
دراسة تحليلية ونقدية لديوان “حروف من رحيق الوجدان” لجنان خريباني…
بقلم ليلى بيز المشغرية
“حروف من رحيق الوجدان” خواطر ووجدانيات ..
هو باكورة أعمال الكاتبة والشاعرة اللبنانية ابنة الارز الشامخ جنان خريباني .
يتألف الديوان من 264 صفحة تضم أكثر من 140 نصًا. يتناول مواضيع متنوعة بين الغربة، الأحلام، الحب، الوطن، القلق، الفقد ، الانتماء الخ.. . ومن خلال هذه المواضيع، تعكس الشاعرة تجربتها الوجدانية بأسلوب يمزج بين العاطفة والتأمل العميق.
التحليل العام للديوان:
يستمد الديوان قوته من الصدق العاطفي والبساطة العميقة التي تجعل النصوص قريبة إلى القارئ. تبدأ الشاعرة نصوصها باستفهامات وجودية حول غربة المشاعر والضياع، كما تتساءل عن الزمن وتأثيره على الخيارات الإنسانية، وهو ما يعكس نزعة فلسفية واضحة في كتاباتها.
ابتدأت نصوصها بنص غربة المشاعر والفوضى التي تعتليها وتغر ق الجميع في حيرة وغربة
لتسأل روحها المتناثرة والمتخبطة متى تموت الاحلام..
وماذا لو عاد الزمان بها وهنا لوالشرطية لكانت ألغت اشياء كثيرة من حياتها كما يتمنى كل شخص ان يعود به الزمن الى الوراء ليتمكن من توجيه البوصلة في المسار الصحيح ولما كانت تشبصت بأشياء أو أشخاص كثر..
فهي يأست من العيش بين أموات الضمير والوجدان ووجدت بالموت الحقيقي أقل خطورة في ومضة عين ..
وفي رحلة قلب دعوة الى التحرر من أطلال العقل والبحث عن شمس تؤنس ساعات الشتاء الكئبية…
ومن ثم ذهبت لتسأل الموت أن يكف عنها هنيهة ولما هو وراء الابرياء وتدعوه الى تتبع الظلاّم
النصوص تتسم بلغة وجدانية تتراوح بين الحزن العميق والبحث عن الأمل، حيث تعبر عن مشاعرها بصدق يخترق وجدان القارئ. وتبدو النصوص أحيانًا متأملة وأحيانًا أخرى ثائرة على الواقع، مما يعكس التناقضات العاطفية التي تعيشها الكاتبة.
لقد اخترت نصين اثنين من بين النصوص لدراستها وتحليلها وهما :
— “أمي” و”هزمها الخبيث”
أولا في قصيدة “أمي” تقول الشاعرة
أمي
كلما أتيت على ذكرها
فاضت كلماتي دموعا وأصاب الخريف ساحات قلبي، كيف لا ؟
ومع آخر أنفاسها يبست أوراق الرحمة في صدري وتطايرت تائهة في حقول أيامي…
ما أنهيت قط جملةً ذُكِرَ بها اسمها ،
وما أتممت حلمًا مرّ به طيفها، منذ غيابها وأنا… أنا تنقصني الحياة!
في ذلك الـ «أكتوبر» المرير أصابتني
ريح الخريف الباردة
وأزهرت الجنة بمرور أقدامها !
أمي تركتني في عالم موحش،
عالم أبحث فيه عن بقايا حنان،
أو عن فتات عطف أتوسله كيفما التفت
عله يكتم صراخ روحي ويملأ زوايا قلبي المهجورة !
كلما أتيتُ على ذكر اسمها كتمت الغصة على أنفاسي واختنقت دموعي في مقلتاي
وتصارع ضعفي مع كبريائي
حتى تفجرت أحزاني ينابيعا
فاضت بها وجنتاي!
أمي يا ربيعًا تاهت عن دربه الفصول،
فغابت شمسه خلف غيوم اليتم والحرمان
غيوم حجبت نور الرحمة عن آلامي
وسلبت الأمل من فضاء
غدي لتتركه قائما ،
موحشا ومظلمًا …..
أمي،
أخشى أن تصلك كلماتي فيطالك حزن على حالي!
اطمئني ،أنا بخير
وكل ما قرأته هو رذاذ تطاير سهوا من حبر أقلامي !
أمي،
أنا لم أتمنى الموت يوما لألقاك، وأنا لم أر طيفك يجول في أحلامي
أنا لا أبكيك كل مساء، اسألي وسادتي عني….
وصوتك لم يعد يناديني مع نسائم الصباح …..
أمي أنا بخيرعسى أن تطمئني لحالي،
أنا لا أفتقدك كثيرًا ،
فربما ،
ربما سنلتقي يوما
ربما ،
قد يحدث في أكتوبر ………..
