حين يرسم القلب: تعبير الأطفال الفني كنافذة للروح بقلم أ. د. بكر إسماعيل الكوسوفي
بقلم: الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: [email protected]
في عالم الطفولة، لا تُقاس الكلمات بعددها، بل بصدقها. وفي رسمة صغيرة على بطاقة، كتبت الطفلة “هنا”، ذات الخمس سنوات، عبارة “أحبك كثيرًا يا جدي”، واحتضنتها برسمٍ بسيطٍ لكنه عميق، يختصر كل ما لا تستطيع قوله بالكلام.
على غلاف البطاقة، رسمت قلبًا كبيرًا، بداخله وجه جدها، وكتبت اسمها “هنا” بأحرف كبيرة، كما لو أنها توقّع على حبها. وحين تُفتح البطاقة، تظهر صورة الجد بكامل هيئته، مبتسمًا، و”هنا” تعانقه بذراعيها، وقد احمرّت وجنتاها خجلًا وفرحًا. ألصقت قلبًا صغيرًا بجانب الرسم، لتختم به وعدًا طفوليًا بالحب الأبدي.
هذه البطاقة ليست مجرد ورقة، بل وثيقة وجدانية، تُظهر كيف يستطيع الطفل أن يُعبّر عن مشاعره العميقة من خلال الفن. إنها مثال حيّ على أن التعبير الفني للأطفال ليس ترفًا، بل ضرورة تربوية ونفسية، تسمح لهم ببناء عالمهم الداخلي، والتواصل مع من يحبونهم بلغة تتجاوز الكلمات.
قلب هنا
في صباحٍ دافئ، جلست “هنا” ذات الخمس سنوات على الأرض، تحيط بها أقلام التلوين، وأوراق بيضاء تنتظر أن تتحوّل إلى شيءٍ جميل. كانت تفكر في جدها، ذلك الرجل الذي يضحك من قلبه حين يراها، ويحضنها كما لو أنها كنزه الوحيد.
أمسكت قلمًا أحمر، ورسمت قلبًا كبيرًا. ثم داخل القلب، رسمت وجه جدها: عينان صغيرتان تضحكان، وفمٌ مبتسمٌ كأنه يقول لها “أنا أحبك”. فوق القلب، كتبت اسمها “هنا”، وكأنها تقول: “هذا القلب مني، أنا”.
على جانبي القلب، كتبت بخطها الطفولي: (بالألبانية) “Të Dua Shumë” — “أحبك كثيرًا”. لم تكن تعرف كيف تُعبّر أكثر، فالرسم والكلمات كانا كل ما تملك.
لكن حين فتحت البطاقة، أرادت أن تقول شيئًا أكبر. رسمت جدها واقفًا، مبتسمًا، بذراعين مفتوحتين. ثم رسمت نفسها، خجولة، وقد احمرّت وجنتاها، تعانقه بشدة، وتضغط عليه بذراعيها الصغيرتين. كتبت على شريط يلتف حولهما: (بالألبانية) “Të Dua Shumë Gjishi”- “أحبك كثيرًا يا جدي”، وألصقت قلبًا صغيرًا بجانبه، كأنها تختم حبها بختمٍ لا يُمحى.
كانت تلك البطاقة أكثر من ورقة. كانت وعدًا، وحنينًا، ورسالة حب لا تُترجم إلا بلغة الطفولة.
الخاتمة
إن قصة “هنا” وبطاقتها الحمراء ليست مجرد حكاية لطيفة تُروى، بل هي مرآة صادقة تعكس أعماق اللغة الفنية الصامتة لدى الطفل. لقد ألصقت “هنا” قلبًا صغيرًا بجانب رسمتها، وكأنها تقول: “وعدي بالحب هذا لن يُمحى”. هذا القلب الصغير الذي رسمته على الورق هو في الحقيقة نبضٌ حقيقيٌّ من روحها، دليلٌ لا يقبل الشك على أن المشاعر العظيمة يمكن أن تُختزل في أبسط الأشكال والألوان.
