سفير الأزهر في كوسوفا
العميد المربي والشاعر الفيلسوف: قراءة في الأثر الحضاري للأستاذ الدكتور سعد ظلام
بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: [email protected]
المقدمة
“لا يكتب التلميذ عن أستاذه إلا بمداد من المحبة والاعتراف بالفضل، فكيف إذا كان الأستاذ هو القمة الشامخة، والموسوعي المتفرد، الأستاذ الدكتور سعد عبد المقصود ظلام (1934-1999) إن علاقتي بهذا العالم الجليل لم تكن مجرد علاقة طالب بعالم في أروقة كلية اللغة العربية العريقة بجامعة الأزهر، بل كانت علاقة الروح بالروح، وصناعة كائن معرفي على عين بصير متمكن.
لقد كان الدكتور سعد ظلام -رحمه الله- يمثل لي “الأب الأكاديمي”؛ فهو الذي شرفني بتقديم أول مؤلفاتي عن (تأثير اللغة العربية في اللغة الألبانية)، واضعاً بذلك حجر الأساس في مسيرتي العلمية، وفاتحاً لي آفاق التجسير بين الثقافات. ولم يقف أثره عند حدود قاعات المحاضرات، بل كان يمتلك رؤية استشرافية جعلته يناديني دوماً بـ “سفير الأزهر في البلقان”، وهي النبوءة التي تحولت بفضل الله ثم بفضل توجيهاته إلى واقع عشته سفيراً لبلادي (كوسوفا) في مصر والدول العربية، حاملاً معي “المنهج الظلامي” في الفكر والأدب والدبلوماسية.
في هذه المقالة، لا نسرد سيرة ذاتية مجردة، بل نُحلل “ظاهرة حضارية” أثرت في الحياة الفكرية والأدبية والدينية، وامتدت خيوطها لتشكل جسراً ثقافياً ودبلوماسياً يربط قلب العالم الإسلامي بأطرافه، من خلال استعراض نتاجه العلمي الرصين، وشعره الذي فاض بحب الأزهر والأمة.”
المبحث الأول: المولد والمؤهلات.
ولد الدكتور سعد عبد المقصود ظلام في 3 أكتوبر 1934 في قرية كفر الجلابطة مركز الشهداء من محافظة المنوفية،
وعندما بلغ الثالثة من عمره ألحقه والده بكتاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم كاملاً، ثم التحق بمعهد القاهرة الأزهري، ثم بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة.
حصل سعد ظلام على شهادة العالمية سنة 1960 ثم العالمية مع إجازة التدريس سنة 1961، ثم حصل على درجة الماجستير ثم الدكتوراه في الأدب والنقد من نفس الكلية عام 1972 عن “الحكاية على لسان الحيوان في شعر شوقي.
عمل مدرساً بالمعاهد الأزهرية منذ التخرج وحتى حصوله على الدكتوراه، فتدرج في الدرجات العلميةعمل عضو بهيئة التدريس بكلية اللغة العربية. وشغل منصب عميد كلية اللغة العربية، ثلاث فترات متتالية بدءاً من عام 1984 وحتى عام 1990، ثم عاد لعمادة الكلية عام 1996 بعد عودته من إعارة خارج البلادحيث عمل بجميع دول الخليج ما عدا البحرين.
المبحث الثاني: المناصب والإنتاج العلمي.
أولاً: الأثر العلمي والأكاديمي (بناء المؤسسة وتأصيل المنهج)
لقد تجاوز الأستاذ الدكتور سعد ظلام كونه أستاذًا للأدب والنقد؛ إذ كان “مؤسسًا” لمنهجية أكاديمية تجمع بين الأصالة والمعاصرة. ومن خلال كتابيه “مناهج البحث الأدبي” و”الظواهر الفنية في الشعر الجاهلي”، وضع ضوابط علمية دقيقة تمنع الانفلات النقدي.
لم تكن عمادته لكلية اللغة العربية لثلاث فترات متتالية مجرد منصب إداري، بل كانت “حقبة إصلاحية” بامتياز، استطاع خلالها ضبط البوصلة العلمية للكلية، وتطوير مناهج اللغة العربية والتربية والتعليم، مما جعل أثره يمتد من أروقة الجامعة إلى المدارس العامة في مصر والعالم العربي، لا سيما في سلطنة عمان التي شهدت إنتاجًا علميًا غزيرًا له.
ثانياً: الأثر الفكري والديني (الإسلام الأبيض والمواجهة الحضارية)
كان الدكتور سعد ظلام مفكرًا إسلاميًا يمتلك رؤية ثاقبة في قضايا “صراع الحضارات” و”الحوار مع الآخر”. ويبرز كتابه “رجاء جارودي وإسلام أبيض” قدرته الفذة على تحليل الفكر الغربي الوافد واحتوائه إسلاميًا.
لقد أثرى من خلال عضويته في مجمع البحوث الإسلامية والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الفكر الديني بخطاب يتسم بالوسطية والعمق، محولاً المفاهيم الدينية من نصوص جامدة إلى طاقة فكرية فاعلة في المجتمع.
ثالثاً: الأثر الشعري والأدبي (تطويع الرمز وإحياء المسرح)
في ديوانه “أدواح وأعاصير” و”القافلة تسير”، لم يكن ظلام شاعرًا تقليديًا، بل كان “فيلسوفًا شعريًا”. أثره في الحياة الأدبية يتجلى في:
1. توظيف الرمز: كما في دراسته الرائدة “الحكاية على لسان الحيوان”، حيث استنطق التراث لخدمة قضايا العصر.
2. المسرح الشعري: من خلال موازنته بين شوقي وعزيز أباظة، أعاد الاعتبار لهذا الفن الصعب، مما ألهم أجيالًا من الشعراء الشباب للجمع بين الدراما والقافية.
رابعاً: الأثر الثقافي والدبلوماسي (سفير اللغة وخطيب المنبر)
تجاوز تأثيره الحدود الجغرافية المصرية؛ فعمله في دول الخليج العربي وتمثيله للأزهر في المحافل الدولية جعله “دبلوماسيًا ثقافيًا”. لقد كان وجهًا مشرقًا للأزهر، ينشر اللغة العربية لا كقواعد جافة، بل كوعاء للقيم والحضارة.
أما أثره الإعلامي عبر أكثر من ثلاثة آلاف برنامج وحديث إذاعي، فقد جعل من الثقافة الرفيعة مادة مستساغة لعامة الناس، محققًا بذلك “ديمقراطية الثقافة” دون الهبوط بمستواها.
خامساً: الأثر السياسي والاقتصادي (منظور استراتيجي)
رغم صبغته الأكاديمية، إلا أن وجوده في المجالس القومية المتخصصة كان يضفي صبغة القيم على السياسات العامة. كان يؤمن أن النهوض الاقتصادي والسياسي لا ينفصل عن الهوية الثقافية واللغوية. فاستقرار الأمة في نظره يبدأ من استقرار لسانها وفكرها، وهو ما كان يطرحه كمرتكزات للأمن القومي العربي.
المبحث الثالث: تحليل كتاب “من الظواهر الفنية في الشعر الجاهلي”.
عبقرية التراث ومنهجية التجديد
يُمثل كتاب “من الظواهر الفنية في الشعر الجاهلي” الصادر عام 1984م، حجر الزاوية في المشروع الفكري للأستاذ الدكتور سعد ظلام. في هذا المؤلف، لم يقف الدكتور سعد موقف الشارح التقليدي، بل وقف موقف الناقد الفيلسوف الذي يسعى لاستنطاق النص الجاهلي واستكشاف كوامنه الجمالية. إن هذا الكتاب ليس مجرد دراسة في الأدب القديم، بل هو بيان منهجي يربط بين أصالة الجذور وبين أدوات النقد الحديث، مع الحفاظ على روح الهوية الإسلامية والعربية التي تشكل وجدان هذا العالم الأزهري الكبير.
