وهجُ الشِّعرِ
كتبت تغريد بو مرعي – لبنان – البرازيل
أيُّها العابرُ في دروبِ اللّغةِ، تترصّدُ وقعَ الحروفِ على جسدِ المعاني، هل تجرؤُ على اقتحامِ ممالكِ الشّعرِ؟ لا تحسبَنَّ الشّعرَ نافذةً تُطلُّ على الحدائقِ فقط، هو عاصفةٌ تعصفُ بالظنُونِ، إعصارٌ يخترقُ صمتَ الأشياءِ، زلزالٌ يتصدّعُ في قلبِ الجمودِ، فهل تمتلكُ قُدرةَ النّظرِ في عينيهِ دونَ أن تتورّطَ في طوفانِهِ؟
لا تسألْني كيفَ يولدُ الشّعرُ، فأنا لا أملكُ خارطةً ترشدُني إلى رحمِه، هو برقٌ ينفجرُ في النّبضِ، شرارةٌ تشعلُ الهواجسَ، نهرٌ يفيضُ من جُرحِ المعنى، يولدُ من رعشةِ الحنينِ، من شهقةِ الفقدِ، من زفرةِ الغريبِ في المنافي، من قُبلةِ الأملِ المصلوبِ على شفتي الانتظار.
أيُّها المُرتابُ في سحرِ الشّعرِ، اقتربْ أكثر، المسْ جِلدَ القصيدةِ، ستشعرُ بقشعريرةِ الحياةِ وهي تتململُ تحتَ الكلماتِ، سترى جُثثَ المعاني تُبعثُ من رمادِ الصّمتِ، سترى الأوزانَ تتأرجحُ بين التّهويدةِ والصّيحةِ، سترى الحروفَ تشتعلُ كالفجرِ إذا انهارَ اللّيلُ من وَقْعِها.
وأنتَ، يا من تُقيّد الشّعرَ بأسوارِ الأوزانِ والقوافي، من قالَ لكَ إنّ الشّعرَ ينحني أمامَ المقاييسِ؟ إنّهُ بحرٌ لا تُحدّدُهُ الضّفافُ، ريحٌ لا تُروضُها القواعدُ، مجرّةٌ تنثرُ نجومَها على خارطةِ الكونِ دونَ أن تأبهَ بالاتّجاهاتِ، فهل تستطيعُ يدُكِ أن تطويَ الفضاءَ في قبضةِ الوهمِ؟
الشّعرُ ليسَ محضَ كلماتٍ تُرصُّ على السّطورِ كالأحجارِ، بل روحٌ تتقمّصُ اللغةَ، تنسابُ بينَ ثناياها، تُعانقُها كما يُعانقُ النّورُ الظّلالَ، تذوبُ فيها كما يذوبُ الملحُ في دمعِ القصيدةِ، فتُصبحُ كلُّ كلمةٍ نافذةً تُطلُّ منها الرّوحُ على أفقٍ لا ينتهي.
أيُّها القارئُ، لا تبحثْ عن الشّعرِ في الأوراقِ، ابحثْ عنهُ في رعشةِ الوردةِ حينَ يلمسُها النَّدى، في تنهيدةِ الحجرِ حينَ تنشطرُ فيه ذاكرةُ الجبالِ، في ارتعاشِ المدى حينَ يُقبّلُهُ الغروبُ، فالشّعرُ ليسَ حرفًا، بل نبضٌ، ليسَ بيتًا، بل كونٌ، ليسَ قيدًا، بل انفجارُ حُرّيّةٍ لا حدودَ لها!
وأنتَ أيُّها الحائرُ في أسرارِ الحرفِ، قل لي، أترى الشّعرَ حقيقةً أم وَهْمًا؟
أهو خَلاصُ المُرهَقين أم سِجنُ الحالمين؟
أهو صرخةُ العاجزِ أم أنشودةُ الثّائرِ في وجهِ الرّكود؟
أهو نَزفٌ ينحتُ في جدرانِ القلبِ أخاديدَ الأملِ، أم سَكينةٌ تتوضّأُ بندى المعاني؟
إنّه جرحٌ لا يندملُ، قيدٌ يحرّرُك، سُكونٌ يعصفُ بالعوالمِ، طُوفانٌ يخلّصُ الأرضَ من رمادِ الرّتابةِ.
هو السَّيفُ والقُبلةُ، القيدُ والجَناحُ، السُّؤالُ الذي لا يُجابُ، والنّشيدُ الذي لا يَسكُنُ الشِّفاهَ!
فما الشِّعرُ إذن؟
هو أنتَ حينَ تكتُبُ نفسَكَ خارجَ حدودِ الجسد،
هو أنا حينَ أُبعثُ في سُطورٍ لا تُفنى،
هو نحنُ، حينَ نَكونُ ولا نَكون،
حينَ نَصرُخُ بصَمتٍ، ونَصمُتُ دُونَ خَوف،
حينَ نَحملُ الحياةَ في قَطرةِ حِبرٍ، ونُهديها للعالَم!

خاصية التعليق غير مفعلة - يمكنك المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي