جنان خريباني، مثقفة لبنانية تنتمي إلى ذلك الطراز النادر الذي يزاوج بين الصرامة المهنية ودفء الروح، وبين الإدارة التربوية والوجدان الشعري. حاصلة على درجة الماجستير في الإدارة التربوية، وتشغل منصب مديرة لإحدى المؤسسات التربوية الخاصة في بيروت، إضافة إلى كونها مدرّبة تربوية لفريق العمل، بما يعكس إيمانها العميق بأن التربية رسالة إنسانية قبل أن تكون وظيفة.
شغلت خلال مسيرتها المهنية مناصب متعددة، من مديرة تنفيذية في ثانويات بيروت الخاصة، إلى منسقة رياضيات ومعلمة وناظرة، وعضوًا سابقًا في اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة ورئيسة لجنة الأساتذة، كما خاضت مجال الإعلام الثقافي مراسلةً للأخبار، في تأكيد على أن الثقافة عندها لا تنفصل عن الشأن العام.
أدبيًا، هي عضو ملتقى الشعراء العرب، ومحررة في مجلة «أزهار الحرف»، ونُشرت كتاباتها في عدد من المنابر الثقافية، من بينها جريدة الشرق اللبنانية و«أزهار الحرف» الإلكترونية. وقد صدر لها مؤخرًا ديوانها الشعري «حروف من رحيق الوجد»، كاشفًا عن حساسية لغوية وتجربة وجدانية صادقة.
خلال زيارتها الأخيرة إلى القاهرة، كان لها لقاء برئيس ملتقى الشعراء العرب، في لحظة ثقافية دافئة جسّدت المعنى الحقيقي للتواصل العربي. وقد جمعني بها لقاء قصير بصحبة الدكتورة زبيدة الفول، لكنه كان كافيًا لاكتشاف شخصية راقية، عذبة الحديث، تؤمن بالوطن والمواطنة، وبالإنسان أولًا، وترى في الثقافة جسرًا للمحبة لا خندقًا للفرقة.
تعشق مصر ووجدانها، وتستحضر رموزها الفنية، وتتفاعل مع اللحظة الثقافية بصدق وحيوية، في صورة مثقف حيّ لا يؤجل دهشته. من هنا، كان هذا الحوار، اقترابًا من تجربتها التربوية والشعرية، ومن رؤيتها للثقافة بوصفها فعل محبة وبناء، وجسرًا إنسانيًا لا تهدمه السياسة ولا تمحوه المسافات.
وإلى نص الحوار:
أولًا: البدايات والصوت الشعري
– متى شعرتِ، جنان خريباني، أن الشعر لم يعد مجرّد كتابة، بل طريقة حياة ورؤية للعالم؟
لم أنتبه للحظة التحوّل بالضبط، لكنني أدرك جيداً أن الشعر بات أنفاسي التي تستنشق عبير الكون فتتنهده حروفاً وقوافي…
– هل تتذكّرين النص الأول الذي شعرتِ أنه يشبهك حقًا؟ وماذا بقي منه في كتابتك اليوم؟
كل نصوصي تشبهني!
لا أكتب إلا عندما تفيض ذاتي بمشاعر أعجز عن احتوائها ، فأرسمها حروفاً تحاكي حزني وفرحي، راحتي وغضبي، ألمي وعافيتي….أنا أكتب ذاتي!
– إلى أي حدّ تشعرين أن حساسيتك الشخصية أسهمت في تشكيل صوتك الشعري؟
حساسيتي هي حبر قلمي، هي صوتي الصادح في فضاء الشعر، هي دقائق تأمل توازي عمراً من التجارب، دونها تصبح الحياة دون طعم أو لون!
ثانيًا: اللغة، الحب، والرهافة
– لغتك مشبعة بالحب والجمال؛ هل هو اختيار جمالي واعٍ أم انعكاس طبيعي لشخصيتك الرقيقة؟
لغتي هي امتداد لفيض الإله!
أنا أؤمن أننا خُلقنا لنتنعم بعطايا الرب، خُلقنا لنمنح الحب ونذكر جمال نعمه، فلماذا لا يكون القلم منبراً للحب والجمال؟
– كيف تحمين هذا الحسّ المرهف من قسوة الواقع دون أن ينكسر أو يتحوّل إلى عزلة؟
أحمي رهافتي بالكتابة نفسها، فحروفي هي ملجئي وملاذي الآمن من قسوة الحياة، أنا أكتب لأتعافى وأرتقي فوق آلامي..