التحليل الأدبي والنقدي للمحتوى:
1. المنهجية والرؤية (القضية والمنهج):
اعتمد الدكتور سعد ظلام في كتابه منهجاً تكاملياً؛ حيث تتبع “الظاهرة الفنية” ليس كقالب جامد، بل كعملية إبداعية حية. ناقش قضايا شائكة مثل “ظاهرة الانتحال” برؤية نقدية متزنة، تفند الشكوك المبالغ فيها وتنتصر للحقائق التاريخية والجمالية للنص العربي، مؤكداً أن الشعر الجاهلي هو الوثيقة الفنية الأصدق لإنسان الجزيرة العربية.
2. الظاهرة الطللية: من البكاء إلى الفلسفة:
حلل الدكتور ظلام “الظاهرة الطللية” (الوقوف على الأطلال) تحليلًا يتجاوز الوصف المادي، معتبراً إياها ظاهرة فنية تعكس فلسفة العربي تجاه الزمن والفناء والخلود. لقد استطاع برهافة حسه الشاعري أن يربط بين البنية الفنية للقصيدة وبين السيكولوجية الجماعية للأمة.
3. ظاهرة اللغة والأداة الإبداعية:
ركز الكتاب على “اللغة الأدبية” واعتبرها ظاهرة فنية في حد ذاتها، مبرزاً أثر الثقافة العامة للشاعر في العملية الإبداعية. وهنا تظهر بصمة الدكتور سعد الأكاديمية في توضيح كيف يتحول المخزون المعرفي للشاعر إلى صورة فنية مبتكرة، وهو ما يفسر لنا لاحقاً سر براعته هو نفسه كشاعر ملهم.
تقييم أثر الكتاب وصاحبه على المناحي المختلفة:
الأثر العلمي والتاريخي:
يعد الكتاب مرجعاً أكاديمياً لا غنى عنه للباحثين؛ إذ قدم تصحيحاً لكثير من المفاهيم التاريخية حول الأدب الجاهلي، معتمداً على استقراء علمي رصين يجمع بين فقه اللغة والتاريخ الحضاري.
الأثر الأدبي والشعري:
أعاد الدكتور سعد الاعتبار للقيم الجمالية في الشعر القديم، مما أثر في ذائقة جيل كامل من طلاب كلية اللغة العربية، ومنهم الدكتور بكر إسماعيل، حيث علمهم أن الشعر ليس مجرد نظم، بل هو “ظاهرة فنية” متكاملة الأركان.
الأثر الفكري والثقافي:
ساهم الكتاب في ترسيخ “الأصالة الثقافية” في مواجهة محاولات التشكيك في التراث. لقد كان الدكتور سعد ظلام بسيرته ومنتجه الثقافي سداً منيعاً يحمي الهوية الثقافية العربية من الاستلاب.
الأثر الديني:
باعتبار الشعر الجاهلي ديوان العرب وأداة فهم غريب القرآن ومنازع الكلام، فإن دراسة الدكتور سعد الفنية خدمت النص القرآني بطريقة غير مباشرة، من خلال إثبات علو كعب اللغة التي نزل بها الوحي.
الأثر السياسي والدبلوماسي (سفير الأزهر في البلقان):
هنا يتجلى الرابط الفريد مع تلميذه الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي؛ فالفكر الرصين الذي بثه الدكتور سعد في كتبه كان هو السلاح الثقافي الذي حمله الدكتور بكر إلى البلقان. إن تسمية الدكتور سعد لتلميذه بـ “سفير الأزهر” لم تكن مجرد نبوءة، بل كانت تكليفاً بأن تكون هذه الروح العلمية والأدبية هي “القوة الناعمة” التي تمثل الإسلام والأزهر دبلوماسياً وفكرياً في أوروبا الشرقية.
في النهاية نقول إن كتاب “من الظواهر الفنية في الشعر الجاهلي” سيظل شاهداً على عبقرية الأستاذ الدكتور سعد ظلام؛ العالم الذي لم يحبس نفسه في صومعة الماضي، بل استلهم من الماضي روحاً أضاء بها حاضر أمته. إن وفاء الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي لأستاذه، وحرصه على إبراز هذا الأثر، هو خير دليل على أن مدرسة “سعد ظلام” لم تكن مدرسة حروف، بل كانت مدرسة بناء إنسان، وقائد فكر، وسفير حضارة.
