بصمات خالدة: حين تهزم ريشة الوفاء غياب الجسد
بقلم: فوزية جعيدي
الفن كفعل مقاومة ضد النسيان
إن الفن في جوهره ليس مجرد ترف بصري أو نتاج أدبي عابر، بل هو النبض الحي الذي يحرس تفاصيل إنسانيتنا من الانزلاق في عتمة النسيان. هو تلك اللغة الكونية التي لا تعترف بحدود الجغرافيا ولا بصرامة الزمن. وعندما نستحضر اليوم أسماء حفرت وجداننا بمداد من نور، مثل الراحلين خديجة بالعاليا، محمد بكور، ونور الدين بلاوي (ماجيك نور)، فإننا لا نستحضر مجرد ذكريات، بل نؤكد انبعاثا جديدا؛ فالمبدع لا يواريه الثرى، بل ينتقل من ضيق الجسد الفاني إلى رحابة الأثر الخالد.
لماذا يظل الفنان عصيا على الغياب؟
يبقى الفنان حاضرا على صفحات التاريخ لأنه يمتلك سر “تجاوز الزمن”. فالعمل الفني لا يشيخ كما تشيخ الملامح، بل يكتسب عتاقة وقيمة أعمق كلما مرت السنين. الفنان الحقيقي هو من لا يكتفي بنقل الواقع فوتوغرافيا، بل يقطر “شعوره” و”رؤيته” لهذا الواقع، ليمس شغاف القلوب عبر العصور. إنهم “يؤلفون الطريق إلى الجمال”، والجمال هو الملاذ والسكينة التي يحتاجها عالمنا المنهك دائما.
“بصمات خالدة”: عودة إلى مهد الأحلام
من هذا المنطلق الفلسفي والوجداني، ولدت فكرة المعرض الجماعي الاستثنائي “بصمات خالدة”. لم يكن اختيار المكان عبثا، بل هو عودة إلى الجذور، إلى المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء. هذا الصرح العريق الذي لم يكن مجرد قاعات للدراسة، بل كان “البيت الأول” الذي احتضن بواكير الأحلام، وشهد على ولادة أسمى روابط الصداقة والمصير المشترك.
تحت سقف هذا المهد الفني، وبدءاً من 26 مارس وحتى 9 أبريل 2026، يجتمع سبعة عشر فنانا وفنانة من رفاق الدرب، في وقفة وفاءٍ قلّ نظيرها. إنهم يجتمعون ليقولوا بصوتٍ واحد: “بأن ريشة الوفاء قادرة على هزيمة النسيان، وأن غياب الجسد هو مجرد انتقال للمكان، بينما يبقى الأثر محلقاً في الفضاء الذي ألفه وأحبه”.
رفاق الدرب في حضرة الغائبين
يشارك في هذا المحفل الجمالي نخبة من المبدعين الذين جمعهم الفن وفرقتهم المسافات، ليلتقوا مجددا في معرض يمزج بين شجن الفقد وعنفوان الإبداع، وهم:
فوزية جعيدي، فاطمة كليين، محمد حنين، سعيد جعيدي.
خليل بادسي، فوائد خيور، إسماعيل ترسي، فريد إدريس.
يونس الطالبي، ذكير محمد، وبدي عز الدين، بويدي محمد.
يوسف كباري، رشيد إغلي، حيا كمال، محمد أمين بن يوسف.
وتكتمل هذه اللوحة الإنسانية بلمسة تقديرية خاصة باستضافة الفنانة ياسمين السجلماسي كضيفة شرف، لتكون حلقة الوصل بين الأجيال والتجارب.
خاتمة: هنا يستمر الأثر
“بصمات خالدة” ليس مجرد معرض للوحات ومنحوتات، بل هو “بيان جمالي” يعيد الاعتبار للذاكرة الإبداعية الجماعية. هنا، في الدار البيضاء، حيث بدأت الحكاية، يكتب فصل جديد من الوفاء، ليظل أثر الراحلين وشما لا يمحى في ذاكرة الفن المغربي المعاصر.




