لا يزال المواطن العربي يبحث عن نفسه في كتابه ومثقفه..
س : بداية، نرحب بك
أديبنا وشاعرنا الكبير في هذه الفسحة الحوارية التي نتمنى صادقين أن تسافر بنا عبرها وبالأحبة
القراء إلى عالمك
الساحر المليء بروعة
الكلمات وعذوبة الألحان و صدق الاحاسيس اول سؤال يتبادر إلى ذهن الكثيرين من هو
حسين لرباع؟
نشكر لكم هذه الحركية الأدبية الفاعلة ضمن هذا الفضاء الذي تشغله جهودكم ونشد على أيديكم مثقفين فاعلين داعمين لهذا المنبر
من قريب أو بعيد وثقتنا في القراء كبيرة في متابعة ما تجودون به من درر ولآليء
بداية ” إن الكاتب لا يستطيع أن يعرف بنفسه كما يجب ”
وإنما هو يقارب في التعريف بها من خلال معطيات لعلها تحقق شيئا منه
حسين لرباع شاعر وأديب جزائري يكوي حروف قصائده بحمض الفينول.. يطهر كتاباته بصدق الكلمة.. يرسم لنفسه عالما يرتاده جمهوره المتعطش للصورة الإبداعية الوضاءة.. يحرص بكل ما أوتي من قدرة على التوطين اللغوي السليم
قال الناس قديما ” الأدب مرآة عصره والأديب نبي أمته
هي قاعدة حكيمة إذا ما نظرنا إليها نظرة المتأمل العارف بخبايا الكلمة. فنشأة الكاتب تفرض عليه أن يتعايش مع بيئته التي ترعرع فيها.. إذ تجبره على التأثر بها إلى حد بعيد فهو يستقي منها مكوناته وتفاصيله كيفما أملتها عليه. فيتفاعل حينها ( أو بعدها) مع تلك المكتسبات ليصبح متفاعلا ومقاوما حتى إذا ما اشتد عوده راح يقدم خدماته لمن أرضعته حليبها في وسط متشابك ونسيج اجتماعي مباغت أحيانا فتصيبه الدهشة (الصدمة) التي تقوي عزمه على التغيير.. ثمة نقول عنه إنه حامل لرسالة وجب عليه تبليغها برؤيته الفنية الأدبية المناسبة لأي فئة كانت. .
ولا يستثني الكاتب نفسه من محتوى هذه الرسالة كونه صاحب مشروع مجتمع وأمة.. حتى إذا ما طور أدواته فيها تصير مشروعا يحمل في طياته رغبة الإنسانية جمعاء.. وهي رسالة المحبة والسلام والخير والجمال فرسالة الأديب والشاعر عظيمة في محتواها وكلما وجدت طريقها الصحيح لتجسيدها في واقع الناس
ازدادت رغبته في التضحية .
س: ما هي اهم الأعمال التي ساهمت في تكوين رؤيتك الفكرية والأدبية؟
لما نتحدث عن الرؤية هي نتاج قراءات الكاتب المتعددة والمختلفة على تنوع اتجاهاتها.. فلا تستند على نوع معين من الاستهلاك المعرفي ولا على حد معين من التناول والتداول والحوار الذهني.. بل على الكاتب أن يغرف من كل معين ليشبع ويرضي ذائقته من جهة. ويحصن نفسا من (شدائد الدهر) من جهة أخرى..
نتحدث عن البدايات فتأثيرها في الكاتب من تحصيل حاصل هي اللهفة الأولى بطابعها المميز حيث كنت أقرأ كل ما يقع بين يدي رغم قلته.. كنت مجبرا على إعادة تناول أفكاره ورونق أسلوبه دون كلل أو ملل.. أحصل على المتعة التي يفتقدها الكثير من بني جيلي آنذاك..
ففي الأدب الجاهلي نكهته وللكتاب الفلسفي سطوته لأصحابه المتقدمين والمتأخرين ثم الكتاب الديني وما يحتويه. وكان لكتابات المنفلوطي وجبران وإيليا ابو ماضي والرافعي والعقاد وميخائيل نعيمة وغيرها الأثر العميق في صقل الموهبة ورسم معالم الفكر.