المبحث الرابع: الأزهر في وجدان الشاعر.. قراءة في “أدبيات الانتماء” عند الدكتور سعد ظلام
لم يكن الأزهر الشريف في نظر الأستاذ الدكتور سعد ظلام مجرد مؤسسة تعليمية قضى فيها عقوداً من عمره طالباً وأستاذاً وعميداً، بل كان “قبلةً فكرية” و”محيطاً روحياً” يستمد منه مداد شعره وقوة بيانه. في هذا الفصل، نُحلل كيف استطاع الدكتور سعد أن يمزج بين عاطفة التلميذ المحب، وبين رصانة العالم الناقد، ليقدم صورة أدبية فريدة للأزهر في قصائده، وهي المشاعر ذاتها التي غرسها في نفوسنا نحن تلاميذه، حتى غدونا نحمل الأزهر في قلوبنا أينما ارتحلنا.
قصائد الدكتور سعد في حب الأزهر الشريف:
أحبابَنا.. إنى أتيتُ وبِي هوى … وفؤادي الحاني أتَى يستافُ
تتعانقُ الآمالُ بين جَوانحي … وتُغرِّدُ الأطْيارُ والأطْيافُ
يا مرحبًا بالمسلمين يضمُّهُم … في قبلتيْه «الأزهرُ» المضيافُ
نادى فلبَّى الصادِقون وأحْرموا … وسَعَوُا له مثل الحجيج وطافوا
ويقول أيضا في نفس القصيدة:
يا أزهرَ الأمجادِ يا مَهْدَ السَّنا … يا خيرَ ما أبقى لنا الأسلافُ
طُوبى لِعُمرك في الوجود مُخلَّدا … يا كم تُقاس بِعُمرك الآلافُ
جاهدتَ كالمصباحِ أقبيةَ الدُّجى … وزرعتَ فيها النورَ وهى عجافُ
مرَّت عليك الحادثاتُ ولم تهِنْ … حتى طواها السيرُ والتطواف
وفي مطولة يهديها إلى الأزهر الشريف في ألف عام مضت يقول فيها :
ألفٌ مضيْنَ وأنتَ فينانُ الذُّرى … تهبُ الحياةَ حياتَها والأعْصُرا
مرَّتْ عليك وما انحنت لك هامةٌ … كلَّا ولا ألقُ المعارف قصَّرا
ما زلْتَ عِملاقًا تقاصرَ دُونَه … همُّ الزمانِ وما بها قد سطّرا
التحليل الأدبي والنقدي للقصائد:
1. تجليات القبلة والضيافة (قصيدة الطريق):
في قوله: “يا مرحبًا بالمسلمين يضمُّهُم.. في قبلتيْه الأزهرُ المضيافُ”، نجد الدكتور سعد يستخدم لغة “دبلوماسية روحية”. فهو لا يرى الأزهر مكاناً مصرياً فحسب، بل يراه “قبلة ثانية” للعلم تجذب المسلمين من شتى بقاع الأرض.
• نقدياً: استعار الشاعر لفظ “الإحرام” و”الطواف” في وصف حضور العلماء، وهو توظيف فني بارع لنقل صفة “القداسة” من الشعيرة الدينية إلى الرحلة العلمية، مما يؤكد أن طلب العلم في الأزهر هو نوع من العبادة والجهاد.
2. صمود الرمز وعراقة التاريخ:
في أبيات المطولة: “ألفٌ مضيْنَ وأنتَ فينانُ الذُّرى”، يبرز التمكن اللغوي في استخدام لفظ “فينان” (وهو الغصن الطويل الحسن)، ليصف الأزهر بالشجرة الوارفة التي لا تذبل برغم مرور الألف عام.
• جمالياً: يبرز هنا “عنصر التحدي” في قوله: “مرَّت عليك الحادثاتُ ولم تهِنْ”. الشاعر هنا يوثق تاريخياً صمود الأزهر أمام الاستعمار والفتن، محولاً المؤسسة إلى “بطل تراجيدي” ينتصر دائماً في نهاية المعركة، وهو ما يعكس قوة العقيدة وثبات المنهج.