– هل تؤمنين أن الشعر قادر على تهذيب الألم، أم أنه يعمّقه ليجعله أكثر صدقًا؟
أؤمن أن الشعر هو الإستجابة الجمالية للألم، والحروف تتراصف كلما ازداد الألم عمقاً، لتتمخض عن أصدق الكلمات.
ثالثًا: القاهرة… المدينة التي تشبه الذاكرة
– زيارتكِ إلى القاهرة بدت وكأنها عودة لا اكتشافًا؛ من أين جاء هذا الإحساس بالألفة؟
لم أشعر خلال زيارتي للقاهرة بأنها المرة الأولى؛ فقد بدا كل شيء مألوفاً لديّ، بل وكأن ذاكرتي سبقتني إلى هناك!
إذ إن قراءاتي عن تاريخ مصر ومشاهداتي التلفزيونية جعلتني أبحث عن أماكن وشوارع محفورة في الذاكرة. كانت أسماء المناطق تتوارد إلى خاطري بصوت قائلها؛ سواء في برنامج إخباري، أو وثائقي، أو فيلم سينمائي.
– كيف قرأتِ شوارع القاهرة: هل رأيتِها بعين الشاعرة أم بعين الطفلة التي تبحث عن الدهشة؟
القاهرة لا تُرى إلا بعين القلب!
قلب ينبض حباً فيستفيض وجدانه شعراً ، وفؤاد يعود طفلاً أمام عظمة ما يراه!
– هل كان لشارع الميدان، وغيره من الشوارع، حضور وجداني خاص في تجربتك هناك؟
كثيرة هي الشوارع التي قصدت زيارتها كي أقف عند تاريخها السياسي أو الوجداني. فأنا أؤمن أن للأماكن أرواح تخصها دون غيرها، ومن خلالها نستطيع أن نعيد إحياء بعض اللحظات خيالاً بكل ما تحمله من ألم أو فرح.
رابعًا: اللقاءات الثقافية وأثرها
– ماذا أضاف لكِ لقاؤك برئيس ملتقى الشعراء العرب على مستوى الوعي بالمشهد الشعري العربي؟
كان لقاءً أنيقاً وثرياً، حمل حروفي على أجنحة التكريم الذي جعلني أدرك أن الكلمة حين تجد من يحتضنها تتحول إلى وطن!
والأستاذ الشاعر ناصر رمضان، رئيس ملتقى الشعراء العرب، أثبت أن الحروف لا تحدها أوطان، وأن الشعر إذا ما وجد ‘عرّابه’ غدا محراباً لكل من كتب حروفه بحبر وجدانه!
– كيف تصفين لقائك بالشاعرة زبيدة فول؟ هل كان لقاء نصٍّ بنصّ أم روحٍ بروح؟
لقائي بالدكتورة الشاعرة زبيدة الفول كان لقاء روح لروح، وكأننا تعارفنا في نصوص سابقة ، أو ربما التقينا على متن مركب شعر هائم في مياه النيل!
– هل تشعرين أن هذه اللقاءات غيّرت شيئًا في رؤيتك للشعر أو لدور الشاعر اليوم؟
بالطبع، إن لقائي برئيس ملتقى الشعراء العرب ألأستاذ ناصر رمضان والدكتورة زبيدة الفول جعلني أشعر بأنني أغرّد ضمن سربٍ حدوده السماء! وأنني أنتمي إلى وطنٍ لا تحده المساحات، وأن الكلمة هي مفتاح القلوب وبداية السلام.
خامسًا: الفن والرموز الشعبية
– ما الذي شدّك في شخصية الفنان الكبير عادل إمام؟ أهو الفنان أم الإنسان أم ذاكرة المدينة؟
الفنان عادل إمام جزء أصيل من نشأتنا مثلما هو جزء من تاريخ مصر السينمائي العريق. هو ذلك الخليط المتماسك من الإبداع الفني والإنسان المتمرد والمواطن المصري الأصيل الذي يستقر في الذاكرة ويرسم لك طريق السفر إلى “أم الدنيا”!
– كيف ترين علاقة الشعر بالفن الجماهيري؟ وهل يمكن للبساطة أن تكون شكلًا من أشكال العمق؟
هما وجهان لعملة واحدة؛ يجمعهما الصدق ولا يفرقهما الأسلوب. فالبساطة لا تعني السطحية، والعمق ليس مرادفاً للتعقيد؛ بل أجد أن التعبير عما يختلج في وجدانكِ بلغةٍ تتجاوز حدود المفردات والحواجز الاجتماعية، هو أصدقُ التعبير وأعمقُه
– هل تركت القاهرة، بفنّها وناسها، أثرًا خفيًا في نبرة قصائدك اللاحقة؟
طبعاً، لقد حالفني الحظ أن أشاهد فيلم “الست” بناء على نصيحة الأستاذ ناصر رمضان، وقد ترك ما تركه من أثر كوني استطعت أن ألتمس كل تفاصيل الفيلم في الوطن الأم للشخصية!
