من كتابي ” سبعة ايام في الجنة – مصر كما رأيتها”. في المتحف الكبير القاهرة.
وقفتُ أمامه، كأنني أقف أمام مرآةٍ تعكس وجهي في عمق التاريخ، وقلت:
– يا ابن النيل، يا سليل الشمس، حدّثني عن عراقة حضارتكم، كيف صارت الرمال عندكم كتبًا، والصمت ناطقًا بالحكمة؟
ابتسم، وكانت ابتسامته كفلق الفجر، وقال:
– نحن يا ابنة السؤال، لم نبنِ حجارةً فحسب، بل شيّدنا معنى البقاء. لم نعبد الزمن، بل طوّعناه، فجعلناه خادمًا لأسمائنا. كنّا نكتب على الجدران كي لا تضيع الحكاية، ونحفر في القلوب قبل الصخور.
قلتُ، وأنا أتنصّت على وقع كلماته:
– وكيف استطعتم أن تبلغوا هذا المجد؟ أهو السيف أم الفكر؟ القوة أم الرمز؟
قال، وقد ارتفع صوته كأنّه صدى معبدٍ قديم:
– بل التوازن يا ابنة الحيرة. نحن من فهم أن الكون معادلة بين الأرض والسماء، بين الظاهر والخفي. بنينا الأهرام لنقول إن الإنسان قادر على ملامسة الأبد، وحنّطنا أجسادنا لأننا آمنا أن الموت ليس نهاية، بل عبورٌ إلى ضفةٍ أخرى من الوجود.
ثم اقترب، وهمس كأنّه يزرع فكرةً في أعماقي:
– نحن لم نكن ملوكًا فقط، بل كنّا حرّاس المعنى. علّمنا العالم أن الكتابة ذاكرة، وأن الفن صلاة، وأن العدالة ميزان الكون. أقمنا حضارةً لا تقوم على القوة وحدها، بل على الحكمة، فكان كل حجرٍ عندنا يحمل روحًا، وكل نقشٍ ينبض بفلسفة.
قلتُ، وقد غمرني الدهش كمدٍّ لا ينحسر:
– لكن الزمن قاسٍ، ألا تخشون أن يطويكم النسيان؟
فضحك، وكانت ضحكته كخرير النيل:
– النسيان لا يطوي من كتب نفسه في قلب الوجود. نحن لم نكن زمنًا عابرًا، بل كنا فكرةً متجذّرة، من قرأها عاد إلينا، ومن زارنا صار جزءًا منّا.
سكتَ، وسكتَ معه المكان، وكأنّ الصمت صار لغةً أعلى من الكلام. أدركتُ حينها أنني لم أكن أطرح أسئلة، بل كنتُ أبحث عن ذاتي في مرايا التاريخ.
عدتُ من تلك الرحلة لا محمّلةً بإجاباتٍ فحسب، بل مثقلةً بدهشةٍ لا تشيخ. أدركتُ أن مصر ليست وجهةً تُزار، بل دعوةٌ للعودة إلى الجذور، إلى المعنى الأول للحضارة.
كانت زيارتي أشبه بنداءٍ خفيٍّ في أعماقي، يقول لي إن الطريق لم ينتهِ، وإن الحكاية لم تُروَ كاملة بعد.
ولهذا، أعدُ النيل، وأعدُ الحجارة التي تنطق، وأعدُ ذلك الظل الفرعوني الذي ترك في روحي أثرًا لا يُمحى:
سأعود…
فبعض الأماكن لا نغادرها، بل تسكننا، وتظلّ تنتظر عودتنا كقدرٍ جميلٍ لا يُؤجَّل