3. النور في مواجهة العجاف:
استخدام صورة “المصباح” وصورة “السنين العجاف” المستلهمة من النص القرآني في قوله: “وزرعتَ فيها النورَ وهى عجافُ”، يدل على أن شعر الدكتور سعد هو شعر “عالم” متمكن من أدواته التراثية، يعرف كيف يطوع القصة القرآنية لخدمة المعنى الشعري المعاصر.
تقييم أثر القصائد وصاحبها على المناحي المختلفة:
• الأثر الفكري والديني: رسخت هذه القصائد مفهوم “الوسطية الأزهرية” كحامي للأمة من “أقبية الدجى” (الفكر المتطرف)، وأكدت على الدور الريادي للأزهر كمرجعية وحيدة تجمع المسلمين.
• الأثر الأدبي والشعري: أعاد الدكتور سعد للقصيدة “المناسبة” هيبتها وفنيتها، فقصائده في المحافل لم تكن مجرد نظم عابر، بل كانت قطعاً أدبية محكمة البناء، رفعت من مستوى الذائقة الأدبية في الوسط الأزهري.
• الأثر العلمي والتاريخي: تعتبر هذه القصائد وثائق تاريخية سُجلت في لحظات فارقة (مثل مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية)، وهي تؤرخ للدور القومي والوطني للأزهر الشريف.
• الأثر السياسي والدبلوماسي: هنا يبرز دور “سفير الأزهر”. لقد كانت قصائد الدكتور سعد ظلام “بيانات دبلوماسية” بلغة الشعر، استطاعت تقريب وجهات النظر بين وفود العالم الإسلامي. وهذا الأثر هو ما نلمسه في مسيرة الدكتور بكر إسماعيل، الذي تشبع بهذه الروح الدبلوماسية الأزهرية، فكان خير تمثيل للأزهر في البلقان وفي عمله الدبلوماسي، محولاً “الحب الشعري” للأزهر إلى “فعل دبلوماسي” يخدم قضايا الأمة.
في النهاية نقول إن قصائد الدكتور سعد ظلام في الأزهر لم تكن مجرد كلمات، بل كانت “منهج حياة” نقله لتلاميذه بصدق ويقين. لقد علمنا أن حب الأزهر هو جزء من حب الدين وحب الوطن، وأن الدفاع عن عرينه بالكلمة الرصينة والشعر العذب هو أسمى آيات الوفاء. سيبقى الدكتور سعد ظلام “صوت الأزهر الشاعري” الذي لم يضعف، وسيبقى تلاميذه “أصداءً” وفية لذلك الصوت في كل محفل ودولة.
المبحث الخامس: الجهاد القلمي والتواصل الحضاري: قراءة في إشادة الأستاذ الدكتور سعد عبد المقصود ظلام بتلميذه الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
في إطار العلاقة المتينة التي تجمع الأستاذ بتلميذه، والتي تتجاوز حدود القاعة الدراسية إلى فضاء الهم المشترك والجهاد العلمي والفكري، تأتي شهادة الأستاذ الدكتور سعد عبد المقصود ظلام – عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر – في حق الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، لتُقدِّم نموذجاً حياً لخلافة العلم واتصال الحلقات في مسيرة الدفاع عن الهوية الإسلامية وقضايا الأمة. لا تمثل هذه الشهادة مجرد ثناء أكاديمي تقليدي، بل هي وثيقة تحليلية تُبرز كيف يمكن للعلم الأزهري الأصيل أن يتحول إلى مشروع حياة متعدد الأبعاد: علمياً، وإعلامياً، وسياسياً، ودبلوماسياً. هذا الفصل يُحلِّل السرد الذي قدَّمه الأستاذ العميد، كاشفاً عن الطبقات المعرفية والاستراتيجية العميقة الكامنة في توصيفه لتلميذه، والذي يظهر الدكتور إسماعيل ليس كباحث لغوي فحسب، بل كدبلوماسي ثقافي وجِسْرٍ حي بين الحضارتين العربية والإسلامية والعالم الألباني والأوروبي.
السرد المُحرَّر والمُنسَّق
يقول الأستاذ الدكتور سعد عبد المقصود ظلام، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، عن تلميذه الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي:
“الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، الذي تخرَّج في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، هو شخصية غنية عن التعريف. فهو عضو فعال في مجالات كثيرة، إعلامية وعلمية، ونشاطه يغطي أصعدة متعددة؛ داخل كوسوفا، وفي مصر، وفي أوساط العالم الإسلامي، وكذلك في العالم الغربي، حيث يؤدي أدواراً متعددة كممثل ومندوب وعضو ومحاضر وباحث.
لقد سخَّر الدكتور إسماعيل نفسه وقلمه دفاعاً عن قضايا المسلمين، بدءاً بقضية البوسنة والهرسك، ومروراً بقضية كوسوفا بلده ووطنه الأم. وهو، بفضل ارتباطه الوثيق بهذا الثراء العاطفي والإيماني للإسلام، قد احتشد وكرَّس جهوده لكل قضاياه، ولا سيما قضايا الأقليات الإسلامية في هذا الجزء الغالي من أرض الإسلام في أوروبا…
وفي خضم هذا الجهاد القلمي والفكري، يقدم لنا الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بحثه النفيس حول ‘أثر اللغة العربية في اللغة الألبانية’. ونحن لسنا هنا في مجال الحكم على البحث تفصيلاً، لكن الذي يقطع الطريق على أي محاولة للمزايدة أو التشكيك في أهليته، هو أن الباحث يجمع بين أمرين حاسمين: فهو أستاذ في اللغة العربية بحكم تكوينه الأزهري وتخرجه في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وهو في الوقت ذاته ألباني يتقن اللغة الألبانية تحدثاً وكتابةً، باعتباره أحد أبنائها الأصليين.”
التحليل النقدي المتكامل
1. التحليل الأدبي والخطابي:
يُبنى السرد على هيكل بلاغي قوي، يبدأ بتأسيس الهوية الأزهرية (التخرج من كلية اللغة العربية) كمصدر للشرعية العلمية الأولية. ثم ينتقل إلى تقديم الشخصية عبر تعدد الأدوار (عضو، ممثل، مندوب، محاضر، باحث)، مما يخلق صورة للشخصية المتعددة المواهب والانشغالات. يستخدم الأستاذ ظلام مصطلح “الجهاد القلمي”، الذي يحمل دلالة إيمانية وعملية عميقة، ليرفع من شأن النشاط الفكري والبحثي إلى مرتبة الكفاح والدفاع. التكرار والتأكيد على ثنائية “أستاذ في العربية” و”ألباني الأصل” يُشكِّل حجة منطقية وأدبية قاطعة، تهدف إلى إسكات النقاد مُسبقاً (قطع الطريق على المزايدة). هذه الثنائية ليست مجرد سرد لمؤهلات، بل هي بناء لأسطورة الباحث المثالي الذي يجمع بين “الموضوعية” الخارجية و”الذاتية” الداخلية في فهمه للغتين والثقافتين.
2. التحليل السياسي:
يُقرأ هذا السرد كخريطة سياسية لنشاط النخب الإسلامية في الشتات وعلاقتها بمراكز الثقل في العالم الإسلامي (مصر/الأزهر). تتبع مسيرة الدكتور بكر إسماعيل – كما يقدمها أستاذه – مساراً تكتيكياً سياسياً واضحاً: من القضية الإسلامية العامة (البوسنة) إلى القضية القومية-الدينية الخاصة (كوسوفا). هذا يعكس تطور الاستراتيجيات السياسية للأقليات المسلمة في أوروبا بعد حروب البلقان، حيث الجمع بين الخطاب الإسلامي العالمي والمطالب القومية المحلية. وصف منطقة البلقان بأنها “الجزء الغالي من أرض الإسلام في أوروبا” هو بيان سياسي بامتياز؛ فهو يؤسس لحق تاريخي وجيوسياسي للإسلام في القارة الأوروبية، ويرد بشكل غير مباشر على الخطابات التي تُصوِّر الإسلام كدخيل على أوروبا. الدور التمثيلي الذي يؤديه الدكتور بكر إسماعيل في المحافل الغربية يجعل منه “دبلوماسياً شعبياً” يحمل رواية مضادة للرواية الصربية والغربية السائدة حول كوسوفا.