ناهيك عن شعب مصرالطيب، وماء النيل وهواء الأهرامات وعظمة التاريخ وأسراره، كلها عوامل تشذب هيكل الشاعر القابع في وجدانك!
سادسًا: الأسئلة الشخصية الهادئة
– متى تشعر جنان خريباني بأنها أكثر صدقًا: أثناء الكتابة أم في الصمت؟
غالباً ما تأتي الكتابة بعد صمت طويل اختلجت فيه كل مشاعر الحب والغضب والأمل واليأس لينتج عنها أصدق الحروف.
– هل تكتبين لتقولي ما تعجزين عن قوله في الحياة اليومية؟
أكتب لأعبر عما يجول في نفسي من مشاعر فأنا أجيد رسم الحرف أكثر من نطقه.
– ما الذي تخافين عليه أكثر: قصيدتك أم قلبك؟
أخافُ على قلبي من قصيدتي أحياناً؛ فهي تُعرّي جراحي وتطرحها أمامي، لتنزف حروفاً أبكيها كلما قرأتها.
– هل هناك مدينة تشبهك أكثر من غيرها، أم أن الشعر هو مدينتك الوحيدة؟
زرتُ مدناً كثيرةً، وفي كل مدينة وجدتُ جزءاً من هويتي الشعرية، وفي كل مرة أعود فيها إلى ذاتي، أجمعُ أجزائي في سطورٍ تعيدُ بناء مدينتي!
سابعًا: المرأة، الشعر، والمستقبل
– كيف تنظرين إلى حضور الشاعرة العربية اليوم بين الصوت الإبداعي والتحديات الاجتماعية؟
باتت الشاعرة العربية اليوم أكثر وعياً بقدراتها وأكثر تأثيراً في مجتمعها، وبات حضورها انعكاساً لإرادتها في فرض كينونتها، فهي اليوم لم تعد تكتفي بالوقوف عند هوامش القبول والرفض، بل أصبحت هي من ترسم ملامح غدها، وتجمع حروفها في سطور تشبهها.
– هل تشعرين أن على الشاعرة أن تكون شاهدة، أم عاشقة، أم كليهما معًا؟
لا فرق بين أن تكوني شاهدةً أو عاشقة، لأنه وفي اللحظة التي تمتلكين فيها ذلك الإحساس المرهف، تصبحين الاثنتين معاً.
– ما الحلم الشعري الذي لم يُكتب بعد في تجربة جنان خريباني؟
أحلامي كثيرة لكن أهمها أن أحوّل حياتي وتجاربي إلى لوحاتٍ شعرية تتجاوز مفهوم القراءة العابرة لتصبح دروساً يمكن الاستفادة منها.
خاتمة حوارية
– لو طُلب منكِ أن تختصري نفسك في سطر واحد، فهل تكتبينه شعرًا أم تتركينه مفتوحًا للتأويل
سأكتب: “أنا المدائنُ التي زرتُها، والسطورُ التي رممتُ بها شتاتي، ولوحة لن تكفَّ يوماً عن النمو!”
_ماذا تحبي أن تقولي في الختام؟
في ختام هذه التجربة الثرية، أتقدم بخالص الامتنان وعميق الثناء لأسرة الملتقى، وعلى رأسها رئيسه الفاضل الأستاذ الشاعر ناصر رمضان لرعايته الكريمة لهذا المحفل الذي ارتقى بالكلمة وصان قدسية الإبداع. لقد كان وما زال احتضانكم نبراساً ينير دروب الادب والشعر، وحفاوةً ستبقى محفورةً في وجدان الحرف. كما يمتد شكري للمحاورة المتألقة، الرائعة زينب جفال، التي استنطقت بصيص المعنى برهافةٍ نادرة، وحوّلت الحوار إلى رحلةٍ فكرية غامرة بالوعي والنبل. دمتم دوماً منارةً تحتفي بالجمال وتسمو بالفكر.
***
حاورتها من لبنان زينب جفال طعّان
عضو ملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف



















