برعايةِ رئيسِ ملتقى الشعراء العرب الدكتور ناصر رمضان، جرت مناقشة ديوان «ترتيلة المطر الأخير» للشاعرة مايا يوسف في أمسيةٍ كان الحرفُ فيها غيمةً تتأهّب للبوح.
تشرفتُ بالمشاركة عبر قراءةٍ سيميائية لقصيدة العنوان، متتبعةً إشارات المطر بوصفه رمزًا للتطهّر والتحوّل، و«الأخير» كعتبةٍ فلسفية بين أفولٍ وبداية. كانت لحظةً كشفٍ، حيث تحوّل النص إلى مرآةٍ للمعنى، والمطر إلى لغةٍ تتجاوز حدود الماء
“عتبات البلل الأول ”
مقاربة سيميائيّة في قصيدة “ترتيلة المطر القديم” للشاعرة الفنانة مايا يوسف
بقلم الكتو زبيدة الفول.
كعصافير الصباح
أهمس بين شفتيك
لعلك تستيقظ
أو توقظ سكون شمسي،
ما لروحك تهمس
شقية بين أضلعي
تغمرني كطفلة
و تحضن حنين الشوق
أيا قلباً لونه الربيع في كربته
ويا وهجاً
يصادقه قمر الصيف
احملني أسطورة
على كتفيك
ارسمني
اكتبني
ثم البسني
عباءتك المدللة
شاركني خطاياك
و اهدم أسوار مدينتك،
قابلني داخل
أسطر السنين
و لا ترحل
كعاشق نادم
ثم تكتب نهايتك
بقبلك الحميمية،
لا تلعب داخل
ميدان السهر
ثم تقترب لترتل
داخل معبد شهوتك
لتسرق زهوتي الروحية
احرق معابر
جنونك بعيداً عني
أقبل على شفاه الحياة
من دون إذني
لا تتلمسني بأصابعك
كظلام الليل
بل انحن فوق رأسي
اسكب نشوة صوتك
ارفع و جهك
نحو السماء
و اهرب إلى ضباب ظنونك،
إعلم أنك ما جئت
لتنقذني بل هو غرور
قصائدك و شكوى
حكاياتك جاءك لينقذك،
إعلم أن ملامح البشر
و انهزامات القلب و عبق المطر
هز شرودك فلحنت نغماتي،
ما كل قبلة تلمع،
أهدئ جنونك
و سامح سكوتي،
ثم ضع سريرك
قرب أناملي لأعزف
أفكارك و أهذي تحت كأس خمرك،
أجدل ضفائر غزلك
على رقبتي
فأنت لا تزال طفلي
و حاضن أمتعتي،
يا سامعاً
رذاذ حروفي
لا تركض خلف
وجوه باهتة
واعلم أن ما كان قبلك
وما سيأتي بعدك
مجرد ظلال تعبر العمر
ولا تعرف كيف
تقفز فوق الحواجز،
فاستيقظ
يا عاشق السكون
وأيقظ معي رغباتي
حين قررت أن أسلبك
بعضا من مراكبك
كان لكي نبحر معا
لكن
ما زال شراعك
غير مكتمل
و مقود البحار
يهتز بجنون
حتى من دون عواصف.
————————————
حين يهطل المطر في اللغة، لا يكون ماءً فحسب، بل ذاكرةً تمشي على أطراف الحروف. في “ترتيلة المطر القديم” يتقدّم النصّ كغيمةٍ تعي تاريخها، وتعرف أن البلل ليس سوى استعارةٍ للانبعاث. العنوان نفسه عتبةٌ سيميائيّة: “ترتيلة” تُحيل إلى الطقس والإنشاد والقداسة، و“المطر القديم” يُحيل إلى زمنٍ متراكمٍ في الوجدان، كأنّ البلل هنا أقدم من الغيم، وأسبق من السماء.
نحن أمام قصيدةٍ تُقيم في تخوم الرغبة والروح، حيث القبلةُ علامة، والبحرُ استعارة، والمدينةُ جسدٌ تُهدم أسواره ليُعاد بناؤه بالمعنى. إنها كتابةٌ تُصغي إلى همس العصافير في الفجر، وتجادل ظلام الليل دون أن تستعير منه عماه؛ كتابةٌ تنحني لتقطف الرمز، ثم تُعلّقه قنديلاً على جبهة التأويل.
أولاً: العتبة النصيّة وبنية العنوان
وفق التصوّر السيميائي، العنوان علامةٌ موازية للنصّ، تؤسّس أفق التوقّع. “ترتيلة المطر القديم” يجمع بين حقلين دلاليّين:
• حقل الطقس/القداسة: ترتيلة، معبد، تراتيل، نشوة الصوت.
• حقل الطبيعة/الديمومة: مطر، ربيع، قمر الصيف، ضباب، بحر، شراع.
هذا التداخل يؤسّس ثنائيّة (المقدّس/الحسّي)، وهي ثنائيّة تُدير حركة القصيدة كلّها. المطر “قديم”، أي أنّ الرغبة ليست وليدة لحظة؛ إنّها رغبةٌ ذات جذور، ذاكرةُ جسدٍ وروح.