وبصريح اللفظ وصراح العبارة : كان الكتاب الفلسفي قد أخذ عندي نصيبا أوفر من غيره
س: هل ماهو رائج اليوم من أعمال أدبية من شعر و رواية وقصة يحاكي فعلا الواقع ويعبر عن الانسان العربي وازماته وصراعه مع ضغوط
الحياة ومع ذاته؟؟
واقع الناس بكل تناقضاته يفرض نفسه على الكاتب ويفرض عليه أن يسمي الأشياء بمسمياتها. فكان حريا به أن يتسم بالشجاعة المطلوبة للتجاوز.. الشجاعة الكافية لتجاوز مرحلة الانسداد.. فالسواد الأعظم من الكتاب والأدباء يعيشون في أبراج عالية. فلا ينزلون منها ينزلون منها حتى يلج الجمل في سم الخياط.. وقد اتجه كثير من الكتاب الذين سجلت أسماؤهم بريق اللحظات. اتجهوا (مع الأسف) إلى محاكاة واقع غيرهم والنيل من مجتمعهم.. وما يزال المواطن العربي يبحث عن نفسه في كتابه ومثقفيه.. فلا الرواية حلت له مشاكله ولا شخوص القصة عبروا عن موقفه من القضايا الراهنة.. ولا الشعر ما هو تُعريفك للمدفف وكيف يُمكُن بناء جسر به النخبة المثقفة والبسطاء من الناس؟ من التعريفات العالمية للثقافة… التربية.. فالمثقف شخص يتعالى بفكره إلى مصاف الملائكة.. فهو يحاكي الصغير والكبير ولا يميز بين الأجناس البشرية أو الأجناس الأدبية في تحقيق رسالة الإنسانية.. تلك الرسالة التي حملها على عاتقه ليبلغها إلى الآخر.. هذا الآخر هو الجمهور العريض المتعطش.
فعلى الكاتب ألا يترك مجاله لغيره فإن الطبيعة لا ترضى بالفراغ.. وبالتالي فرض على المثقف الاحتكاك بجمهوره إيمانا منه بقدسية رسالته..
س: شاركت في عدة ملتقيات وطنية ودولية. هل ترى ان هذه اللقاءات تعود بالفائدة على المتلقي؟ وكيف تفسر الحضور المحتشم للجمهور في هكذا لقاءات ادبية وثقافية؟؟
كنا تطرقنا إلى رسالة المثقف. فهي مهمة ثقيلة على عاتقه.
فهو الذي يتنقل من بستان إلى بستان أملا في تحقيق أكبر قدر من المعرفة. فالملتقيات بمختلف أنواعها محليا أو دوليا تستثمر لتلقيح الأفكار والمواهب.. فهي تظل مفتوحة على الجماهير على قلتها أو كثرتها ليتشرب الحضور ويستفيد من عطائها.. وبالرغم من أهميتها إلا أن المتلقي ( الجمهور الحاضر) يظل حضوره محتشما في الكثير من اللقاءات المهمة. لعل مرد ذلك المواضيع المطروحة في هذه التجمعات الأدبية البعيدة عن اهتماماته في ظل العزوف عن القراءة.. وقلة نسبة المقروئية في الوطن العربي بالخصوص.
س: برأيك اي الأنواع الأدبية تستهوي القاريء
العربي ..؟ ولماذا ؟
كأنما قلت لي إن المتلقي في الجزائر ينافس غيره في بلدان أخرى.. والحقيقة أن المتلقي العربي يعاني من قلة توفر المادة الدسمة التي يبحث عنها في غياب إعلام ثقافي متخصص.. إعلام يروج لفعل القراءة على مدار العام بعيدا عن الموسمية والظرفية.. فالعربي بطبعه ذهن مفتوح على كل جديد.. تستهويه جدية الطرح والمعالجة لكنه بات يتخبط في الكثير مما ينشر ويطبع من سفاسف.. وهو بذلك ضحية منتج لا يرقى لأن يشبع ذوقه
س: يقال إن الأديب يعتمد في تكوين شخصيات نصوصه وانفعالاتها على تركيبة شخصيته هو وواقعه . هل هذا ما يحصل معك؟ ام أنها من نسج خيالك.
