ولا طقسًا استهلاكيًا يُستعاد مرة في العام، بل هو بنية أخلاقية وثقافية تُعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.
عيد الحب ليس احتفاءً بالعاطفة بوصفها انفعالًا مؤقتًا، بل اعترافٌ بقيمة الإنسان في حياة الإنسان. هو تذكير بأن الحنان قوة، وأن اللطف خيار، وأن الوفاء موقف يتجدّد كل يوم. في عالمٍ يزداد قسوةً وتنافسًا، يصبح الحب فعل مقاومةٍ راقٍ، مقاومةً للبرود، للأنانية، وللغة الروتين التي تتسرّب إلى تفاصيل حياتنا.
الحب، كما تعلّمنا التجارب الإنسانية الكبرى، ليس مجرد علاقة ثنائية بين شخصين، بل هو منظومة قيم: احترام، إصغاء، مسؤولية، تضحية. هو القدرة على أن ترى الآخر بعمقه لا بسطحه، وأن تمنحه مساحة الأمان ليكون كما هو. ومن هنا، فإن عيد الحب يمكن أن يكون مناسبة لمراجعة ذواتنا: كيف نحب؟ كيف نُعبّر؟ وهل نُحسن الإصغاء بقدر ما نُحسن الكلام؟
لا يقتصر الحب على الشريك، إنه يمتد إلى الأم التي تعيد بناء العالم كل صباح بصبرها، إلى الأب الذي يُخفي تعبه خلف صمته، إلى الصديق الذي يثبت حين يتراجع الجميع، إلى الوطن الذي نسكنه ويسكننا، وإلى اللغة التي تمنح مشاعرنا أسماءً فتُنقذها من الغموض. في كل هذه الدوائر، يصبح الحب طاقةً مُنشئة للحياة.
ربما آن الأوان أن نحرّر عيد الحب من اختزاله في المظاهر، وأن نعيده إلى معناه الأعمق: أن نُتقن العناية بمن نحب، وأن نُصلح ما أفسدته العجلة، وأن نكتب رسائل صادقة لا تُنشر على الملأ بقدر ما تُحفظ في القلوب. فالحب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى صدق.
في النهاية، لا يُقاس الحب بعدد الورود، بل بقدرتنا على البقاء أوفياء في زمن التحوّلات. هو قرار يومي بأن نكون أكثر إنسانية، وأكثر رحمة، وأكثر استعدادًا لأن نحمل عن الآخر بعضًا من أثقاله.
ذلك هو عيد الحب حين يرتقي من مناسبةٍ عابرة إلى ثقافة حياة.

