3. التحليل الدبلوماسي والثقافي:
يُبرز هذا النص دور الدبلوماسية الثقافية الأزهرية في العصر الحديث. فالأزهر، من خلال خريجيه مثل الدكتور بكر إسماعيل، لم يعد مؤسسة تعليمية محلية فحسب، بل أصبح منصة لإعداد سفراء ثقافيين قادرين على العمل في الساحات الدولية. الجمع بين الانتماء الأزهري والانتماء الألباني يجعل من الدكتور بكر إسماعيل وسيطاً ثقافياً فريداً (Cultural Broker). فهو قادر على تقديم الإسلام والثقافة العربية للعالم الألباني بلغة مقبولة، وفي الوقت نفسه قادر على تقديم معاناة وقضايا المسلمين في البلقان للعالم العربي والإسلامي بمصداقية العارف والخبير. بحثه حول تأثير العربية في الألبانية هو أداة دبلوماسية حضارية عميقة؛ فهو لا يدرس كلمات بل يوثق تاريخاً من التلاقح والحوار الحضاري، مما يؤسس لجذور مشتركة وعلاقة عضوية بين العالمين العربي والأوروبي-الألباني، متحدياً بذلك نظريات “صراع الحضارات”. هذا يجعل من نشاطه نموذجاً للقوة الناعمة التي تبني الجسور وتُصحح الصور النمطية.
الخلاصة: إن شهادة الأستاذ الدكتور سعد عبد المقصود ظلام لطالبه الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي تتجاوز إطار الثناء الشخصي لتصبح وثيقة ثقافية وسياسية معبرة. فهي ترسم نموذجاً للمثقف العضوي الجديد في القرن الحادي والعشرين: العالم المتخصص الذي يحول معرفته إلى سلاح للدفاع عن الهوية، والدبلوماسي الذي يستند إلى رصيد علمي رصين، والجسر الحي الذي يربط بين المركز الإسلامي التقليدي (الأزهر) وأطراف العالم الإسلامي في أوروبا. من خلال هذا السرد، يؤكد الأستاذ العميد على أن رسالة الأزهر ليست حبيسة الجغرافيا المصرية، بل هي رسالة عالمية، يحمل لواءها خريجون يمتلكون أدوات العصر ويفهمون تعقيداته. يُظهر هذا النص كيف يمكن للغة والبحث العلمي أن يكونا أداة لفهم الآخر وإدارة الاختلاف وبناء تحالفات حضارية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين العالم الإسلامي والغربي توترات متجددة. في النهاية، تبقى هذه الشهادة تذكيراً بقوة “الجهاد القلمي” وأثره، الذي قد يفوق في ديمومته وتأثيره كثيراً من أشكال الجهاد الأخرى.
المبحث السادس: القصيدة المهداة (نُبُوءَةُ العِمْلَاق).
مُهداة من الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي إلى روح الأستاذ الدكتور سعد ظلام
عَادَ الـحَنِينُ وَهَاجَتْ فِيَّ أَشْجَانِي … لَمَّا ذَكَرْتُكَ يا “سَعْدِي” وَسُلْطَانِي
يَا فَارِسَ الضَّادِ فِي أَرْهَى مَحَافِلِهَا … وَيَا مَنَاراً لِقَاصٍ ثَمَّ أَوْ دَانِ
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ فِي “الأَزْهَرِ” هَيْبَتَكُمْ … وَالصَّوتُ يَهْدِرُ كَالشَّلالِ رَنَّانِ
كُنَّا جُلُوساً لَدَيْكُمْ كَيْ نُعَلَّ لَغَىً … فَكُنْتَ تَمْنَحُنَا رُوحاً وَإِيمَانِ
