الخميس, يناير 22, 2026
  • أسرة التحرير
  • مجلة أزهار الحرف
  • مكتبة PDF
  • الإدارة
azharalharf – مجلة أزهار الحرف
  • الرئيسية
  • أخبار
  • أدب
    • النقد
    • التراجم
    • القصة
    • شعر
    • الزجل
  • الفن التشكيلي
  • اخترنا لك
  • تنمية بشرية
  • حوارات
  • فلسفة
  • مقالات
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار
  • أدب
    • النقد
    • التراجم
    • القصة
    • شعر
    • الزجل
  • الفن التشكيلي
  • اخترنا لك
  • تنمية بشرية
  • حوارات
  • فلسفة
  • مقالات
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
azharalharf – مجلة أزهار الحرف
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
  • الرئيسية
  • أسرة التحرير
البداية مقالات

كوسوفا في فكر عبد الصبور مرزوق: قضية ضمير وأمة بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

ناصر رمضان عبد الحميد by ناصر رمضان عبد الحميد
يناير 22, 2026
in مقالات
كوسوفا في فكر عبد الصبور مرزوق: قضية ضمير وأمة بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

كوسوفا في شهادة عبد الصبور مرزوق: بين النصرة الشرعية والوعي السياسي

بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: [email protected]
مقدمة: من المقال الصحفي إلى المشروع الفكري التوثيقي
لم يكن الاشتغال على سِيَر الأعلام الكبار في الفكر الإسلامي المعاصر ترفًا معرفيًا، ولا مجرد وفاءٍ شخصيٍّ لعلاقات علمية وإنسانية، بل هو – في جوهره – فعلُ توثيقٍ حضاريٍّ وقراءةٌ نقديةٌ لتجارب فكرية أسهمت في تشكيل الوعي الإسلامي في زمنٍ بالغ التعقيد. ويأتي هذا المقال الموسَّع عن الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق (1924–2008م) في هذا السياق؛ سياق استعادة نموذج العالم الذي جمع بين العلم والموقف، وبين الفكر والمسؤولية، وبين النص والواقع.
وقد بدأ اهتمامي العلمي والفكري بهذه الشخصية في وقتٍ مبكر، حينما كنت شاهدًا مباشرًا على مواقفه الداعمة لقضايا الأمة الإسلامية، ولا سيما قضية كوسوفا. ففي عام 2000م ألّفتُ كتابًا بعنوان:
“الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق ودوره البارز في خدمة قضية كوسوفا”،
وذلك توثيقًا لعلاقته المميزة بقضية شعبي، ولجهوده الفكرية والدبلوماسية المتواصلة في التعريف بها ونصرتها في المحافل الإسلامية والدولية. وقد مثّل هذا الكتاب، في حينه، محاولةً مبكرة لرصد هذا الجانب الإنساني والسياسي من شخصيته، وربطه بمنهجه الفكري القائم على الوسطية وفقه النصرة والمسؤولية.
كما سبق لي أن تناولتُ شخصية الدكتور عبد الصبور مرزوق في مقالٍ صحفي مبكر بعنوان:
“أحد الشخصيات البارزة في الفكر الإسلامي المعاصر: الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق وجهوده تجاه قضايا الأمة الإسلامية”، المنشور في صحيفة الحياة (مصر)، بتاريخ 19 يناير 2003، وذلك في مرحلة كانت فيها بعض أبعاد مشروعه الفكري والدعوي لا تزال قيد الفعل والتأثير المباشر. وقد ركّز ذلك المقال على إبراز حضوره العام، ودوره في الدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها مواجهة التطرف الفكري، ونصرة القضايا الإسلامية العادلة، وفي القلب منها قضية كوسوفا.
أما هذا العمل الحالي، فقد جاء بعد مرور سنوات على رحيله، وبعد اتساع المادة التوثيقية، ونضج الرؤية التحليلية، وإضافة فصول جديدة وشهادات مباشرة، فضلًا عن قصيدة رثائية تعبّر عن البعد الوجداني والإنساني للعلاقة التي ربطتني به. ومن هنا، لم يعد المقال مجرد تعريف بشخصية علمية، بل تحوّل إلى نص تركيبي يجمع بين السيرة الفكرية، والتحليل النقدي، والتجربة الشخصية، والشهادة التاريخية، والتأمل الأدبي.
يسعى هذا المقال الموسَّع إلى إعادة قراءة إرث الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق بوصفه عالمًا ومفكرًا ودبلوماسيًا ثقافيًا، آمن بأن نصرة القضايا العادلة ليست خطابًا عاطفيًا، بل مسؤولية علمية وأخلاقية، وبأن الوسطية ليست موقعًا وسطًا بين تطرفين، بل موقفًا واعيًا يتطلب شجاعةً فكريةً واستقامةً أخلاقية.
