تَمَرُّدُ “أَبِي نُوَاس”
بِقَلَمِ الشَّاعِرِ: مَرْوَان مَكْرَم
تصدير:
“بين أطلالٍ تئنُّ بوجع الماضي، وحاناتٍ تضجُّ بحياةِ الحاضر، ينهضُ ‘أبو نواس’ متمردًا على القوالبِ الجامدة. إنَّ هذا التمرد ليس هدمًا لهيكلِ ‘العمود’ الذي يظلُّ هرمًا قائماً بقواعده العريقة، بل هو تجربةٌ جريئة تُثبت أنَّ الشعرَ الحديث حين يقتحم الأسوار، فإنه لا ينسفُ أُسُسَ البناء، بل يرمّمُ الخللَ فيه؛ يختارُ منه ما يستساغ ويدهش، ويتركُ ما يستقبحُ ويجمد. إنها محاولةٌ للموازنة بين رصانةِ الأصالةِ وجموحِ الحداثةِ في قصيدةٍ ترفضُ الصمت.”
البحر: المُتَدَارِك (الخَبَب)
التفعيلة: فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ
فِي قَلْبِ “بَغْدَادَ” الرَّشِيدِ..
تَحَلَّقَ عُشَّاقٌ فِي حَانِ الهَوَى..
وَالأُنْسُ ضَاءْ!
وَ**”النَّشْوَانُ”** يُدَاعِبُ كَأْسَهْ..
بِأَنَامِلَ تَسْحَرُ مَتْنَ الفَنِّ..
تَفِيضُ سَنَاءْ!
قَامَ “الوَالِبِيُّ” يَعِيدُ القَدِيمَ..
وَيَبْكِي بَقَايَا الرُّسُومِ..
بِدَمْعِ الشِّتَاءْ:
“يَا دَارُ.. عَفَا الرَّسْمُ فِيكِ..
وَذُقْتُ مَرَارَةَ سُمِّ الشَّقَاءْ!”
فَضَحِكَ “النُّوَاسِيُّ” المَكَّارُ..
وَهَزَّ المَكَانَ..
بِمَكْرٍ.. وَكِبْرٍ.. وَخُيَلَاءْ:
“أَتَبْكِي طُلُولاً خَراباً..؟
وَالنَّاسُ تَعُبُّ رَحِيقَ الحَيَاةِ..
بِعُمْرِ الهَنَاءْ؟!”
“دَعْ عَنْكَ (عَبْلَةَ).. وَالخَيْمَةَ..
وَدُمُوعَ النَّاقَةِ.. وَالصَّحْرَاءْ!
فَالبَصْرَةُ الزَّهْرَاءُ.. لا..
تَبْكِي الرِّمَالَ.. وَصَوْتَ الفَنَاءْ!”
“صِفْ لِي (القُصُورَ).. وَبَذْخَ العُصُورِ..
وَلَوْنَ الزُّهُورِ.. بِفَجْرٍ أَضَاءْ!
وَدَعِ (الأَطْلالَ) لِمَنْ هَرِمُوا..
فِي سِجْنِ الغَبَاءْ!”
“أَنَا لُغَةُ العَصْرِ.. إِذَا مَا ثُرْتُ..
عَلَى الأَصْنَامِ.. وَوَجْهِ الخَفَاءْ!”
فَأَجَابَ صَاحِبُهُ: صَدَقْتَ..
لُغَةُ الحَدَاثَةِ أَنْتَ..
إِذَا مَا كَسَرْتَ..
قُيُودَ الرِّثَاءْ!
خاتمة نقديّة:
- “هكذا تجلّى ‘النواسيُّ’ في قصيدتنا؛ متمردًا لا لغرضِ الهدم، بل ليُعيد للغةِ نبضها. فكما أنَّ الشعرَ العموديَّ هرمٌ لا يطالهُ الزمانُ لقوةِ قواعده، فإنَّ الشعرَ الحديثَ يظلُّ في جوهرهِ امتداداً لا انقطاعاً؛ فهو يُرمّمُ ما اعتراهُ الخللُ من بناءِ القدماءِ، ليقدمَ لنا دهشةً لا تقبحُ بابتذالٍ، ولا تذبلُ بجفاء. هي دعوةٌ لأنْ يظلَّ الشعرُ حياً، لا أسيرَ قيدٍ، ولا ضحيةَ فوضى.”




