“جدلية الحرف والارتجال”
تحليل من منظور فلسفي وجمالي لعمل الفنان رشيد إغلي (الجلد، الحناء، ريشة القصب)، يكشف عن تجربة فنية تربط بين “الأصل” و”الحداثة”، حيث تتحول اللوحة من مجرد تشكيل بصري إلى “بيان وجودي” للطبيعة والهوية.
فلسفة المادة: العودة إلى “الأرض والجسد”
استخدام الجلد كخامة بديلة للورق أو الكانفاس يعطي العمل بعدا “أنطولوجيا” (متعلقا بالوجود). الجلد مادة حية، كانت يوما جزءا من كائن تنفس، مما يمنح اللوحة ذاكرة عضوية.
الحناء: هي صبغة ترابية ترتبط في الوعي العربي والشرقي بالاحتفاء، والطقوس، والارتباط بالأرض. فلسفيا، الحناء تمثل “الزمن السائل”؛ فهي تترك أثرا يذوب في المسام، مما يجعل البقع البرتقالية في اللوحة تبدو وكأنها “ندوب مقدسة” أو فيض من الروح على المادة.
يبرز في وسط اللوحة حرف الألف (مركزية الوجود) المذهب والممتد بشكل عمودي خارقا الدائرة:
العمودية: تمثل الاتصال بين الأرض (المادة) والسماء (المطلق). في التصوف، الألف هو الحرف الذي تنبع منه سائر الحروف، وهو رمز للوحدانية.
اختراق الدائرة: الدائرة في الخلفية تمثل “الكون” أو “الأزلية”. عندما يشقها حرف الألف، فإنه يمثل “لحظة التكوين” أو الإرادة التي تنظم الفوضى.
جدلية الحرف والارتجال (بقع الحناء)
هناك صراع فلسفي جميل في اللوحة بين النظام والعفوية:
ريشة القصب: تمثل الانضباط، والصرامة، والقواعد التاريخية للخط العربي. هي أداة “العقل” الذي يخط الحروف بدقة داخل الدائرة.
بقع الحناء: تمثل “الفوضى المنظمة” أو الارتجال. هي بقع لا تخضع لقواعد الخط، بل تنسكب بحرية، مما يذكرنا بفلسفة “الجمال غير المكتمل” أو الجمال الذي يترك للطبيعة والمادة حق التعبير عن نفسها.
استخدام المواد الطبيعية (جلد وحناء) يجعل اللوحة تبدو وكأنها “مخطوطة قديمة” تم العثور عليها، لكن بتكوين تجريدي حديث. هذا يطرح تساؤلا فلسفيا حول الزمن: الفنان رشيد إغلي لا يرسم للمستقبل فحسب، بل يستحضر الماضي ليعيش في الحاضر. اللوحة هنا ليست “جماداً”، بل هي كائن يتنفس من خلال مسام الجلد ورائحة الحناء.
لوحة رشيد إغلي هي محاولة لـ “أنسنة الخط”. لم يعد الخط مجرد كتابة، بل أصبح جسدا (الجلد) وروحا (الحناء) وصوتا (ريشة القصب). إنها دعوة للتأمل في أصلنا الترابي وفي قدرة الحرف العربي على أن يكون جسرا بين ما هو مادي وما هو روحي.
فوزية جعيدي
عاطف الحسيني /غربة
قصة غربة : مدينةٌ كان اهلُها يُسمّونَها المدينةٌ الحُلُم .. ميناءٌ نفطي وتجاري وعشراتُ الزوارقِ والسّفُنِ لِصَيدِ الأسماك .. إمتزَجتْ...
اقرأ المزيد


