النشأة والتكوين: بين الأزهر ودار العلوم
وُلد عبد الصبور عبد المؤمن مرزوق في قرية “بي العرب” بالمنوفية (١٩٢٤م)، وتلقى تعليمه الأول في كُتَّاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم في سنٍ مبكرة، مما هيأه لاكتساب ملكة اللغة العربية وقوة البيان. كانت دراسته في الأزهر (حتى الشهادة الثانوية ١٩٤٤م) ثم انتظامه في كلية دار العلوم (حتى الليسانس بامتياز ١٩٤٨م) علامةً على تكوينٍ فريد: أزهري الهوية، درعمي المذاق. هذا المزج بين المنهجية الأزهرية المتينة في العلوم الشرعية والعربية، والمنهج الحداثي لدار العلوم في الأدب والعلوم الإنسانية، أنتج عالماً يجيد الحوار مع التراث والتفاعل مع المعاصرة.
المسار الأكاديمي والإسهام الأدبي
حصل على الماجستير (١٩٥٥م) بدراسةٍ حول “الخطابة السياسية في مصر منذ الاحتلال البريطاني إلى إعلان الحماية”، ثم الدكتوراه (١٩٦٦م) بدراسةٍ موسعة عن “أدب ثورة ١٩١٩ في مصر”. هاتان الرسالتان تكشفان عن اهتمامه المبكر بتفاعل الأدب مع السياسة والتاريخ، وربط الخطاب الفكري بالتحولات المجتمعية. وقد أسهم هذا التخصص في صقل رؤيته لأدب الدعوة، حيث ألف لاحقاً كتابه المتميز “أدب الدعوة في عصر النبوة”، الذي يعد مرجعاً في دراسة الخطاب النبوي من منظورٍ أدبيٍ تحليلي.
الأثر الفكري والديني: مدافع الوسطية في مواجهة التطرف
يشكل دور الدكتور مرزوق كأمين عام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (١٩٩١-٢٠٠٨م) نقطة محورية في مساره. في فترة اشتداد المواجهة بين الدولة والتيارات المتطرفة في تسعينيات القرن العشرين، تحولت مجلة “منبر الإسلام” (التي أشرف عليها المجلس) إلى منصةٍ فكريةٍ عالية المستوى للدفاع عن الفكر الوسطي. لم يكن خطاب مرزوق دفاعياً فحسب، بل كان تأصيلياً؛ حيث قدّم في كتابه “منهجية التغيير الاجتماعي في القرآن الكريم” (١٩٩٨م) رؤيةً قرآنيةً متكاملةً للتغيير السلمي التدريجي، رافضاً العنف والانحراف باسم الدين. لقد مثَّل مرزوق نموذجاً للعالم المجتهد الذي يرفض الانزلاق إلى التسطيح الفقهي أو الاستغراق في التجريد النظري، مع الحفاظ على رباطة الجأش والشجاعة في قول الحق.
الإسهام الدبلوماسي والثقافي: رابطة العالم الإسلامي والمركز الثقافي بالصومال
عمل مرزوق مديراً للمركز الثقافي الإسلامي بالصومال (١٩٥٦-١٩٥٩م)، ثم شغل منصب مساعد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي (١٩٧٦-١٩٨١م). هذه المرحلة وسّعت أفقه ليصبح دبلوماسياً ثقافياً إسلامياً، زار خلالها معظم البلدان الإسلامية، وتعرّف على مشكلاتها عن قرب. من هنا نما اهتمامه بقضايا الأمة الكبرى، ومنها قضية كوسوفا التي خصص لها بحثاً عميقاً. هذه الخبرة الميدانية جعلت كتاباته تجسِّد وعي الواقع وفقه الأولويات، بعيداً عن التنظير المجرد.
المشروع العلمي الموسوعي والإسهام الاقتصادي الفكري
يشكل مشاركته في إعداد “الموسوعة القرآنية” (ستة مجلدات) إسهاماً منهجياً في تقديم القرآن الكريم في صورةٍ عصريةٍ منظمة. كما أن كتابه “الغزو الفكري: أهدافه وأساليبه” يعد مرجعاً في نقد الآليات الثقافية للاستعمار الحديث. أما من الناحية الاقتصادية، فقد كان مرزوق يدرك أن الاستقلال الفكري والاقتصادي وجهان لعملة واحدة، وكان يربط في خطاباته بين التحرر من التبعية الثقافية وضرورة بناء النموذج التنموي الإسلامي المستقل.
العلاقة مع قضية كوسوفا
لقد كان الدكتور عبد الصبور مرزوق نصيرًا لقضية كوسوفا، حيث دعمها فكريًا ودبلوماسيًا، وكتب عنها بوعي إنساني عميق. وقد وثّقتُ هذا الدور في كتابي الذي حمل اسمه، ليبقى شاهدًا على تضامن العلماء العرب والمسلمين مع قضايا الشعوب المقهورة. إن موقفه من كوسوفا يعكس التزامه الأخلاقي والإنساني بقضايا العدالة والحرية.