الحديث عن الشخصيات في النص الأدبي يحيلنا على التطرق إلى أنواع النصوص وأغراضها. فنوعية الشخصيات تخضع لنوع النص. فقد يتحكم السارد في شخوص القصة أو الرواية أو أنه يطل عليها من كوة الباب لجعلها محررة أو شبه محررة في دورها المنوط بها داخل إدارة الأحداث بعيدا عن تواجدها الزمكاني الذي يختاره السارد في حبكته الفنية.. أما ما يدور في ذهن الكاتب (كان قاصا أو روائيا) فقد تتجاوزه شخصياته بمراحل ليظهر تحررها من ربقته متملصة من سيطرته عليها فيبدع بدوره باعتبار عناصر المفاجأة المتزامنة مع تفاصيل الأحداث غير المبرمجة آنفا .. وهذا لا ينفي على الكاتب توظيفه لبعض انفعالاته التي تلقي عليه بظلالها في عملية البناء.
أما الشعر فهو عملية أقرب ما تكون إلى اللاوعي منها إلى الوعي.. وعليه فإن للشاعر حيزا كبيرا من تركيبه النفسي في النص المشتغل عليه بعد ميلاده بوجع أصلي
س: قيل ” ما نكتبه هو ابن ما نقراه ” وقيل ” بأن الكتابة هي في الحقيقة إعادة كتابة أو إعادة تشكيل لمفردات اللغة، وبأن ما نكتبه قد كتبه أشخاص آخرون قبلنا “.. هل هذا ماحصل معك في أول إصداراتك أم أنك مجدد في الفكرة .؟
لو كانت الكتابة الأدبية إعادة تشكيل لمفردات اللغة كما قيل لتوقف الإبداع وانقرض الاجتهاد منذ وقت بعيد .. لكن لكل زمن أهله.. فعلى حسب اختلاف المجتمعات تختلف الموضوعات والاهتمامات.. وليست اللغة
قاصرة لكي يعاد تشكيل مفرداتها. ولا الكتاب عاجزين عن الإتيان بما لم يأته الأوائل رغم اعتقادنا أن الشعر – مثلا _ هو لعبة لغوية.
فالشعر والأدب مثل العلوم والتكنولوجيا. فهو مستمر في عطائه بقدر معرفة أصحاب الحرف لأسرار اللغة ودلالة الكلمة. وإيمانهم بأن للفكر وعاء هو اللغة التي يجب أن نرتقي إليها لتوظيفها كما ينبغي.. فهي كائن حي ينمو ويتطور.. وهي قناعة الأولين والآخرين من العارفين بأسرارها وخصوصياتها.
ولعلنا نشترك مع من سبقونا في الكتابة عن بعض القضايا داخل المجتمع الصغير أو المجتمع الكبير الإنساني..لكن المنظور الذي طرحت به بالأمس غير المنظور الذي تطرح به اليوم.. فالجرأة في التفجير اللغوي أنتجت لغة جديدة المعالم في الصياغة..فجاء التكثيف اللغوي فاتحا صدره للدارسين والكتاب والمبدعين على اختلاف مشاربهم.
أما عن إصداري الأول فهو كما قلت نتاج تجربة بسيطة لكنها تماز بوعي المرحلة.
إذ أن المجموعة الشعرية باكورة أعمالي الموسومة
بشيخوخة الريح
بمثابة تجربة أولى في مساري الأدبي كانت بعيدة عن إعادة التدوير والاجترار إما على مستوى أفكار النصوص أو شكلها .
س : هل تهتم بأنواع أدبية أخرى غير الشعر؟ وهل سيسجل التاريخ مولودا أدبيا لحسين لرباع في الرواية او القصة؟
كانت بداياتي في كتابة الخاطرة كجنس أدبي يعلمك كيف تتحكم في إدارة الفكرة الواحدة.. فكان حظها معي جميلا. حيث كتبت العديد من الخواطر بحجم مجموعة نتضمن العديد من الموضوعات الاجتماعية وهي تدعوني إلى إخراجها إلى النور. كان ذلك قبل ولوجي عالم الشعر الذي توطن بداخلي وأخذ وقتي وأبهج خاطري..
