رنة اللوحة وزفير التحرر للفنان حمزة جعيدي بقلم فوزية جعيدي

“رنة اللوحة وزفير التحرر” للفنان حمزة جعيدي
بقلم: فوزية جعيدي
في حضرة العمل الفني للفنان حمزة جعيدي، نجد أنفسنا أمام “أنطولوجيا” بصرية تتجاوز التجريد التقليدي لتغوص في بيولوجيا النفس البشرية. اللوحة، بتكوينها المركزي المزدحم وخلفيتها الحمراء الصاخبة، لا تقدم شكلاً هندسياً بقدر ما تقدم “عضوا حيويا” ينبض على القماش. الإمعان في تفاصيل التكوين يفرض علينا قراءة أكثر وجودية: اللوحة كـ “رئة” تشكيلية.
التنفس كفعل مقاومة
تمثل الرئة في مخيالنا السيكولوجي جسر العبور الوحيد بين الذات والعالم؛ هي العضو الذي يمتص الفضاء ليحوله إلى حياة. في لوحة جعيدي، يبدو هذا “التنفس” محاصراً بإطار من الأحمر القاني، وهو لون يحمل دلالات مزدوجة؛ فهو يمثل الحيوية القصوى (الدم)، لكنه يمثل أيضاً الضغط المحيط الذي يضيق الخناق على عملية الشهيق.
إن الاستعارة الكبرى هنا هي “الرغبة في التحرر”. الفنان يصور لنا حالة من “الاختناق الجميل”؛ حيث نرى العناصر الداخلية (الأسنان المشتبكة، الخطوط المنحنية، والأشكال العنقودية) وكأنها في حالة صراع من أجل إيجاد مخرج. هذا التزاحم البصري في المركز ليس فوضى، بل هو “زفير” فني يحاول دفع الثقل الداخلي إلى الخارج، وتحويل القلق الوجودي إلى نظام جمالي.
ثنائية العين واليقظة القلقة
تبرز في قلب هذه “الرئة” عينان صفراوان في مواضع غير متماثلة، وكأنهما بوصلتان تحاولان رصد جهات التحرر الممكنة. اللون الأصفر هنا ليس لون الطمأنينة، بل هو لون “اليقظة القلقة” التي ترفض الاستسلام لنمطية التكوين. هذه الازدواجية في الرؤية تعكس تشتتاً ذاتياً بين ماضٍ يثقل الكاهل ومستقبل ينشده الفنان كفضاء رحب للحرية.
الحبل السري والارتباط بالمعنى
يظهر الخط الوردي المركزي كقناة اتصال حيوية، تشبه “الحبل السري” أو القناة التنفسية، تربط هذا التكوين العضوي بمداراته الخارجية. سيكولوجياً، هذا الرابط يجسد الصراع الأزلي بين الرغبة في الانفصال والتحرر، وبين الخوف من فقدان الأصل أو المرجعية. إنها حالة “المخاض” التي تسبق الولادة الفنية الجديدة، حيث تسعى الذات لتجميع أجزائها المبعثرة (البازل النفسي) لتشكل هوية متماسكة قادرة على التنفس بعمق.
في الختام، ينجح حمزة جعيدي في تحويل اللوحة من مساحة للعرض إلى فضاء للاستشفاء النفسي. إن قراءة العمل بوصفه “رئة” تمنح المتلقي شعورا بالديناميكية؛ فكل ضربة ريشة هي نبضة، وكل تداخل لوني هو محاولة لاستعادة الأكسجين المفقود وسط ضجيج الحياة. اللوحة ليست جسدا ساكنا، بل هي “عملية تنفس مستمرة” تبحث عن حرية لا تتحقق إلا بتحويل الفوضى الداخلية إلى صرخة بصرية متزنة.