لقاء بكر إسماعيل – ممثل كوسوفا في مصر – بالأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق:
شاهد على التزام العالم الإسلامي بقضايا الأمة
اللقاء الأول: بداية العلاقة في أحلك الأوقات
في بداية نكبة المسلمين في البوسنة، وأنا لا أزال طالبًا في مرحلة الماجستير وممثلًا لمسلمي يوغوسلافيا السابقة، كان أول لقائي بالأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق. جاء اللقاء في لحظة تاريخية حرجة، حيث كانت المشاكل تتفاقم في يوغوسلافيا وبدأت بعض الجمهوريات في المطالبة بالاستقلال. في تلك الأثناء، حضر إلى مصر مفتي البوسنة ونائب رئيس حزب العمل الديمقراطي البوسنوي، ورئيس حزب المسلمين في إقليم السنجق الدكتور سليمان أبلاشين، والتقينا معًا بالأستاذ الدكتور مرزوق. كان ذلك اللقاء التأسيسي بدايةً لعلاقة امتدت عبر السنوات، قوامها الثقة المتبادلة والالتزام العميق بقضايا العالم الإسلامي.
استمرار التعاون: من الوزارة إلى المجلس الأعلى
لم يتوقف التعاون عند ذلك اللقاء الأول، بل تواصل عبر مناسبات عديدة. كلما قدم وفد من يوغوسلافيا إلى مصر، كنت أرافقه في زيارة إلى سيادته، سواء في مكتبه أو في وزارة الأوقاف خلال انعقاد المؤتمرات الصحفية. كان الدكتور مرزوق يستقبلنا دومًا **بصدر رحب**، وكأن قضايا المسلمين في البلقان جزءٌ لا يتجزأ من همومه اليومية. لم يكن مجرد مسؤول يستقبل زوارًا، بل كان عالمًا يشعر بمعاناة إخوانه، ويعمل جاهدًا لتقديم المساعدة الفكرية والدعوية والدبلوماسية.
عمق الوعي واتساع الأفق
كان الدكتور مرزوق – بحكم عمله السابق أمينًا لرابطة العالم الإسلامي –على دراية تامة بوضع المسلمين في يوغوسلافيا عموماً، وفي البوسنة وكوسوفا خصوصاً. لم يكن يحتاج إلى شرح للخلفيات التاريخية أو التعقيدات السياسية؛ فقد كان يتابع الأحداث بعين الخبير الذي يعرف خريطة التوترات الإثنية والتدخلات الدولية. هذه الخلفية مكنته من تحليل الأحداث بعمق، وتقديم الرؤى التي تجمع بين الشرعية الإسلامية والواقعية السياسية.
كوسوفا: قضية حية في قلبه وبرنامجه
حينما وقع العدوان على كوسوفا، أصبحت لقاءاتنا مع الدكتور مرزوق منتظمة ومكثفة. كنا نلتقي به بصفة مستمرة لنزوده بأحدث المعلومات من الميدان، ولنناقش معه سبل التعريف بالقضية في المحافل الدولية. وكان لا يتوانى – حقًا – عن التحدث عن كوسوفا في كل مؤتمر أو ندوة أو اجتماع. بل إنه كان أول من بادر بدعوة المفكر الإسلامي الكوسوفي الشيخ محيي الدين أحمد لحضور المؤتمر العالمي للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ليتحدث بنفسه عن القضية، وليشرح أبعادها كاملةً. كانت تلك خطوة بالغة الأهمية، لأنها أعطت فرصة تاريخية لسماع صوت كوسوفا مباشرةً من أحد أبنائها في محفل إسلامي عالمي رفيع.
التفكير الشامل: من كوسوفا إلى ألبانيا وما وراءها
لم تكن كوسوفا هي القضية الوحيدة التي جمعتنا بالدكتور مرزوق، بل كانت جزءًا من رؤيته الشاملة لأوضاع المسلمين في البلقان. فقد كنا نناقش معه أيضًا أوضاع المسلمين في ألبانيا، واحتياجاتهم التعليمية والدعوية والاجتماعية. كان يدعم فكرة دراسة أوضاعهم بشكل منهجي، وتقديم المساعدات التي تعزز وجودهم وتصون هويتهم. كان يعتبر أن قضايا المسلمين مترابطة، وأن النهوض بأمة الإسلام يتطلب عملًا متوازيًا في كل الجبهات.
خلاصة: عالم لم يقف عند حدود الكتب
كان الدكتور عبد الصبور مرزوق نموذجًا نادرًا للعالم الذي لا يفصل بين الفكر والميدان. لقد عاش قضايا الأمة كأنها قضاياه الشخصية، وفتح مكتبه وعقله وقلبه لكل من جاءه طالبًا مساعدة أو ناقلًا همًا. تعامله مع قضية كوسوفا – كما مع غيرها – لم يكن تعاملاً شكليًا أو إعلاميًا، بل كان التزامًا أصيلاً وعميقًا نابعًا من إيمانه بواجب نصرة المسلمين أينما كانوا. لقد كان – بحق –سفيرًا للقضايا الإسلامية في أروقة الفكر والمؤسسات، وسيظل نموذجه نبراسًا لكل من يعمل في مجال الدعوة والدبلوماسية الإسلامية.
