“”سيمياء التجلّي””
في نصّ “الحب… تجلّى من سرّ الله”
للشاعرة ليلى بيز المشغرية.
بقلم : د. زبيدة الفول
قراءة في أنساق الرمز وبنية القداسة
⸻
الحب …تجلّ من سر الله …
نبض
يوقظ ما نام في القلوب
نور خفي
ينحدر من غيم الرحمة
الى شقوق الروح
يمسح عنها غبار العتمة
قنديل ينهض
حين يعجز الفرح
عن رسم ضوء
على شفاه الايام.
هو الربيع
يشق صخور القلوب
ينفخ في وجنتيها
ندى الحنين
كأنه أول الخلق.
ألحب… ربي
مأواي اذا ضاقت بي الارض
وسفينتي اذا اضطربت الريح.
الحب …وطن
لبنانيا الواقف
على حافة الانكسار
كقديس ينهض من رماده.
ألحب… أمي
كلمة تنبض بالحياة
تفور على شفتي
كأنها دعاء قديم
يتناثر منها الحنين
دفئا لا يخبو.
هو أبي…
أكليل العنفوان
وسنديان الروح
الذي لا تهزه العواصف.
َألحب… أنت
توأمي
رفيقي في ليالي السهاد
سنبلة خضراء
في أرض عطشى
ماء ينزل بلطف
يطوي مسافات الفراق
كما يطوي النور ظلاله.
هو نسمة عشق
في صحراء الإنتظار
تلهب قلب المشتاق
وتسقي جراح الحنين.
هو نفحة عطر
أنهار سرية تجري في الفؤاد
تسقي روافده
فتخضر المروج
وتتسلق الدوالي
عناقيد الشوق
كأنها صلاة تصعد.
الحب… وشم
على جبين الانسانية
أثر من نور
لا يمحوه الزمن.
الحب…
نافذة تفتحها السماء
حين يضيق بنا الدرب
وترتجف في صدورنا
ابواب اليقين.
هو وعد
يهبط كالغيث على ارواح عطشى
ويقيم فينا
محرابا من سكينة
نصلي فيه
لأحلام لم تولد بعد.
الحب… ..
ذلك الضوء
الذي لا ينطفئ
وان أطفأت الدنيا مصابيحها
وتلك اليد
التي ترفعنا
حين نظن اننا سقطنا الى الابد
كأنها يد الله
تمسح على قلوبنا
فتعود تنبض
من جديد.
ألحب وعد…وعهد
.ووفاء …
——————————————————
في هذا النصّ لا يدخل الحبّ بوصفه عاطفةً عابرة، بل يتسرّب ككائنٍ نورانيّ من شقوق الغيب، كأنّه سرٌّ أفلت من قبضة المطلق ليقيم في هشاشة الإنسان. هنا لا تكون الكلمة وعاءً للمعنى، بل يصبح المعنى وطناً للكلمة. الحبّ في هذا البناء ليس شعوراً، بل “أثرُ نورٍ” على جبين الكينونة؛ أثرٌ يقاوم المحو، كما تقاوم السنابل ريح القيظ.
النصّ يتحرّك بين الأرض والسماء، بين الأمّ والوطن، بين الله والحبيب، في شبكة دلاليّة تجعل الحبّ علامةً كبرى تتكاثر منها العلامات، كما تتشعّب الأنهار من نبعٍ سرّي. إنّه نصّ يُؤنسن المطلق ويُقدّس الإنساني، في انزياحٍ يخلخل الحدود بين المقدّس واليوميّ، ويحوّل العاطفة إلى نظامٍ رمزيّ تتجاور فيه الأيقونة (الصورة)، والمؤشّر (الأثر)، والرمز (المعنى المتجاوز).
أولاً: العنوان بوصفه عتبة سيميائيّة
“الحب… تجلّى من سرّ الله” تركيب يزاوج بين الدالّ الدينيّ والدالّ الوجدانيّ. كلمة “تجلّى” تحيل إلى حقلٍ صوفيّ، حيث التجلي هو انكشاف الحضور الإلهيّ في المرآة الإنسانيّة. أمّا “سرّ الله” فترفع الحبّ من مستوى الانفعال إلى مستوى الاصطفاء.
بهذا المعنى، العنوان ليس إخباراً بل تأسيساً لنظام قراءة: الحبّ علامةٌ عليا، مصدرها غيبيّ، وتجسّدها بشريّ.
ثانياً: البنية الدلاليّة – الحبّ كعلامة كبرى
يمكن قراءة النصّ وفق نظام العلامات الثلاثة (الأيقونة، المؤشّر، الرمز):
1. الحبّ أيقونة نور
يتكرّر حقل الضوء: “نور خفي”، “قنديل”، “ضوء”، “مصابيح”، “أثر من نور”. الصورة هنا ليست زخرفاً بل أداة دلاليّة؛ فالضوء أيقونة الهداية والحياة. حين تقول الشاعرة:
“كأنها يد الله تمسح على قلوبنا”
فإنها تنقل الحبّ من مجرّد شعور إلى فعل عناية إلهيّة.
2. الحبّ مؤشّر حياة وتجدد
مفردات الربيع، الندى، السنابل، المروج، الدوالي، العناقيد، كلّها مؤشّرات على الخصب. هذه العلامات لا تدلّ على الطبيعة بقدر ما تشير إلى تجدّد الروح. الطبيعة هنا جهاز إسقاط رمزيّ: الخارج مرآة الداخل.
3. الحبّ رمز هوية ووجود
في مقاطع “الحب… ربي”، “الحب… أمي”، “هو أبي”، “الحب… وطن”، يتحوّل الحبّ إلى رمزٍ جامعٍ للهويّة. إنّه البنية العميقة التي تنتظم بها العلاقات كلّها. الوطن “لبنانيّاً الواقف على حافة الانكسار” يُستعاد عبر الحبّ بوصفه قدرة على القيامة “كقديس ينهض من رماده”. هنا تتقاطع الدلالة الوطنيّة مع الرمز الفدائيّ، فيحمل النصّ بعداً وجوديّاً يتجاوز الذاتيّ.
ثالثاً: الحقول المعجميّة وبنية التكرار
التكرار اللافت لكلمة “الحب…” متبوعاً بنقاط الحذف، يشكّل علامةً سيميائيّة في ذاته. الحذف ليس فراغاً بل فسحة تأويل. كلّ مرّة يُذكر فيها “الحب…” يفتح النصّ أفقاً جديداً:
• الحبّ كإلهام
• الحبّ كأمّ
• الحبّ كأب
• الحبّ كوطن
• الحبّ كحبيب
هذا التوسّع التدريجيّ يشي ببنية تصاعديّة تجعل الحبّ مركز الدائرة، وكلّ العلاقات مداراتٍ تدور حوله.
رابعاً: الانزياح وبناء القداسة
الانزياح اللغويّ يتجلّى في نقل صفاتٍ إلهيّة إلى الحبّ:
“نافذة تفتحها السماء”،
“يد ترفعنا”،
“محراب من سكينة”.
هنا تتحوّل الاستعارة إلى آليّة تقديس؛ فالحبّ ليس موضوعاً، بل فاعل خلاص. النصّ يُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمطلق عبر وسيطٍ عاطفيّ. وهذا يقرّبه من النزعة الصوفيّة التي ترى في الحبّ طريقاً للمعرفة.
خامساً: البعد الفلسفيّ – الحبّ كأنطولوجيا
النصّ لا يكتفي بوصف الحبّ، بل يقدّمه كأساس للكينونة. حين تقول:
“وعد… وعهد… ووفاء”
فهي تختزل الحبّ في ثلاثيّة أخلاقيّة تؤسّس للوجود الاجتماعيّ. الحبّ هنا ليس إحساساً، بل ميثاق وجود.
بهذا المعنى، النصّ يشتغل على فكرة أن الإنسان لا يُعرَّف بوعيه فقط، بل بقدرته على الحبّ. الحبّ يصبح جوهر الكينونة، لا عارضاً عليها.
سادساً: البنية الإيقاعيّة والدلاليّة
النصّ يعتمد جُملاً قصيرة متتابعة، أشبه بأنفاس متقطّعة في حضرة المعنى. هذا التقطيع يعزّز البعد التأمّليّ، ويجعل كلّ صورة وحدةً دلاليّة قائمة بذاتها. كما أنّ تكرار “هو” و“الحب…” يمنح النصّ إيقاعاً إنشادياً، قريباً من الخطاب الدعائيّ أو التأمّل الروحيّ.
خاتمة
هذا النص محاولة لتشييد كاتدرائيّة رمزيّة تقوم أعمدتها من نورٍ وندى وذاكرة. الحبّ فيه ليس زهرةً على هامش الحياة، بل الجذر الذي يمسك الأرض كي لا تسقط في العتمة. إنّه الوشم الذي يحفظ ملامح الإنسان حين يبهت الزمن، والمحراب الذي نصلي فيه لأحلامٍ لم تولد بعد.
في هذا الأفق، يتحوّل الحبّ إلى علامةٍ كونيّة، تتجاوز الفرديّ لتلامس المطلق، وتغدو الكتابة نفسها فعلاً من أفعال التجلّي؛ إذ الكلمة هنا لا تصف الحبّ، بل تُمارسه. وهكذا يغدو النصّ مساحة عبور بين الأرض والسماء، بين الرماد والقيامة، بين الإنسان وسرّه الأوّل.

















