الِاسْمُ: مَانِيسَا فِرَاسُ الْمَعْدَرَانِي
اسْمُ الْأُمِّ: صَفَاءُ الْمَيْسِ
رَقْمُ السِّجِلِّ: ١٣
الْقَرْيَةُ: الدَّلْهَمِيَّةُ
رَقْمُ الْهَاتِفِ: ٧١٧٤١١٠٣
الصَّفُّ: الثَّامِنُ الأَسَاسِيُّ
الْمَدْرَسَةُ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ
مِنْ رَحِمِ الأَلَمِ وَالْفَقْدِ… يُولَدُ الْحُلْمُ
زياد تلِمِيذٌ لُبْنَانِيٌّ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ، يَعِيشُ فِي أَحَدِ أَحْيَاءِ بَيْرُوتَ الْقَدِيمَةِ مَعَ أُسْرَتِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي شَكَّلَتْ عَالَمَهُ الأَجْمَلَ. كَانَ بَيْتُهُمُ الْمُتَوَاضِعُ يَجْمَعُ وَالِدَيْهِ وَأُخْتَهُ الصَّغِيرَةَ وَجَدَّتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، وَقَدِ امْتَلَأَتْ أَيَّامُهُ بِدِفْءِ الْعَائِلَةِ وَضَحِكَاتِ الْمَسَاءِ. طِفْلٌ مُحِبٌّ لِلْحَيَاةِ، يَنْهَضُ بَاكِرًا كُلَّ يَوْمٍ، يَتَأَمَّلُ شَوَارِعَ بَيْرُوتَ الَّتِي تَعُجُّ بِالْحَيَاةِ.
هُدُوءٌ وَاسْتِقْرَارٌ حَتَّى صَبَاحٍ مِنْ صَبَاحَاتِ تَمُّوزَ، ذَلِكَ الصَّبَاحُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ، إِذْ بَدَأَ عَادِيًّا، إِلَى أَنْ تَغَيَّرَتِ السَّمَاءُ، وَانْشَقَّ الْهُدُوءُ، وَظَهَرَتِ الطَّائِرَاتُ الْحَرْبِيَّةُ فِي أَرْجَاءِ الْمَدِينَةِ. دَوَّى الْقَصْفُ عَلَى بَيْرُوتَ، وَاهْتَزَّ الْبَيْتُ وَكَأَنَّهُ فَقَدَ تَوَازُنَهُ. لَمْ يَفْهَمْ زِيَادٌ مَا يَجْرِي، رَكَضَ نَحْوَ أُمِّهِ، وَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا بِالضَّوْءِ يَضْرِبُ الْجُدْرَانَ، ثُمَّ انْطَفَأَ كُلُّ شَيْءٍ.
عِنْدَمَا فَتَحَ زِيَادٌ عَيْنَيْهِ، لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ بَيْتِهِ، وَلَا دِفْءَ غُرْفَتِهِ، وَلَا أَصْوَاتَ عَائِلَتِهِ. وَوَجَدَ رَائِحَةَ الدَّوَاءِ وَأَصْوَاتَ الْأَجْهِزَةِ تَمْلَأُ الْغُرْفَةَ. كَانَ الْهَوَاءُ ثَقِيلًا جِدًّا، وَبَيْنَ أَنْفَاسِهِ الْمُتَقَطِّعَةِ دَخَلَ الطَّبِيبُ مَعَ جَدَّتِهِ. كَانَتْ تَرْتَجِفُ، تُحَاوِلُ أَنْ تَبْتَسِمَ كَيْ لَا تُرْعِبَهُ، لَكِنَّ شَفَتَيْهَا لَمْ تُطَاوِعَاهَا. قَالَ الطَّبِيبُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لَكِنَّهُ يُشْبِهُ سُقُوطَ جِدَارٍ كَامِلٍ فَوْقَ قَلْبِ طِفْلٍ: «زِيَاد… عَائِلَتُكَ…» ثُمَّ تَوَقَّفَ. لَمْ يُكْمِلْ. لَمْ يَسْتَطِعْ. وَبَقِيَ الصَّمْتُ يَمْلَأُ الْغُرْفَةَ حَتَّى ظَنَّ زِيَادٌ أَنَّهُ يَخْتَنِقُ مَعَهُ. نَظَرَ إِلَى جَدَّتِهِ مُتَوَسِّلًا بِعَيْنَيْنِ تَسْتَنْجِدَانِ: «وَيْنْ مَامَا؟ وَيْنْ بَابَا؟ وَيْنْ إِخْتِي؟» لَكِنَّ جَدَّتَهُ لَمْ تُجِبْ. كُلُّ مَا اسْتَطَاعَتْ فِعْلَهُ أَنْ تَجْلِسَ قُرْبَهُ، وَتَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى صَدْرِهَا. حِينَئِذٍ فَهِمَ. لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ الْجُمْلَةَ، لَكِنَّهُ سَمِعَهَا كَامِلَةً دَاخِلَ قَلْبِهِ: «مَا عَادَ فِي حَدَا… كُلُّهُنَّ رَاحُوا». صَرَخَ صَرْخَةً صَغِيرَةً، وَلَكِنَّهَا وَاسِعَةٌ، مَمْلُوءَةٌ بِالْخَوْفِ وَالْفَقْدِ وَالْغَضَبِ وَالظَّلَامِ.