عبد الصبور مرزوق وقضية كوسوفا – فقه النصرة بين النظرية والتطبيق
مقدمة الفصل: كوسوفا كاختبار للأمة وضميرها
في العقد الأخير من القرن العشرين، شهدت جغرافية البلقان واحدة من أبشع حلقات التطهير العرقي في أوروبا الحديثة، حيث تحولت كوسوفا – ذات الأغلبية المسلمة – إلى ساحة لمأساة إنسانية قلّ نظيرها. لم تكن هذه الأحداث مجرد صراع سياسي حدودي، بل كانت امتحاناً وجودياً لضمير الحضارة الغربية من جهة، واختباراً حقيقياً لوعي الأمة الإسلامية ومنظومة قيمها من جهة أخرى. في هذا السياق التاريخي المعقد، يبرز الدور الذي اضطلع به الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق، ليس فقط كمدافع عن قضية مضطهدة، بل كـ منظِّرٍ استراتيجي حوّل الدفاع عن كوسوفا من رد فعل عاطفي إلى مشروع فكري وسياسي متكامل. يعالج هذا الفصل أبعاد هذا الدور، محللاً خطابه وفعله، ومستقصياً رؤيته التي جمعت بين حرارة الدعوي وبرودة المحلّل السياسي، وبين إلحاحية النصرة الشرعية وتعقيدات الموازنات الدولية.
١. التحليل النقدي للأزمة: من الوصف إلى التشريح
لم يكتفِ مرزوق بتسجيل الانتهاكات الإنسانية في كوسوفا، بل انطلق في تحليلٍ معمّق لجذور الأزمة، مفتِّشاً عن البُنى الفكرية والسياسية التي أتاحت هذه المأساة. في مقاله التأسيسي “كوسوفا لؤلؤة البلقان المسلمة والخطر العظيم”، تجاوز السرد الإعلامي السطحي ليكشف عن تحوّلٍ جيوسياسي خطير في مرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ حيث رأى أن الإسلام قد حلّ محلّ الشيوعية بوصفه “العدو الأخضر” في المخيال الاستراتيجي الغربي. هذا التحليل لم يكن مؤامراتياً بقدر ما كان قراءةً واقعية للممارسات الدولية الانتقائية، حيث تتبخر شعارات حقوق الإنسان وحقوق الشعوب عندما يتعلق الأمر بشعوب مسلمة.
في مقدمته المؤثرة لكتاب أطفال كوسوفا بين مآسي الماضي وآمال المستقبل”، قدم مرزوق تشريحاً نفسياً ووجودياً للمأساة، حيث حلّل “الموت ثلاثاً” الذي تعرض له الطفل الكوسوفي: الموت الجسدي لمن حوله، والموت المعنوي أثناء المواجهة، وأخيراً “الموت النفسي الداخلي” الذي يترك الناجي جسداً بلا روح. هذا التحليل الأدبي العميق حوّل الضحايا من أرقام إحصائية إلى كيانات إنسانية مكسورة، مما أعطى للقضية بُعداً تراجيدياً تجاوز السجال السياسي إلى سؤالٍ عن مصير الإنسانية نفسها.
٢. فقه النصرة: بين الواجب الشرعي والعجز السياسي
واجه مرزوق المأزق الأخلاقي والسياسي الكلاسيكي الذي تعيشه النخب الإسلامية المعاصرة: كيف توفق بين واجب النصرة الشرعي المطلق، وبين واقع العجز والتفكك الذي تعيشه الأمة؟ كانت إجابته عبر صياغة “فقه النصرة الشامل” الذي يرفض الثنائيات الزائفة. فمن جهة، رفض اختزال النصرة في البعد العسكري المستحيل آنذاك، مؤكداً على ضرورة حشد “كل القوى الدبلوماسية والسياسية”. ومن جهة أخرى، رفض التذرع بالعجز العام كذريعة للتقاعس الكلي، فدعا إلى تحريك كل ما يمكن تحريكه، ولو كان الحد الأدنى من الإغاثة والدعم الدبلوماسي والتعريف.
تميّز خطابه بالتوفيق بين الحِملْيْن: حِمل البشارة للمضطهدين بالصبر والثواب والأجر، وحِمل النذارة للأمة المتخاذلة بتذكيرها بمسؤولياتها وخطورة تقصيرها. كان يخاطب أهل كوسوفا بلغة الواعظ المؤمن: “صبراً يا أهل كوسوفا فإن نصر الله آتٍ”، مستحضراً نماذج الصبر من السيرة النبوية. وفي الوقت نفسه، كان يخاطب الأمة بلغة الناقد الاجتماعي الحاد: **”إننا نعيش عصر الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت”، في إشارة مباشرة للحديث النبوي.
٣. النقد الذاتي: تشريح عطب الجسم الإسلامي
كان من أبرز سمات موقف مرزوق جرأته في توجيه النقد الذاتي للمؤسسات الإسلامية والعربية. فقد وصف دعم الدول العربية بأنه كان “دون المطلوب بكثير”، ولام مؤسسات الإغاثة وهيئات الهلال الأحمر على تقصيرها في تقديم العون. هذا النقد لم يكن انبطاحياً ولا انهزامياً، بل كان نابعاً من رؤية إصلاحية تريد للأمة أن ترتقي إلى مستوى مسؤولياتها. لقد حوّل مرزوق مأساة كوسوفا إلى مرآة كاشفة لعطب الأمة الداخلي: تفككها، وتخاذلها، وارتهان إرادتها، وغياب رؤيتها الاستراتيجية.
