دعد عبد الخالق /أمي وأيلول

اليوم

0
الأسبوع

0
الشهر

0
السنة

0
الإجمالي

0

أُمِّي وَأَيْلُولُ…
كُنْتِ تَزْدَحِمِينَ بِالحَيَاةِ في هٰذَا الشَّهْرِ،
كَأَنَّ أَيْلُولَ خُلِقَ لِيُشْبِهَكِ.
الأَوْرَاقُ الصَّفْرَاءُ كَانَتْ تَتَسَاقَطُ في الطُّرُقَاتِ،
وَأَنْتِ مُنْشَغِلَةٌ بِالمُؤُونَةِ،
تَتَنَقَّلِينَ بَيْنَ الكَبِيسِ، وَالكِشْكِ، وَالمُرَبَّيَاتِ،
وَلَا سِيَّمَا مُرَبَّى المُشْمِشِ،
ذٰلِكَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ طَعْمٌ
إِلَّا مَعَكِ.
كُنْتِ تَتْرُكِينَ المَرْبَّى
لِيَجِفَّ عَلَى السَّطْحِ
تَحْتَ شَمْسِ أَيْلُولَ الدَّافِئَةِ،
وَنَحْنُ – أَنَا وَأَخِي وَأُخْتِي –
نَصْعَدُ خِلْسَةً،
نَغْمِسُ المَلَاعِقَ وَنَأْكُلُ،
وَكُلٌّ مِنَّا يَظُنُّ
أَنَّ الآخَرَ لَا يَعْلَمُ.
ثُمَّ يَنْفَدُ مُرَبَّى المُشْمِشِ
وَهُوَ مَا يَزَالُ عَلَى السَّطْحِ،
فَنَأْكُلُ عِتَابًا مِنْكِ…
وَتَضْحَكِينَ.
يَا أُمِّي،
كُلُّ الشُّهُورِ صَعْبَةٌ مِنْ دُونِكِ،
وَفِي كُلِّ شَهْرٍ لَكِ بَصْمَةٌ وَأَثَرٌ.
أَصْعَدُ إِلَى البَيْتِ
فَأَرَاكِ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ:
هُنَا كِتَابُكِ المَفْتُوحُ،
وَقَدْ وَضَعْتِ وَرَقَةَ شَجَرٍ
عَلَامَةً عَلَى الصَّفْحَةِ
الَّتِي تَوَقَّفْتِ عِنْدَهَا،
وَهُنَا مَجْلِسُكِ مَعَ زُوَّارِكِ،
حَيْثُ كَانَ صَوْتُكِ
يَمْلَأُ البَيْتَ دِفْئًا وَحَيَاةً،
وَهُنَاكِ تَمْشِينَ بَيْنَ زَرْعَاتِكِ الجَمِيلَاتِ،
تُدَلِّلِينَهُنَّ،
وَتَسْقِينَهُنَّ،
وَتُغَنِّينَ لَهُنَّ،
وَتَقُولِينَ لِي:
«هٰؤُلَاءِ يَشْعُرُونَ يَا دَعْدُ،
هُمْ أَيْضًا يَحِسُّونَ».
هٰكَذَا عَلَّمْتِنِي الحَنَانَ،
وَالشَّفَقَةَ
عَلَى كُلِّ مَا خَلَقَهُ اللهُ.
يَا أُمِّي…
يَا جَمِيلَةَ الجَمِيلَاتِ…
أَهْمِسُ لَكِ
أَنَّ اشْتِيَاقِي إِلَيْكِ
يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ
وَوَجَعُ الرُّوحِ عَلَى فِرَاقِكِ
لَمْ يَهْدَأْ،
بَلْ كَبُرَ.
ثَمَّةَ شَيْءٌ عَمِيقٌ
فِي أَعْمَاقِ القَلْبِ
لَا يَزَالُ يَبْكِي.
وَالدُّنْيَا مُوحِشَةٌ،
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا
مُمْتَلِئَةٌ بِالمُحِبِّينَ
الَّذِينَ وَضَعَهُمُ اللهُ فِي طَرِيقِي،
لَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ لِي:
رُبَّمَا أَنْتِ رَاضِيَةٌ عَنِّي يَا أُمِّي.
وَيَا رَبِّ…
اجْعَلْهَا رَاضِيَةً،
فَلَيْسَ بَعْدَ رِضَاهَا
شَيْءٌ.

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x