حَاوَلَ أَنْ يَنْهَضَ، لَكِنَّهُ سَقَطَ. حَاوَلَ أَنْ يَصْفَعَ السَّرِيرَ بِذِرَاعَيْهِ، لَكِنَّ الْهَوَاءَ كَانَ الشَّيْءَ الْوَحِيدَ الَّذِي تَحَرَّكَ أَمَامَهُ. لَمْ يَجِدْ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَاذَا يُسَمِّي هَذَا الْأَلَمَ الَّذِي يَعْلُو فَوْقَ كُلِّ أَلَمٍ. بَكَى… وَبَكَى… حَتَّى جَفَّتِ الدُّمُوعُ. تِلْكَ اللَّحْظَةُ لَمْ تَكْبُرْ مَعَهُ فَقَطْ، بَلْ زَرَعَتْ دَاخِلَهُ نُدْبَةً لَا تُـمْحَى، وَضَجِيجًا لَا يَنَامُ.
عَادَ مَعَ جَدَّتِهِ إِلَى بَيْتٍ أَقَلَّ ضَوْءًا وَأَكْثَرَ هُدُوءًا مِنَ السَّابِقِ. رِحْلَتُهُ الْجَدِيدَةُ لَمْ تَكُنْ سَهْلَةً. فِي الْمَدْرَسَةِ، لَمْ يَنْسَ زُمَلَاؤُهُ قَسْوَةَ الْحَرْبِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَمْنَعْهُمْ مِنَ التَّنَمُّرِ عَلَيْهِ. أَصْبَحَ يَسْمَعُ كَلِمَاتٍ جَارِحَةً: «شُو بَدُّهُ يَعْمَلْ بِالْمَدْرَسَةِ بِلَا إِيدَيْن؟ لَيْشْ بَعْدُهُ عَمْ يِجِي؟» وَكَانَ يَعُودُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْبَيْتِ، وَفِي صَدْرِهِ سُؤَالٌ مُوجِعٌ: «لَيْشْ أَنَا؟ لَيْشْ بَقِيتْ لَوَحْدِي؟» لَمْ تَكُنْ قَدَمَاهُ تَحْمِلَانِهِ فَقَطْ، بَلْ تَحْمِلَانِ كُلَّ مَا فَقَدَهُ. وَفِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، كَانَتْ جَدَّتُهُ تُحَاوِلُ أَنْ تَكُونَ يَدَيْنِ جَدِيدَتَيْنِ لَهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ. تَجْلِسُ قُرْبَهُ كُلَّ مَسَاءٍ، تَمْسَحُ عَلَى شَعْرِهِ، وَتَقُولُ لَهُ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ حَنَانَ أُمِّهِ الَّتِي رَحَلَتْ: «يَا زِيَاد، إِنْتَ مَا خُلِقْتْ لِتَنْكَسِر. يُمْكِنْ خَسِرْتْ كْتِير، بَسْ اللَّهُ عَطَاكَ قَلْبْ مَا حَدَا بِيِمْلِكُه. النَّاسْ إِلِّي بِيِتْأَلَّمُوا كْتِير، هِنِّي إِلِّي بِيِخْلُقُوا ضَوّ لِلْعَالَم. قُومْ يَا ابْنِي، قُومْ وَوَقِّفْ مِشَانَكْ وَمِشَانَ «اللِّي رَاحُوا»».
وَمِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَدَأَ شَيْءٌ مَا يَتَحَرَّكُ دَاخِلَ زِيَادٍ، شَيْءٌ يُشْبِهُ شَرَارَةً صَغِيرَةً تَهْرُبُ مِنْ تَحْتِ الرَّمَادِ. الْكَلِمَاتُ الَّتِي قَالَتْهَا جَدَّتُهُ ظَلَّتْ تَتَرَدَّدُ فِي رَأْسِهِ، كَأَنَّهَا الْيَدُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي امْتَدَّتْ إِلَيْهِ فِي الظَّلَامِ. اسْتَيْقَظَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَنَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا مَا عِنْدِي إِيدَيْن، رَحْ إِصْنَعْ لِنَفْسِي طَرِيقْ غَيْر». بَدَأَ يَتَدَرَّبُ عَلَى الْكِتَابَةِ بِأَصَابِعِ قَدَمَيْهِ، يَكْتُبُ كُلَّ حَرْفٍ عَشَرَاتِ الْمَرَّاتِ يَوْمِيًّا، حَتَّى أَتْقَنَ الْكِتَابَةَ بِقَدَمَيْهِ. تَعَلَّمَ الرَّسْمَ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، وَبَاتَتْ قَدَمَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِرَشَاقَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ. وَحِينَ سَمِعَ عَنْ مُسَابَقَةٍ لِلرَّسْمِ، لَمْ يُفَكِّرْ مَرَّتَيْنِ. قَدَّمَ لَوْحَةً تَحْكِي مَدِينَتَهُ وَبَيْتَهُ الَّذَيْنِ لَمْ يَعُودَا مَوْجُودَيْنِ. لَمْ يَتَوَقَّعْ أَحَدٌ فَوْزَهُ، لَكِنَّ اللَّوْحَةَ كَانَتْ صَادِقَةً بِطَرِيقَةٍ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهَا. فَازَ بِالْجَائِزَةِ الْأُولَى، وَاسْتَخْدَمَ الْمَالَ الَّذِي فَازَ بِهِ لِيُكْمِلَ دِرَاسَتَهُ.