في هذا السياق، رأى أن العجز ليس كمياً (فالأمة مليار ونصف) ولا جغرافيا (فها هي دول البلقان على أعتاب أوروبا)، بل هو عجز في الإرادة والرؤية. وهو ما عبّر عنه بقوله: “إخوانكم في كوسوفا ينتظرون الكارثة ويتوقعون بين لحظة وأخرى أن يفعل بهم الصرب المتوحشون مثل ما فعلوا بإخوانهم في البوسنة… إنها فقط مسألة وقت”. هذه العبارة تحمل إدانة مبطنة لكل من يقف متفرجاً وهو يعلم بالكارثة القادمة.
٤. رؤية ما بعد الأزمة: من إغاثة الجسد إلى إعادة بناء النفس
تجاوزت رؤية مرزوق مرحلة الطوارئ والإغاثة العاجلة إلى التخطيط للمرحلة الانتقالية، أي مرحلة ما بعد وقف العدوان الصربي. لقد أدرك أن تخليد الضحايا وإعادة بناء المباني لا يكفيان، بل إن التحدي الأكبر يكمن في “إعادة أملهم في الحياة”، كما كتب في مقدمته. دعا إلى برنامج متكامل يشمل المنح الدراسية، والمعونات الثقافية، والزيارات المكثفة لتذويب شعور الوحشة، مؤكداً أن “زمناً طويلاً لابد أن يمر قبل أن تضمد الجروح”.
هذه الرؤية الاستباقية تكشف عن عقلية الإصلاحي المؤسسي الذي يفكر في بناء الإنسان والمجتمع، لا في مجرد رد الفعل على الأزمات. إنها الرؤية نفسها التي جعلته يتبنى قضية كوسوفا في مناهج معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، ليضمن لها استمرارية الاهتمام الأكاديمي والفكري بعد أن يخفت الضجيج الإعلامي.
٥. شهادة في حق ممثل الكوسوفيين: نموذج للجسر بين الضحايا والأمة
في هذا السياق، تأتي شهادة الدكتور مرزوق التاريخية في حق الدكتور بكر إسماعيل، ممثل كوسوفا في مصر، كنموذج عملي لـ “فقه النصرة” الذي يدعو إليه. لم تكن شهادته مجرد كلمات مجاملة، بل كانت توثيقاً لدور حيوي في معادلة الدفاع عن القضية. قوله: “أشهد، ولا أزكي على الله أحداً، أن الأخ بكر إسماعيل… يقوم بدور إيجابي نشيط في خدمة قضايا كوسوفا”، هو اعتراف بأن القضايا العادلة تحتاج إلى “سفراء حقيقيين” يتحولون إلى جسور حية بين مناطق الألم ومناطق التأثير.
هذه الشهادة تكشف أيضاً عن المنهج التكاملي في فكر مرزوق، الذي يرى أن خدمة القضية الكوسوفية لا تنفصل عن “خدمة ما يتصل بالقضايا الإسلامية عامة”. فالنصرة ليست انتماءً عرقياً أو إقليمياً ضيقاً، بل هي جزء من شبكة التضامن الإسلامي الأوسع. إن دعوته بأن يجعل الله هذا الجهد “في ميزان حسناته” ليست مجرد دعاء تقليدي، بل هي صياغة لاهوتية تربط بين العمل الدنيوي والأجر الأخروي، معبّرة عن رؤية الإسلام للعمل الإنساني كجزء من العبادة.
خاتمة الفصل: كوسوفا كبارايدغم للفعل الإسلامي في عالم معولم
لا يمكن اختزال دور عبد الصبور مرزوق في قضية كوسوفا في كونه كان “مدافعاً شجاعاً” فحسب، بل يجب فهمه كـ “منظِّرٍ لفعل إسلامي أخلاقي” في عالم ما بعد الحرب الباردة. لقد حوّل كوسوفا من قضية إعلامية عابرة إلى بارايدغم (نموذج إرشادي) يحتذى في التعامل مع قضايا الأمة المضطهدة. في هذا النموذج، يُجمع بين:
1) البعد الإنساني العميق الذي يرى الضحايا كأرواح مكسورة وليس كأرقام.
2) التحليل السياسي الواقعي الذي يفكك بنى القوة والهيمنة الدولية.
3) النقد الذاتي الجريء الذي لا يتورع عن تشريح علل الأمة.
4) الرؤية الاستراتيجية الشاملة التي تخطط للمراحل الانتقالية وما بعد الأزمات.
5) الخطاب التوازني الذي يجمع بين بشارة المظلومين ونذارة المتخاذلين.
بهذا، يكون مرزوق قد قدّم درساً عملياً في فقه الأولويات في زمن الفتن والتداخلات، مؤكداً أن سكوت العالم عن ظلم شعب مسلم هو بيان عملي عن موقف حضاري من الإسلام وأهله. وكوسوفا، في نهاية المطاف، لم تكن في فكره مجرد قطعة أرض متنازع عليها، بل كانت قضية ضمير تعرّي موازين القيم في عالم يزعم أنه وصل إلى قمة التحضّر.
مرافئ التقدير.. شهادة التاريخ في خدمة القضية
(قراءة في شهادة الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق حول تمثيل “كوسوفا” في مصر)
في أروقة العمل الإسلامي والدولي، تبرز شخصيات لا تكتفي بنقل الخبر، بل تصنع الأثر. ومن هذه النوافذ المضيئة، تأتي شهادة القامة الفكرية والدعوية الكبيرة، الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق، لترسم ملامح الدور الذي اضطلع به الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل في تمثيل “كوسوفا” داخل قلب العروبة والإسلام “مصر”. إن هذه الشهادة ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي توثيق لجهد دبلوماسي وإنساني كُتب بمداد الإخلاص في ظروف سياسية معقدة.
النص المحرر
سُئل الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق حول رأيه في الدور الذي نقوم به تجاه مسؤولية تمثيلنا لـ “كوسوفا” في “مصر”، فأجاب سيادته متفضلاً:
“أشهد ـ ولا أزكي على الله أحداً ـ أن الأخ بكر إسماعيل، ممثل كوسوفا، يقوم بدور إيجابي نشيط في خدمة قضايا كوسوفا في جميع المناسبات التي تتصل بحاضرها ومستقبل أوضاعها، كما يشارك أيضاً بدور إيجابي نشيط في خدمة ما يتصل بالقضايا الإسلامية عامة.. وأسأل الله أن يجعل في ميزان حسناته ما يقوم به، والله خير الشاهدين.”
التحليل النقدي والأدبي
من الناحية الأدبية، اتسم نص الدكتور مرزوق بالإيجاز غير المخل، وهو أسلوب العلماء الذين يزنون الكلمة بميزان الذهب:
• التواضع المعرفي: استهلال الشهادة بعبارة “ولا أزكي على الله أحداً” يعكس صبغة دينية وأدبية رفيعة، تعطي للشهادة مصداقية أخلاقية وتجردها من أي غرض شخصي.
• التكرار الممنهج: تكرار وصف “دور إيجابي نشيط” مرتين لم يكن لغوياً، بل هو توكيد لفظي يهدف لترسيخ صفة “الديناميكية” في شخصية الممثل (بكر إسماعيل)، ليوضح أنها ليست مجرد وظيفة رسمية بل حركة مستمرة.
• ثنائية (الخاص والعام): الربط بين “قضايا كوسوفا” و”القضايا الإسلامية عامة” يعكس رؤية أدبية شمولية، تنظر إلى الجزء (كوسوفا) كعضو حيوي في جسد الكل (الأمة).
التحليل السياسي والدبلوماسي
تمثل هذه الشهادة وثيقة سياسية هامة في سياق “الدبلوماسية الشعبية”:
1. الاعتراف بالتمثيل: في وقت كانت فيه كوسوفا تبحث عن هويتها الدولية، يمثل اعتراف شخصية بحجم د. مرزوق بـ “ممثل كوسوفا” دعماً سياسياً ومعنوياً كبيراً للشرعية النضالية لهذا الشعب.
2. الاستشراف المستقبلي: إشارة النص إلى “حاضرها ومستقبل أوضاعها” تعني أن العمل لم يكن إغاثياً لحظياً، بل كان رؤية إستراتيجية تهدف لبناء كيان سياسي مستدام لكوسوفا.
3. مصر كمركز ثقل: اختيار “مصر” كساحة لهذا النشاط يعكس الذكاء السياسي في اختيار منصة إقليمية ودولية قادرة على تحريك الرأي العام العالمي تجاه القضية الكوسوفية.
4. تكامل الأدوار: أظهر التحليل أن بكر إسماعيل لم ينعزل بقضيته القومية، بل دمجها ضمن الهمّ الإسلامي العام، مما ضمن لها عمقاً استراتيجياً وتضامناً عابراً للحدود الجغرافية.
إن شهادة الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق تظل وساماً يزين صدر العمل الوطني الكوسوفي في مصر، وهي تذكير بأن القضايا العادلة تحتاج إلى رجال يجمعون بين “النشاط الإيجابي” و”الإخلاص العقدي”. لقد نجح الأستاذ بكر إسماعيل، بشهادة الأكابر، في أن يكون جسراً متيناً وصلت عبره صرخة كوسوفا إلى منابر التأثير، لتظل ذكراه وذكراهم محفورة في وجدان التاريخ كنموذج للعطاء بلا حدود.
أقوال الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بشأن الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق
1. توصيفه الشخصي والفكري لمرزوق:
> “كان عالماً ثقة، معروفاً بجرأته، لا يخاف في الحق لومة لائم، مهمومًا بقضايا الأمة… قيضه الله للدفاع عن الفكر الوسطي في أحلك فترات المواجهة الفكرية مع جماعات التشدد.”
2. وصف منهجه وكتاباته:
> “سَخَّرَ قلمه ليكون في الصفوف الأولى لمواجهة موجة إرهابية عاتية… ليقدم للأمة أنموذجًا لعالم نحرير وأسد جسور يقوم بإطفاء نيران الفكر المتطرف.”