وإن صدق التجربة من صدق الإحساس وكل الأجناس الأدبية تظل في خدمة بعضها. أما عن مشروعي في الرواية فهو عمل مضن لا يشعر به إلا الراسخون في صدق الكتابة.. فالقصة بناء.. والرواية بناء..وللبناء أدواته الخاصة به. ولن يتقن عملية البناء إلا من سخر جهده في صدق التجربة..
هل تتعبك الكتابة؟ هل هي حقا كما يصفها البعض “جلد للذات” ؟
قد تكون الكتابة ترويحا عن النفس. وقد تكون غير ذلك..
إلا أنها حالة تتملك صاحبها فلا تفلته إلا وقد تغيرت أحواله وأجواؤه.. نعم هي الإبداع في أبهى تجلياته والابتكار في أسمى آياته.. والتأليف المتواصل بعيدا عن الاجترار.. لذلك أعطوها عديد التوصيفات والأسماء..
فالكاتب هو ذلك العارف بالخبايا.. الموغل في التفاصيل الصابر على المحن وهو في قلب المعركة إلى أن يحقق حلمه في التغيير ولو تنزر في العطاء.
يقال إن الأديب يعتمد في تكوين شخصيات نصوصه و انفعالاتها على تركيبة شخصيته هو وواقعه . هل هذا ما حصل معك؟ ام أنها من نسج خيالك
الحديث عن الشخصيات في النص الأدبي يحيلنا على التطرق إلى أنواع النصوص وأغراضها. فنوعية الشخصيات تخضع لنوع النص. فقد يتحكم السارد في شخوص القصة أو الرواية أو أنه يطل عليها من كوة الباب لجعلها محررة أو شبه محررة في دورها المنوط بها داخل إدارة الأحداث بعيدا عن تواجدها الزمكاني الذي يختاره السارد في حبكته الفنية.. أما ما يدور في ذهن الكاتب (كان قاصا أو روائيا) فقد تتجاوزه شخصياته بمراحل ليظهر تحررها من ربقته متملصة من سيطرته عليها فيبدع بدوره باعتبار عناصر المفاجأة المتزامنة مع تفاصيل الأحداث غير المبرمجة آنفا.. وهذا لا ينفي على الكاتب توظيفه لبعض انفعالاته التي تلقي عليه بظلالها في عملية البناء.
أما الشعر فهو عملية أقرب ما تكون إلى اللاوعي منها إلى الوعي.. وعليه فإن للشاعر حيزا كبيرا من تركيبه النفسي في النص المشتغل عليه بعد ميلاده بوجع أصلي
فالكاتب (مفكرا كان أم أديبا) يجهد نفسه وفكره في الغوص في روح والموضوعات على اتساعها وغموضها.
ضيقها ووضوحها. ويظل دهرا على تلك الشاكلة واعيا متأملا حتى تتجلى له روح الفكرة.. وكلما ازداد اطلاعه زادت معرفته ونضجت تجربته.. ولا يضمن له اعتدادا برأي له حتى تمر تلك التجربة بمراحل عمرية عديدة تختلف فيها مستويات الفكر والتحليل والاستنتاج حتى يصل إلى سلامة الطرح ووضوحه..
وإن قلنا إن الكتابة حالة لا واعية فذلك من باب تغييب المنطق. إذ كيف يكون المفكر الكاتب غير واع وهو الذي ( ينظر لأمته) وينتظر منه مجتمعه الصغير أو الكبير أن يدافع عنه بفكر راق وإحساس وصدق.
إنما الكتابة عندي تراكم معارف وغوص في دقائق الأمور برؤية العارف المتأمل..فلا يغرنك كثرة الكتاب وسيول كتاباتهم حتى تتضح رؤاهم من قضايا مجتمعاتهم وأممهم. فهنيئا لمن أفنى حياته لمبادئ الخير والحب والجمال. ومن وقف فكره مدافعا عن مقومات الحق لا يزال المواطن العربي يبحث عن نفسه في كتابه ومثقفه.
حاورته صورية بلوطار