سَنَوَاتٌ مَرَّتْ وَهُوَ يُكَافِحُ، يَنْجَحُ، يَتَعَثَّرُ، ثُمَّ يَقِفُ مِنْ جَدِيدٍ. فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، كَانَ يَنْظُرُ إِلَى السَّقْفِ، يَتَذَكَّرُ أَهْلَهُ وَيُقْسِمُ فِي دَاخِلِهِ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ فَقْدَهُمْ مَعْنًى، لَا وَجَعًا فَقَطْ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُصْبِحَ طَبِيبًا، بَلْ أَرَادَ أَنْ يُصْبِحَ السَّبَبَ فِي أَلَّا يَعِيشَ طِفْلٌ آخَرُ مَا عَاشَهُ هُوَ. اخْتَارَ تَخَصُّصَ الْهِنْدَسَةِ الطِّبِّيَّةِ الْحَيَوِيَّةِ، حَيْثُ يُمْكِنُ لِلْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ الْيَدَ، وَلِلْفِكْرَةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى حَيَاةٍ.
خِلَالَ تَخَصُّصِهِ، تَعَلَّمَ كَيْفَ يَفْهَمُ لُغَةَ الْجَسَدِ مِنَ الدَّاخِلِ، وَكَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْإِشَارَاتُ الْعَصَبِيَّةُ إِلَى حَرَكَةٍ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلتِّكْنُولُوجْيَا أَنْ تُصْغِيَ إِلَى مَا يَقُولُهُ الْجَسَدُ بِصَمْتٍ. كَانَ يَكْتُبُ وَيُصَمِّمُ بِقَدَمَيْهِ، وَيَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي الْبَحْثِ وَالتَّجْرِبَةِ، مُتَعَاوِنًا مَعَ أَطِبَّاءَ وَبَاحِثِينَ؛ فَكَانَ هُوَ الْعَقْلَ الَّذِي يَبْتَكِرُ، وَهُمْ الْأَيْدِيَ الَّتِي تُطَبِّقُ. وَمَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، نَجَحَ زِيَادٌ فِي ابْتِكَارِ أَطْرَافٍ إِلِكْتُرُونِيَّةٍ ذَكِيَّةٍ تَتَجَاوَبُ مَعَ إِشَارَاتِ الْجِسْمِ الْعَصَبِيَّةِ، فَتَتَحَرَّكُ كَأَنَّهَا جُزْءٌ حَيٌّ مِنْهُ، لَا مُجَرَّدَ آلَةٍ. أَصْبَحَتِ ابْتِكَارَاتُهُ تَنْتَقِلُ مِنْ مُؤْتَمَرٍ إِلَى آخَرَ، وَمِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، وَكُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ، ذُكِرَ مَعَهُ لُبْنَانُ.
كَانَتْ إِرَادَةُ زِيَادٍ هِيَ الْيَدَ الَّتِي لَمْ تَرْتَجِفْ أَبَدًا، وَكَانَتْ جَدَّتُهُ الْقَلْبَ الَّذِي أَعَادَ تَشْكِيلَ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ، وَمَعًا حَوَّلَا الْفَقْدَ إِلَى دَرْبٍ يَمْتَلِئُ بِالضَّوْءِ. لَمْ يَكُنْ وُصُولُهُ صُدْفَةً، بَلْ ثَمَرَةَ إِصْرَارٍ لَا يَنْحَنِي، وَحُبٍّ صَامِتٍ يَحْرُسُهُ مِنَ الْانْطِفَاءِ. وَهَكَذَا، صَارَ طَرِيقُهُ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْهَضَ مِنْ تَحْتِ الرَّمَادِ، وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ الَّتِي تَحْتَرِقُ لَا تَنْتَهِي، بَلْ تُضِيءُ لِمَنْ يَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ أَنْ يُكْمِلَ.
فَمِنْ رَحِمِ الْفَقْدِ وَالْأَلَمِ… وُلِدَ الْحُلْمُ، وَتَحَقَّقَ الْغَدُ الْأَفْضَلُ
—
الطالبة الفائزة بالمرتبة الأولى في مسابقة كتابة القصة القصيرة التي أعدّتها مؤسسة دارنا معلمو الغد الأفضل
.

