من منظور علم النفس والتربية الفنية، يمثل تعبير الطفل الفني ما يسميه الباحثون “النص غير المنطوق”؛ فكل خط ولون وشكل يمثل محاولة لبناء وتجسيد عالمه الداخلي وفهم محيطه. إن واجبنا كتربويين وآباء هو ألا ننظر إلى هذه الرسومات باعتبارها “شخبطة”، بل كمخطوطات شخصية ثمينة. يجب أن نوفر المساحة الآمنة للأقلام والألوان، لأننا بذلك نمنح الطفل “نافذة للروح” يعبّر منها عما يعجز لسانه عن قوله، سواء كان حباً جارفاً أو خوفاً مكتوماً أو حتى سؤالاً وجودياً صغيراً.
لذلك، حين نرى طفلًا يمسك قلمًا ويرسم، يجب أن نتذكر دائمًا أننا أمام “وثيقة وجدانية” تنتظر من يقرأها بعمق. إنها دعوة لنا لنكف عن تقييم الرسم بجمالياته البصرية، ونبدأ في قراءته بصدقه العاطفي. دعوا الأقلام تسقط، ودعوا القلوب ترسم؛ لأن في هذه الرسومات البسيطة تكمن كل الحقيقة التي لا يمكن للكلمات الكبيرة أن تحملها.
إلى حفيدتي هنا الحبيبة (بقلم: أ. د. بكر إسماعيل الكوسوفي)
عندما ترسمينني بقلب يفيض بالحب والاهتمام،
أشعر بأني الأكثر حبًا، والأكثر تميزًا في هذا العالم.
كلماتك “أحبك” تدفئ قلبي في كل مرة،
وعناقك هو أجمل هدية يمكن أن أتلقاها.
أنت نوري، أنت أجمل ما في حياتي،
في كل رسمة ترسمينها، أزهر فرحًا وسعادة.
شكرًا لك يا هنا على حبك النقي الطاهر،
جدك يحبك إلى الأبد، بلا حدود.
– فوش كوسوفا: 28/11/2025 م
تحليل أدبي نقدي موسع لقصيدة “إلى حفيدتي هنا الحبيبة” للأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
مقدمة:
تقف القصيدة الموجهة من الأجداد إلى الأحفاد على أرضية عاطفية إنسانية خصبة، فهي تجسيد للامتداد والحب الذي يتخطى حدود الزمن. قصيدة “إلى حفيدتي هنا الحبيبة” للأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي لوحة شعرية تنبض بالمشاعر الجياشة والحكمة المكتسبة، حيث يتحول الحفيد من كائن عائلي إلى مصدر للإلهام واستمرار للحياة والمعنى. يأبى الشاعر في هذه القصيدة إلا أن يخلد هذه العلاقة الفريدة، من خلال رؤية نقدية تلامس أغوار النفس البشرية وتكشف عن الأبعاد الفلسفية للوجود من خلال عيني طفلة.
أبرز السمات الأسلوبية:
1. اللغة الشاعرية المكثفة: يستخدم الشاعر لغة موحية وغنية بالمجازات والاستعارات، مما يمنح النص بعداً جمالياً عميقاً. فالحفيدة ليست مجرد طفلة، بل هي “نغمة في سماء العمر” و”وردة أزهرت في الصدر”، مما يحول المشاعر المجردة إلى كائنات حية محسوسة.
2. التكرار كتقنية موسيقية ودلالية: يبرز أسلوب التكرار بشكل لافت، خاصة في كلمة “هنا” التي لا تشير فقط إلى اسم الحفيدة، بل تتحول إلى نداء وجودي، وإلى مكان جميل في قلب الجد (“هنا… وردتي”). هذا التكرار يخلق إيقاعاً داخلياً هادئاً، يشبه ترديد اسم شخص عزيز، ويعمق الشعور بالحنين والتعلق.
3. البنية التركيبية المقتضبة: اعتمد الشاعر على جمل قصيرة ومكثفة، تشبه الهمسات أو الخواطر المتتالية. هذه البنية تعكس تدفق المشاعر العفوي وغير المكترث بالزخارف اللغوية المعقدة، مما يجعل القصيدة أقرب إلى القلب وأسهل للاستيعاب، مع احتفاظها بعمقها المعنوي.
4. توظيف الرمزية: الحفيدة “هنا” هي رمز للبراءة، والبداية الجديدة، والأمل. هي “الضوء” الذي يبدد ظلمة الوحدة أو الشيخوخة. هذه الرمزية تربط الشخصي بالكوني، فالحفيدة تصبح تجسيداً لدورة الحياة الجميلة واستمرار الجنس البشري.