ثانياً: شبكة العلامات (الطبيعة بوصفها جسداً)
القصيدة تُكثّف الطبيعة كمعجمٍ دلاليّ:
• العصافير/الصباح: بداية، يقظة، إمكان.
• الربيع: تجدّد القلب في كربته (تضادّ بين الربيع/الكربة).
• قمر الصيف: ضوءٌ حميم، لا برودة فيه.
• البحر/الشراع/المقود: مسار العلاقة، قلق التوجيه، اهتزاز القيادة.
سيميائيّاً، تتحوّل هذه العناصر إلى علامات إسقاطيّة: البحر ليس بحراً، بل علاقة؛ الشراع ليس قماشاً، بل اكتمال نضج؛ العاصفة ليست ريحاً، بل اضطراب رغبة.
النصّ يبني دلالته عبر هذه الإحالات، بحيث يصبح الخارج الطبيعي مرآةً لداخلٍ عاطفيّ.
ثالثاً: جدليّة الجسد والروح
يتحرّك النصّ على حافة التوتّر بين:
• المقدّس: ترتيل، معبد، نشوة روحيّة.
• الحسّي: قبلة، شفاه، أصابع، سرير، كأس.
غير أنّ الشاعرة لا تسقط في ثنائيّةٍ صراعيّة، بل تصوغ انزياحاً دلاليّاً: الحسّي يُطلب لكن بشروط الروح؛ الجسد يُستدعى لكن لا يُختزل.
قولها: “لا تتلمسني بأصابعك كظلام الليل” يحمّل اللمس قيمةً أخلاقيّة؛ الظلام هنا علامة على التملّك الأعمى. وفي المقابل، “انحنِ فوق رأسي” يقدّم صورة الانحناء كعلامة احترام لا شهوة.
القبلة، في هذا السياق، ليست فعلاً بيولوجيّاً، بل علامة اختبار: “ما كل قبلة تلمع”. اللمعان هنا قيمةٌ سيميائيّة تقيس صدق العلامة.
رابعاً: المدينة والبحر: هندسة العلاقة
المدينة في النصّ ليست مكاناً، بل نظاماً من الأسوار.
“اهدم أسوار مدينتك” دعوةٌ لتفكيك البُنى الدفاعيّة للنفس.
سيميائيّاً، السور = الحماية/الخوف، والهدم = تعرية/ثقة.
أما البحر، فبنيته حركيّة:
• “مراكبك”
• “نبحر معاً”
• “شراعك غير مكتمل”
• “مقود البحار يهتز”
هذه سلسلة علامات تُحيل إلى عدم توازن القيادة. العلاقة ممكنة (الإبحار)، لكن أدواتها ناقصة (شراع غير مكتمل)، لذلك يهتزّ المقود حتى بلا عواصف.
العاصفة هنا ليست خارجية؛ الاضطراب داخليّ، علامة خلل في الوعي لا في الظروف.
خامساً: الضمائر وبنية الخطاب
القصيدة تقوم على خطاب مباشر: “أحملني”، “ارسمْني”، “اهدمْ”، “لا تلعبْ”.
الأفعال الأمرية تُشيّد علاقة قوّة معكوسة؛ المتكلّمة تبدو طالبة، لكنها في العمق مؤسِّسة للشروط.
تقول: “اعلم أنك ما جئت لتنقذني…” فتقلب سرديّة المنقذ/المنقَذ.
هنا تتجلّى سيميائيّة السلطة: القصيدة تفضح وهم البطولة الذكورية، وتُعيد تعريف الإنقاذ بوصفه خلاصاً ذاتيّاً.
سادساً: الرمز المركزي – المطر بوصفه ذاكرة
لماذا “المطر القديم”؟
المطر في التراث علامة تطهير وخصب. لكن قِدمه يوحي بأنّ التجربة ليست طارئة.
القصيدة، في بنيتها العميقة، ليست عن لقاءٍ عابر، بل عن تاريخٍ عاطفيّ يعيد نفسه. المطر القديم يهطل من جديد، لكن الوعي تغيّر.
إنه نصّ عن النضج:
الطفل/العاشق،
الشهوة/الترتيل،
المدينة/الهدم،
البحر/الاهتزاز.
كل ثنائيّة تُفضي إلى سؤال الهوية: هل نُبحر لأننا نملك الشراع، أم لأننا نتوهّم الريح؟
خاتمة
“ترتيلة المطر القديم” ليست قصيدة غزلٍ تقليديّ، بل نصٌّ يؤسّس معبده الخاص داخل الجسد، ويُعلّق على جدرانه مرايا البحر. المطر فيها ليس ماءً، بل ذاكرةٌ تمشي على أصابع الشوق؛ والقبلة ليست لذّةً، بل علامةَ صدقٍ تُختبر تحت ضوء القمر.
تنجح الشاعرة مايا يوسف في بناء فضاءٍ رمزيّ تتجاور فيه الأسوار والأشرعة، المدينة والبحر، الرغبة واليقظة. النصّ ينهض على انزياحاتٍ دلاليّة تُحرّر الحسّ من ابتذاله، وتُعيد الروح إلى مركز التجربة.
إنه مطرٌ قديم… لكن البلل فيه جديد؛ لأنّ اللغة حين تُرتّل، لا تكرّر سقوطها، بل تبتكر سماءها



