الموضوع والمضمون:
تتناول هذه القصيدة تجربة الفقد بأسلوب وجداني عميق، حيث تصف الشاعرة حالة الفراغ العاطفي والروحي الذي خلفه رحيل والدتها. المشاعر هنا متدفقة وصادقة، مما يجعل القارئ يشعر بأنه شريك في هذه الأحاسيس.
الأسلوب واللغة:
تستخدم الشاعرة لغة شاعرية رقيقة تعتمد على الصور البلاغية القوية، مثل:
“كلما أتيت على ذكرها فاضت كلماتي دموعًا وأصاب الخريف ساحات قلبي”.
“أزهرت الجنة بمرور أقدامها”.
هذه الصور المجازية تعكس الحزن العميق والشعور باليتم، وتعزز الإيقاع الداخلي للنص.
البنية الفنية:
القصيدة تتبع أسلوب التكرار لتعزيز الأثر العاطفي، حيث يتكرر اسم “أمي” عدة مرات، مما يعكس الحنين والشوق الدائم. كما أن استخدام التوازي في بعض العبارات يمنح النص إيقاعًا موسيقيًا.
القيمة العاطفية:
القصيدة تحمل طابعًا وجدانيًا عاليًا يجعلها قريبة من القارئ، خصوصًا من مر بتجربة فقد مشابهة. هي ليست مجرد رثاء، بل هي حالة نفسية عميقة تعبّر عن الألم والاشتياق.
ثانيًا: تحليل قصيدة “هزمها الخبيث ” تقول الشاعرة :
سخر منا ومن ضعفنا !
وقف عند قدميها منتصرًا بما كسبت يداه !
اليوم، فرغت الحياة من معناها ،
وسقطت آخر الغمرات في بئر الحرمان،
اليوم، نامت سيدة القلوب
وغرقت في سباتها العميق….
ما عادت تسمع صراخنا، ولا تلتفت لنحيبنا ،
هي لم تر دموعنا لأنها لو فعلت، لكانت حتما ستفيق !
أيام صعبة،
لم نشعر بها ،
لم نصدقها ،
لم نع حالنا وأهو النا …….
كيف لنا ذلك من دونها ،
وهي الدرب وهي منارة الطريق؟
رحلت إلى رحمة ربها ….
ونحن؟
أما لنا من هذه الرحمة نصيب؟
ما عادت تشرق الشمس من بعدها
ففي عينيها سكن المغيب !
وهي لم تهزم حتما ،
الهزيمة ليس من سماتها ،
هي،
وبإرادتها خلعت روحها ،
وبكل كبريائها سلكت الطريق !
الموضوع والمضمون:
في هذا النص، تتناول الشاعرة موضوع المرض (السرطان) وتأثيره على الأحبة، حيث تصور كيف اختطف المرض والدتها ، مما يعكس تجربة فقد اليمة ، …..
النص يبرز الصراع بين الحياة والموت، وبين الأمل واليأس.
الأسلوب واللغة:
تستخدم الشاعرة لغة قوية ومباشرة أحيانًا، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على طابعها الشاعري. يتجلى ذلك في العبارات التالية:
“سخر منا ومن ضعفنا!” – تعبير عن استبداد المرض وعدم قدرة الإنسان على مقاومته.
“أما لنا من هذه الرحمة نصيب؟” – سؤال بلاغي يعكس الحيرة والألم النفسي العميق.
البنية الفنية:
تتبع القصيدة أسلوب التدرج في السرد العاطفي، حيث تبدأ بوصف الألم والمعاناة، ثم تنتقل إلى التساؤل حول عدالة الحياة، قبل أن تنتهي بإيحاءات فلسفية حول المصير.
القيمة العاطفية والتأثير:
تعتبر القصيدة صرخة وجع أكثر منها مجرد رثاء، حيث تتجاوز الحزن إلى الغضب والتساؤل عن المعنى الحقيقي للمعاناة. هذا يجعلها نصًا شديد التأثير، خاصة على من خاضوا تجربة مشابهة.
يعد ديوان “حروف من رحيق الوجدان” تجربة وجدانية ناضجة تعكس حساسية الكاتبة تجاه الحياة والموت والعلاقات الإنسانية. يتسم الديوان بصدق المشاعر، قوة اللغة، وبراعة التصوير الفني.
بالمجمل، “حروف من رحيق الوجدان” هو عمل يحمل نضجًا فنيًا وعاطفيًا كبيرًا، وينبئ بموهبة شعرية واعدة في المستقبل.
أتمنى للشاعرة خريباني المزيد المزيد من العطاء والإبداع ..بالتوفيق دائما
خاصية التعليق غير مفعلة - يمكنك المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي