شظايا الروح في مرآة الومضة….
قراءة في ديوان” ظل النبض الأخير ” لـ مريم كدر
لا تُقرأ الومضة في هذا الديوان بوصفها نصًا قصيرًا فحسب بل بوصفها لحظة انهيار مكتملة.
فكل ومضة تشبه شقًّا في جدار الروح أو أثر ارتطام بين الذات والعالم حيث تتقاطع المرأة والذاكرة، والوطن، والحب، والزمن في مساحة لغوية شديدة التكثيف.
ديوان” ظل النبض الأخير “لا يراهن على السرد ولا على التطويل بل على الضربة النفسية الخاطفة وعلى الصورة التي تفتح جرحًا بدل أن تزيّنه.
من هنا تأتي هذه القراءة محاولة لدمج البنية النفسية والجمالية والدلالية والرمزية في نسيج نقدي واحد يكشف عمق التجربة ووحدتها الداخلية.
أولًا_البنية النفسية : الومضة كمرآة لروح ممزّقة
1. المرأة الجريحة: هشاشة تتغذّى من الألم
تظهر المرأة في الديوان ككائن يتشكّل من الجرح ذاته.
هي ليست ضحية سكونية بل ذاتٌ تتعلّم القسوة من الألم وتشيخ نفسيًا قبل أوانها:
*خشي أن يفقدها فحطم آمالها وتركها رماد امرأة.* (20)
*اغتال طفولتها بخنجر قسوته فشاخت قبل الأوان.* (21)
القسوة هنا لا تهزم المرأة لكنها تستنزفها ببطء فتتحوّل الومضة إلى وثيقة تشريح نفسي لا إلى شكوى عاطفية.
2. الذاكرة كقيد وعقاب
الذاكرة في هذا الديوان ليست استدعاءً رومانسيًا بل كائن مفترس:
*كلما حاولت تقليم أظافر الذكريات نبت لها مخالب جديدة.* (121)
*ظلت ذكرياته هاجعة في ثنايا الذاكرة كوحش يشحذ مخالبه.* (119)
تتحوّل الذاكرة إلى:
وحش
مخالب
صوت يوقظ الألم كل صباح
وهي بذلك تمارس دور السجّان، لا دور الحارس.
3. الغربة كجرح وجودي
الغربة في الديوان ليست مكانًا جغرافيًا بل حالة اقتلاع داخلي:
*حزمت حقيبتها وقررت العودة، لكنها تذكرت أنه لم يعد لها مكان في وطنها.* (28)
هنا تفقد الذات انتماءها المزدوج: لا الوطن يحتضنها ولا الغربة تمنحها بديلًا.
ثانيًا_ البنية الجمالية : التكثيف، المفارقة، والصورة
1. التكثيف اللغوي
تعتمد الومضة على اقتصاد لغوي صارم حيث تتحوّل الكلمة إلى شحنة نفسية:
*بدأت تكتب فسالت دموع الورق.* (56)
الصورة لا تصف بل تتجسّد فيتحوّل الورق إلى جسد والكتابة إلى نزف.
2. المفارقة الصادمة (القفل الشعري)
القفل المفاجئ هو العمود الفقري للومضة:
*أمسكت بأوراقها البيضاء… صار لون الصفحة أحمر.* (26)
المفارقة هنا لا تُدهش فقط بل تعيد كتابة النص في لحظة واحدة وتمنحه أثره الصادم.
3. الصورة الحسية
تحوّل الشاعرة المجرّد إلى محسوس:
*أزهر قلبها عندما فتح فيه نافذة للضوء.* (101)
الصورة ليست زينة بل أداة كشف تعيد للمعنى جسده.
ثالثًا_ البنية الرمزية : شبكة دلالية متماسكة
1. القلب: رمز الذات الممزّقة
القلب في الديوان يتحوّل إلى:
مدينة
زهرة
باب مغلق
نبض متوقف
*صار قلبها مدينة تغلق أبوابها على آلاف الأسئلة.* (145)
إنه رمز للذات التي انهارت داخليا قبل أن تسقط خارجيا.
2. الضوء والظلام
ثنائية مركزية تعبّر عن الأمل والخذلان معا:
*عندما لامس الضوء جدران روحه أدرك أن العتمة لم تكن عدوا.* (96)
الضوء هنا لحظة وعي لا خلاصا دائما.
3. الورق والكتابة
الكتابة فعل نجاة لا فعل ترف:
*لأضمن بقاءك أكتبك في دفاتري لأن الأوراق لا يمكنها الرحيل.* (142)
الورق يصبح ذاكرة بديلة عن الغائب.
4. الطفولة والوطن
الطفولة والوطن يشتركان في المصير نفسه: الفقد.
*اغتال طفولتها…*(21)
*صار أطفاله يرسمون صورة العلم يوم عاد إليهم ملفوفا به.* (22)
كلاهما فردوس مسلوب.
رابعا_ الثيمات الكبرى في الديوان
الانكسار الأنثوي: هشاشة الجسد وصلابة الروح
الغربة: فقدان الهوية لا المكان
الذاكرة: سجن نفسي
الحب: خلاص مؤقت لا يدوم
الزمن: قوة ساحقة تلتهم الأحلام
ختاما..
ديوان مريم كدر لا يكتب الومضة بوصفها شكلًا أدبيًا، بل بوصفها شظية من روحٍ مكسورة.
كل نص قصير يحمل:
جرحًا
رمزًا
مفارقة
سؤالًا وجوديًا
إنه ديوان يكتب المرأة، والوطن والذاكرة في لحظة انهيار لكنه لا يخلو من ومضات ضوء خجولة كأن الشاعرة تهمس:
حتى في العتمة
هناك دائما ظلّ لنبض أخير.
اتمنى للشاعرة المبدعة مريم كدر كل التوفيق والمزيد من الإبداع والتألق.. …

