أَبْصَرْتَ فِيَّ بَقَايَا مِنْ “كُوسُوفَا” هُنَا … وَفِي عُيُونِيَ لَـحْنُ الـمُغْرَمِ العَانِي
فَقُلْتَ لِي – وَنَدَى الكَلِمَاتِ يَسْبِقُنَا -: … “يَا بَكْرُ.. أَنْتَ سَفِيرِي نَحْوَ بُلْقَانِ”
يَا سَيِّدِي.. هِيَ “رُؤْيَا” قَدْ صَدَقْتَ بِهَا … صَارَتْ حَقِيقَةَ عِزٍّ، طَوعَ أَرْكَانِي
فَكُنْتُ لِلأَرْضِ فِي مِصْرَ سَفِيراً لَهَا … لَكِنْ بِقَلْبِـيَ.. “أَزْهَرُكَ” الرَّبَّانِي
قَدَّمْتَ كُتْبِي، وَأَعْلَيْتَ لِي هِمَمِي … وَكُنْتَ لِي مَوْئِلاً فِي لَيْلِ غُرْبَانِي
عَلَّمْتَنِي أَنَّ هَذِي الضَّادَ رَابِطَةٌ … تَعْلُو عَلَى القَومِ أَوْ حُدُودِ أَوْطَانِ
يَا مَنْ نَحَتَّ مِنَ الأَوْجَاعِ قَافِيَةً … وَصُغْتَ عِلْمَكَ بَيْنَ الـخَلْقِ إِحْسَانِ
“ظَلَّامُ” نُورٍ.. وَمَا لِلظُّلْمِ عِنْدَكُمُ … إلاَّ الضِّيَاءُ الَّذِي يَجْلُو لِعَمْيَانِ
نَمْ فِي جِوارِ إلهِ العَرْشِ يَا عَلَماً … فَالغَرْسُ أَيْنَعَ فِي جَهْرِي وَإِعْلَانِي
تِلْمِيذُكَ الـيَوْمَ يُهْدِيكَ الوفَاءَ دَمًا … مَا ذَبَّ حَرْفٌ عَلَى أَوْرَاقِ دِيوَانِي
إضاءات حول القصيدة:
• نبوءة العملاق: تشير إلى قول الدكتور سعد ظلام “أنت سفير الأزهر في البلقان”، وهو ما تحقق فعلياً للدكتور بكر إسماعيل دبلوماسياً وعلمياً.
• ظلام نور: تورية لطيفة باسم العائلة (ظلام)، وكيف أن علمه وفكره كانا ضياءً يمحو الظلام.
• الرابطة الأزهرية: التأكيد على أن اللغة العربية والأزهر هما الرابط الحقيقي الذي يتجاوز الحدود الجغرافية بين مصر وكوسوفا.
الخاتمة
“في ختام هذه القراءة لـ “سيرة ومسيرة” الأستاذ الدكتور سعد ظلام، ندرك أننا أمام شخصية لم تمت برحيل جسدها في 19 أكتوبر 1999، بل ظلت حية في ثنايا ثمانين مؤلفاً، وعشرة دواوين، وآلاف الساعات الإذاعية، وفي عقول تلاميذه الذين انتشروا في أصقاع الأرض. لقد أثبت الدكتور سعد أن “الأزهري الحقيقي” هو من يجمع بين الأصالة التراثية والمعاصرة الفكرية، وهو من يستطيع أن يحول “النقد الأدبي” إلى أداة لفهم الهوية، و”الشعر” إلى رسالة دبلوماسية سامية.
إن الأثر الذي تركه الراحل الكبير في حياتنا الفكرية والسياسية والثقافية لا يزال يحتاج إلى ندوات ومؤتمرات دولية تستكشف أبعاد “المدرسة الظلامية” في النقد والسياسة التعليمية. وبالنسبة لي، سيظل لقب “سفير الأزهر في البلقان” الذي منحني إياه أستاذي، هو التكليف الأسمى الذي أعتز به، والبوصلة التي توجه عملي الدبلوماسي والعلمي، وفاءً لذكرى رجلٍ لم يكن مجرد عميد لكلية، بل كان عميداً للقيم، ورائداً للكلمة، ومنارةً أضاءت لنا دروب العلم والغربة.
رحم الله أستاذي الدكتور سعد ظلام رحمة واسعة، وجزاه عن اللغة العربية وعن تلاميذه وعن الأزهر الشريف خير الجزاء، وسيظل غرسُه ينمو ويزهر ما دامت الضاد تجمعنا، وما دام الوفاء شيمة الأوفياء.”
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]


