3. شهادته على علاقته العملية به ودوره في قضية كوسوفا:
> “كان الدكتور مرزوق أول من يرسل دعوة رسمية للمفكر الإسلامي الكوسوفي الشيخ محيي الدين أحمد… ليحضر مؤتمر المجلس الأعلى ليتحدث بنفسه عن قضية كوسوفا… مما أعطى فرصة كبيرة لشرح القضية من خلال صوت كوسوفا نفسها لأول مرة.”
4. تقييمه لدوره كدبلوماسي ثقافي:
> “أتاحت له فترة عمله برابطة العالم الإسلامي زيارة معظم البلدان الإسلامية، والتعرف على مشكلاتها… فنال مزية حسن إدراك الواقع والتعرف على قضايا الأمة فكانت كتابته تجسد حال العالم الذي يسعف الأمة بالحلول.”
5. الخلاصة التي يقدمها عن إرثه:
> “لقد كان رجل دولةٍ بمعنى ما، لكنه كان قبل كل شيء رجل أمة، يؤمن بأن نهضة المسلمين لن تأتي إلا بفكر وسطي متوازن، يجمع بين ثوابت الدين ومتطلبات العصر.”
الخلاصة النهائية:
تبيّن هذه الأقوال المتبادلة نموذجًا فريدًا للشراكة بين الفكر والعمل، وبين العالم الرباني والدبلوماسي النشط. تصريح مرزوق عن بكر إسماعيل هو اعترافٌ بدور “سفير القضية” الذي يحوّل الهم الفردي إلى عمل مؤسسي. وكلمات بكر إسماعيل عن مرزوق هي شهادةٌ على دور “المنظّر الحكيم” الذي يضع المأساة في إطارها الفكري والاستراتيجي الأوسع. معًا، يشكلان حالةً دراسيةً في كيف يمكن للعلاقة الشخصية المبنية على الثقة والاحترام أن تتحول إلى قوة دافعة لخدمة قضية إنسانية كبرى، وتسجل صفحة مضيئة من صفحات التضامن الإسلامي في العصر الحديث.
قصيدة مهداة إلى روح الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق،
من كوسوفا إلى مصر،
بقلم الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي،
من كوسوفا إلى مصر
إلى روح الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق
يا فارسَ الفكرِ، يا نَبْعَ الوسطيّةِ الصافي
يا من جعلتَ من الحرفِ
جسرًا
ومن الكلمةِ
رايةَ حقٍّ لا تنكسر
سلامٌ عليك
من جبالِ كوسوفا الجريحة
حيثُ ما زال الأذانُ
يتوضأُ بالدمع
ويحرسُ الذاكرة
سلامٌ عليك
من أرضٍ عرفتَ اسمَها
قبل أن تعرفها نشراتُ الأخبار
وحملتَ جرحَها
كأنّه جرحُك
ودافعتَ عنها
كأنّك وُلدتَ في ترابِها
يا ابنَ الأزهرِ ودارِ العلوم
يا من جمعتَ
صرامةَ العالم
ورقّةَ الأديب
وبصيرةَ الداعية
وحكمةَ الدبلوماسي
علّمتَنا
أنّ الوسطيةَ
ليستْ منطقةً رماديّة
بل قمّةٌ عالية
لا يبلغها
إلّا الشجعان
وأنّ نصرةَ المظلوم
ليستْ شعارًا
بل موقف
وثبات
ودفعٌ للثمن
كم تحدّثتَ عن كوسوفا
لا بوصفها قضية
بل بوصفها إنسانًا
يُذبحُ على مرأى العالم
وأنتَ
كنتَ الصوتَ
حين صمتت الأصوات
كنتَ تقول:
اصبروا
لكن لا تسكتوا
وتحركوا
ولو بالكلمة
فإنّ الكلمة
إذا صدقت
تصيرُ فعلًا
يا عبدَ الصبور
وكان اسمُك قدَرَك
صبرتَ على زمنِ الفتن
وحملتَ أمانةَ الفكر
في زمنِ الضجيج
نمْ مطمئنًّا
فما زالت كلماتُك
تمشي بيننا
وما زال منهجُك
ميزانًا
نزنُ به الغلوَّ
والتفريط
من كوسوفا
أبعثُ إليك
دعاءَ أمٍّ ثكلى
وابتسامةَ طفلٍ نجا
وشهادةَ وفاء
ومن مصر
تصعدُ روحُك
محفوفةً
بالعلم
والصدق
والنية
رحمك الله
يا عالمَ الأمة
يا شاهدَ الحق
يا صديقَ كوسوفا
في زمنِ المحنة
وسلامٌ عليك
يوم وُلدتَ
ويوم حملتَ القلمَ سيفًا
ويوم رحلتَ
وبقي الأثر
تحليل أدبي موجز للقصيدة
تنتمي القصيدة إلى الشعر الرثائي الفكري الذي يتجاوز البكاء العاطفي إلى تأبين القيم والمواقف. فالمتكلِّم لا يرثي شخصًا فحسب، بل يرثي مشروعًا فكريًا وأخلاقيًا تمثله شخصية الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق.
