مراد وهبة… سيرة عقل مصريّ عاش للوطن والفكر
تعرفتُ على الدكتور مراد وهبة للمرة الأولى في نقابة الصحفيين، ثم في صالون الفلسفة بالزمالك؛ ذلك الصالون الفكري الذي كان يُدار في منزل أحد الفلاسفة، وقد غاب اسمه عن الذاكرة وبقي أثر المكان والحوار حاضرًا بقوة. لم تكن تلك معرفة عابرة، بل بداية صلة فكرية وإنسانية امتدت سنوات؛ إذ صار التواصل بيننا قائمًا، وكلما كان للدكتور وهبة لقاء فكري أو حوار مفتوح، كنت من المدعوين. وكان آخر لقاء جمعني به منذ سنوات في صالون محمد نوار بمنطقة فيصل، حيث ظل، كعادته، حاضرًا بعقله المتقد، وهدوئه العميق، وإيمانه بالحوار بوصفه فعل معرفة لا استعراض رأي.
منذ تلك اللقاءات الأولى، بدا مراد وهبة أكثر من فيلسوف أكاديمي؛ بدا إنسانًا يعيش الفلسفة، ويؤمن بأن الفكر ممارسة يومية، وبأن العقل مسؤولية وطنية، لا ترفًا ذهنيًا. وقد كان ناصريَّ الهوى، ينتمي بوضوح إلى جيل الطليعة الذي أسسه جمال عبد الناصر، جيل رأى في الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتحرر الفكري مشروعًا واحدًا لا ينفصل.
وُلد الدكتور مراد وهبة جبران في 13 أكتوبر 1926 بمحافظة أسيوط، ونشأ في بيئة علمية مبكرة الوعي بالمعرفة. درس الفلسفة، وحصل على الدكتوراه عام 1959، ثم انطلق في مسيرة أكاديمية وفكرية طويلة، عمل خلالها أستاذًا للفلسفة بجامعة عين شمس، وترأس قسم الفلسفة بها، كما درّس في جامعات خارج مصر، وشارك في مؤتمرات وندوات عالمية، جعلته على تماس مباشر مع الفكر الغربي المعاصر، من دون أن يفقد انحيازه للواقع المصري والعربي.
لم يكن مراد وهبة فيلسوفًا منغلقًا في برجه الأكاديمي، بل كان مثقفًا عضويًا، يرى أن وظيفة الفلسفة هي تفكيك الواقع، وكشف آليات التخلف، والدفاع عن العقل في مواجهة الخرافة والتطرف. ولهذا ارتبط اسمه بمشروع التنوير والعقلانية، وبالدفاع الصريح عن حرية التفكير، وفصل الديني عن السياسي، لا عداءً للدين، بل إنقاذًا له من التوظيف الأيديولوجي.
انشغل وهبة مبكرًا بقضية ابن رشد، ورأى فيه رمزًا للعقل العربي الذي أُقصي، فحمل مشروعه في الدفاع عن العقل النقدي، مؤمنًا بأن أزمتنا ليست في الدين، بل في طريقة فهمه، وليست في التراث، بل في تقديسه دون مساءلة. وكان يؤكد دائمًا أن جرثومة التخلف تكمن في تعطيل العقل، وتحويل اليقين إلى سلاح ضد التفكير.
وقد انعكست هذه الرؤية في مؤلفاته العديدة، التي تحتاج وحدها إلى دراسات ومجلدات، لما تحمله من عمق فلسفي وارتباط مباشر بالواقع، ومن أبرزها:
المذهب في فلسفة برجسون
محاورات فلسفية في موسكو
مدخل إلى التنوير
الأصولية والعلمانية
جرثومة التخلف
ملاك الحقيقة المطلقة
سلطان العقل
المعجم الفلسفي
رباعية الديمقراطية
في هذه الكتب، لا يكتب مراد وهبة من موقع المحايد البارد، بل من موقع المثقف المنحاز للإنسان، وللوطن، ولحق المجتمع في التفكير الحر. وقد ظل، حتى سنواته الأخيرة، حاضرًا في الصالونات الثقافية، محاورًا صبورًا، عاشقًا للحياة، قريبًا من الناس، مؤمنًا بأن الفلسفة لا تُلقَى من فوق، بل تُعاش بين البشر.
رحل الدكتور مراد وهبة في 7 يناير 2026، عن عمر ناهز التاسعة والتسعين عامًا، بعد رحلة طويلة من العطاء الفكري والإنساني. وبرحيله، فقدت مصر واحدًا من أنقى عقولها التنويرية، وأحد الذين دافعوا عن العقل في زمن الالتباس، وعن الوطن في زمن الانقسام.
إن تجربة مراد وهبة في الحياة، والسفر، والسياسة، والعلم، والتأليف، لا تختزل في كتاب أو مقال؛ فهي تجربة تاريخ وعطاء ووطنية، وتجربة حب عميق لمصر والمصريين. وسيظل اسمه علامة فارقة في مسار الفلسفة المصرية المعاصرة، وشاهدًا على أن الفكر حين يقترن بالشجاعة، يصبح فعل مقاومة، وأن الفيلسوف حين يحب وطنه، يكتب له بالعقل ما لا تكتبه الشعارات.
__
الصورة تجمع الدكتور مراد وهبه،الدكتورة منى أبو سنة أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس
صالون نوار الثقافي



