5. الحوارية العاطفية: القصيدة مكتوبة على شكل خطاب مباشر من الجد إلى الحفيدة (“إلى حفيدتي…”). هذا الأسلوب الحواري يخلق علاقة حميمة جداً بين المتحدث والمخاطب، ويجعل القارئ شاهداً على هذا الحوار الوجداني الخالص، وكأنه يقرأ رسالة حب سرية.
الفكرة المركزية في القصيدة:
الفكرة المركزية للقصيدة هي تجسيد الحفيدة كمصدر للبعث الروحي والمعنى الوجودي في حياة الجد. فهي ليست مجرد منحة بيولوجية، بل هي منحة معنوية:
• مصدر للجمال: (“وردتي”، “نغمة جميلة”).
• مصدر للضوء والأمل: (“الضوء الذي يملأ حياتي” – متضمن في المعنى).
• جسر إلى الماضي والمستقبل: فهي تحمل ذكريات الماضي (“تهمسي بأسرار الأجداد”) وتبشر بمستقبل مشرق.
• تذكير بجوهر الحياة: براءتها تذكر الجد ببساطة الحياة وجمالها الذي قد يغيب عنا في زحام المشاغل.
تقييم الأثر الأدبي والثقافي:
تمتلك هذه القصيدة، ومثلها من النصوص التي تمجد العلاقات الأسرية العميقة، أثراً متعدد الأبعاد:
1. على الصعيد الأدبي:
• إثراء الأدب العاطفي: تقدم نموذجاً راقياً للأدب العاطفي الذي يتجاوز علاقة العشاق إلى علاقات أسرية أعمق، مثل علاقة الجد بالحفيد، مما يوسع من دائرة المواضيع الشعرية.
• توثيق لحظة إنسانية خالدة: تعمل القصيدة كوثيقة أدبية تؤرخ لعلاقة إنسانية شبه عالمية، مما يمنحها طابعاً كلاسيكياً يتجاوز حدود الزمان والمكان.
2. على الصعيد الفكري والثقافي:
• تكريس لقيم العطاء العاطفي بين الأجيال: في عصر يتسم بالتفكك الأسري أحياناً، تؤكد القصيدة على قوة ومتانة الرابط بين الأجداد والأحفاد، مشيرة إلى أن هذه العلاقة مصدر للقوة النفسية لكلا الطرفين.
• نظرة فلسفية للشيخوخة: تقدم القصيدة نظرة إيجابية للشيخوخة، ليس كمرحلة انحدار، بل كمرحلة تمكن من الحكمة والعطاء العاطفي العميق، حيث يجد الإنسان “خلوده” في أحفاده.
• إحياء للذاكرة الجمعية: الإشارة إلى “أسرار الأجداد” تربط الحفيدة بتراثها وتاريخها العائلي، مما يعزز الشعور بالهوية والانتماء.
3. على الصعيد العلمي (النفسي والاجتماعي):
• توافق مع الدراسات النفسية: تؤكد العديد من الدراسات على الأثر النفسي الإيجابي العميق للعلاقة بين الأجداد والأحفاد على صحتهم النفسية وطول عمرهم. القصيدة تعبر فنيًا عن هذه الحقائق العلمية.
• تشجيع على التواصل الأسري: تحث القصيدة، بشكل غير مباشر، على تعزيز هذه الروابط وعدم إهمالها في ظل نمط الحياة السريع، مما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية للمجتمع ككل.
خاتمة:
“إلى حفيدتي هنا الحبيبة” ليست مجرد كلمات ينظمها جد لحفيدته، بل هي ابتهالة شعرية تخلق عالماً موازياً من الحب الخالص. إنها قصيدة تذكرنا بأن أعظم الإبداعات هي تلك التي تنبع من أبسط وأصدق المشاعر الإنسانية. عبر لغتها المكثفة وأسلوبها العاطفي الصادق، تنجح القصيدة في أن تكون مرآة تعكس أعمق مشاعر القلب البشري نحو الاستمرار والأمل، مؤكدة أن الحفيد هو الدرة التي تتوج حياة الإنسان، والورقة الأجمل في سفر عمره. وبذلك، تترك القصيدة أثراً أدبياً وفكرياً باقياً، يشبه ذلك الأثر الذي تتركه الحفيدة في قلب جدها.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]



















