سألوني كيف كانت زيارتك لمصر؟
فقلت:
مصر… حينُ يصيرُ التاريخُ قلبًا نابضًا، والجغرافيا صلاةَ ضوء
ليست مصر صفحةً في كتابٍ عتيق، بل كتابُ الكون المفتوح، تُقلِّبُ الريحُ أوراقَه، وتوقّعُ الشمسُ على هوامشه، وتختمُ الحضاراتُ أختامَها على غلافه الذهبي. من فجر الفراعنة إلى يقظة الحاضر، ظلّت مصر عمودَ الخيمة الإنسانية، ومختبرَ المعنى، ومحرابَ الذاكرة الكبرى. وحين حملتُ حلمَ زيارتها على كتفي، ظننته أمنيةً عابرة، فإذا به وعدًا كونيًّا يتحقق. دخلتُها وأنا أبحث عن صورة، فخرجتُ وأنا أحمل كونًا من الدهشة. وهنا ارتفعت الإشكالية في داخلي مثل سؤالٍ من نور: هل في الأرضِ أروعُ وأجملُ وأعرقُ وأكثرُ حضارةً من مصر؟
لا يسعدني في البدء إلا أن أفتح بوابة الامتنان على مصراعيها، فأشكر الدكتور ناصر رمضان، رئيس ملتقى الشعراء العرب ورئيس تحرير مجلة أزهار الحرف، الذي كان لي السند حين تعثّرت الخطوة الأولى، والأخ حين ضاقت المسافة بين الحلم والواقع، فشارك في ولادة كتابي وديواني، وتوّجني بالتكريم في اتحاد كتاب مصر، وجمعني بأدباء العرب، فأهداني ـ لا مجرد منصّة ـ بل روحًا أدبيةً جديدة، وبوصلةً داخلية أعادت ترتيب اتجاهاتي نحو المعنى. ومن هذا العطاء الإنساني بدأت رحلتي في مصر لا كسائحة تعبر الأماكن، بل ككاتبة تعبر الرؤى، وتبحث عن ذاتها في مرآة الحضارة.
وهكذا، ما إن وطئت قدماي أرضها حتى وجدتني وجهاً لوجه أمام الأهرامات؛ هناك حيث يقف الزمن على أطراف أصابعه احترامًا، وحيث يتحوّل الرمل إلى كتاب مفتوح على الأبد. لم أرَ حجارةً مصفوفة، بل سمعتُ نشيد الخلود يتردّد في تجاويف الصمت، ورأيتُ في كل ضلع سلّمًا يصعد من الأرض إلى السماء، وفي كل زاوية بوصلةً تشير إلى عبقرية الإنسان حين يتصالح مع الكون. ومن هذه الدهشة الأولى، انتقلتُ إلى المتحف المصري الكبير، فإذا بالصورة تتجاوز الإطار، والتاريخ يخلع عنه الغبار ويلبس ثوب الضوء؛ هناك صُدمت بالجمال المصفّى، جمالٍ لا يزخرف الذاكرة بل يعيد تشكيلها، ويجعل الزائر شريكًا في الحكاية لا مجرّد متفرّج.
ثم حملتني الخطوات إلى شارع المعز، فكان العبور فيه أشبه بمشيٍ داخل كتاب حيّ؛ الحجارة تنطق، والأبواب تحكي، والقباب تطرّز السماء بخيوط الدعاء. وعند جامع الأزهر توقّفتُ طويلًا، لأن المكان هناك ليس بناءً، بل فكرة كبرى تمشي على أعمدة، ومنارة تعلّم العقل كيف يكون رحيمًا، وتعلّم القلب كيف يكون واسعًا كالأفق. ومن هذا الامتلاء الروحي انحدرتُ نحو النيل، فإذا به لا يمرّ بي كنهر، بل يمرّ فيّ كقصيدة؛ خطف وجداني، وعلّمني أن الماء قد يكون ذاكرة سائلة، وأن الجريان ليس حركةً فقط، بل معنى يتجدّد مع كل موجة.
وعلى إيقاع هذا السحر، وصلتُ إلى ساحة التحرير، فرأيت المكان وقد تحوّل إلى ذاكرة جماعية، وإلى مسرحٍ للوعي الحيّ؛ هناك فهمتُ أن الميادين ليست فراغات حجرية، بل فضاءات تُصاغ فيها كرامة الشعوب. وبعدها، في المدينة الرياضية، شاهدت وجهًا آخر لمصر؛ وجه الجسد المتحرّك نحو المستقبل، حيث يتحوّل العرق إلى أمل، واللعب إلى لغة عالمية توحّد القلوب، فتكتمل صورة الوطن بين فكرٍ يحفظ التاريخ وطاقةٍ تصنع الغد.
وإلى جانب هذا الامتلاء الروحي والجمالي، جاء إحياء رأس السنة 2026 ليضيف طبقةً أخرى من السحر على التجربة؛ ليلة لم تكن احتفالًا زمنيًا عابرًا، بل عبورًا رمزيًا إلى ذاكرة مصر الصوتية، حيث حضرت كوكب الشرق أم كلثوم لا كصورة أرشيفية، بل ككائنٍ حيٍّ يسكن الوجدان الجمعي. ومع عرض فيلم «الست» للفنانة منى زكي، شعرتُ أنني لا أشاهد سيرة فنية، بل أنغمس في نقاء امرأة صاغت بصوتها هوية أمة، وجعلت الغناء فعلَ مقاومةٍ للجفاف الروحي. هناك، في تلك اللحظة، امتزج الفن بالتاريخ، والذاكرة بالحاضر، حتى بدا لي أن مصر لا تحتفل برأس سنة جديدة، بل تُجدّد عهدها مع الخلود، وتعلن أن حضارتها لا تُحفظ في المتاحف فقط، بل تُغنّى، وتُعاد صياغتها في الوجدان جيلاً بعد جيل.
ولأن الرحلة لا تكتمل دون لمس التفاصيل الصغيرة، جلستُ أمام صحن كشري، فوجدتني أمام حكاية شعبية بطعم الفلسفة؛ خليطٌ بسيط يصنع لذة عظيمة، كما تصنع مصر من تنوّعها وحدة، ومن اختلافها نغمة واحدة للفرح. ومع ذلك، ومع كل هذا الامتلاء، وجدتني في نهاية المطاف عاجزة عن احتواء المشاعر في قوالب اللغة؛ فكلما حاولت أن أصف، انفلت الإحساس من القلم، وكلما أردت أن أكتب، سبقني القلب إلى ارتعاشٍ صامت، لأدرك أن بعض التجارب تُعاش أكثر مما تُقال.
مصر ليست بلدًا… مصر جنةٌ تمشي على قدمين من بشرٍ طيبين. ورأيتُ في الإنسان المصري مثالًا حيًّا للدفء والكرم، وتجسّد ذلك بأبهى صورة في الدكتور الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد الذي يلخّص معنى الإنسانية، ومعه زوجته الكريمة أزهار جبر، اللذان كانا نافذتين من نور، فتحا لي دروب هذه الجنائن، فصار السفر معرفة، والزيارة رسالة.
مصر حبّ، وحضارة، وأمان، وسعادة. هي معادلة نادرة تجمع الماضي والمستقبل في حضن الحاضر.
من أراد أن يرى الإنسان في أبهى صوره، والحضارة في أعمق جذورها، فليزر مصر… وليزرها ثانيةً وثالثةً ورابعة، فكل زيارة ولادة جديدة.
تحياتي وتقديري لكل مصري ساهم في بناء هذا الوطن، ولو بكلمةٍ طيبة؛ فالكلمات أحيانًا ترفع أهرامًا غير مرئية في قلوب الناس.


