تعتمد القصيدة على الخطاب الندائي المباشر (“يا فارس الفكر”، “يا عبد الصبور”) بما يخلق علاقة وجدانية حية بين الشاعر والمرثي، ويمنح النص بعدًا حواريًا يتجاوز الغياب الجسدي. كما يوظف الشاعر الرمز المكاني (كوسوفا – مصر) بوصفه جسرًا حضاريًا وإنسانيًا، فيتحول الرثاء إلى شهادة تضامن عابرة للجغرافيا.
تقوم الصورة الشعرية على التضاد الدلالي: الكلمة في مقابل السيف، الصمت في مقابل الصوت، الجرح في مقابل الذاكرة، وهو تضاد يعكس رؤية المرثي القائمة على الوسطية بوصفها قوة فاعلة لا موقفًا حياديًا. أما اللغة، فجاءت جزلة واضحة، تمزج بين النبرة الوجدانية والتقرير الفكري، مما ينسجم مع طبيعة الشخصية المُمجَّدة: عالم، مفكر، وداعية.
وتختتم القصيدة بتأكيد فكرة استمرار الأثر بعد الرحيل، حيث تتحول الكلمة إلى فعل، والمنهج إلى ميراث، وهو ما يمنح النص بعدًا أخلاقيًا وتربويًا يتجاوز لحظة الرثاء إلى أفق الاستلهام.
يسعدني ذلك. فيما يلي مقدمة موسَّعة وخاتمة عامة متكاملتان، منسجمتان مع طبيعة المقال بعد توسيعه بالفصول والشهادة والقصيدة، وتشتملان بوضوح أكاديمي على الإشارة إلى مقالك السابق المنشور في صحيفة الحياة (مصر، 19 يناير 2003)، مع الحفاظ على نبرة علمية تأبينية رصينة.
خاتمة: عبد الصبور مرزوق… بقاء الأثر بعد رحيل الجسد
يُظهر هذا العرض الموسَّع لحياة الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق وفكره ومواقفه أن الحديث عنه لا يندرج في باب الرثاء التقليدي، بل في باب تقويم تجربة فكرية متكاملة كان لها أثرها الواضح في زمنٍ اتسم بالاستقطاب الحاد، والصدام بين التيارات، والتشويش على صورة الإسلام في الداخل والخارج.
لقد مثّل مرزوق نموذجًا للعالم الذي أدرك أن الوسطية ليست موقفًا رماديًا بين طرفين، بل هي موقف أخلاقي شجاع يتطلب علمًا راسخًا، وبصيرة بالواقع، واستعدادًا لدفع ثمن الكلمة. ومن خلال مسيرته الأكاديمية، وعمله المؤسسي، وكتاباته الفكرية، ومواقفه العملية من قضايا الأمة – وفي مقدمتها قضية كوسوفا – قدّم مثالًا حيًّا على إمكانية الجمع بين:
• الثبات على الأصول والانفتاح على العصر،
• الالتزام الشرعي والوعي السياسي،
• الخطاب الدعوي والبعد الإنساني العالمي.
إن الفصول المضافة، والشهادات المتبادلة، والقصيدة المهداة إلى روحه، لا تأتي بوصفها عناصر تكميلية، بل بوصفها مكوّنات كاشفة عن تعدّد مستويات التأثير: تأثيره في الفكر، وفي الموقف، وفي الوجدان، وفي العلاقات العابرة للجغرافيا. وهو ما يؤكد أن عبد الصبور مرزوق لم يكن عالم مؤسسة فحسب، بل كان عالم أمة.
وبين المقال الذي نُشر عام 2003، وهذا النص الموسَّع الذي يُكتب بعد رحيله، مسافة زمنية كافية لإعادة التقييم بهدوء وموضوعية. وهي مسافة تُظهر أن ما كتبه وما قاله وما دافع عنه لم يكن استجابة ظرفية لحدث عابر، بل تعبيرًا عن مشروع فكري متماسك لا يزال صالحًا للاسترشاد به في مواجهة أزمات الفكر الديني المعاصر.
رحل الجسد، وبقي الأثر. وبقيت الكلمة التي آمن بها، والمنهج الذي دافع عنه، والمواقف التي سجّلها شاهدًا على زمنٍ كان في أمسّ الحاجة إلى أمثال عبد الصبور مرزوق: علماءَ يملكون الشجاعة كما يملكون العلم، والحكمة كما يملكون الموقف.
قائمة المراجع
1. إسماعيل، بكر. (2000). كوسوفا أمة مضطهدة. القاهرة: المؤسسة آلبا برس.
2. إسماعيل، بكر. (2000). الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق ودوره البارز في خدمة قضية كوسوفا. القاهرة: المؤسسة آلبا برس.
3. إسماعيل، بكر. (2003، 19 يناير). “أحد الشخصيات البارزة في الفكر الإسلامي المعاصر: الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق وجهوده تجاه قضايا الأمة الإسلامية”. جريدة الحياة المصرية.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]

مشاركةTweetPin

آخر ما نشرنا

كوسوفا في فكر عبد الصبور مرزوق: قضية ضمير وأمة بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
مقالات

كوسوفا في فكر عبد الصبور مرزوق: قضية ضمير وأمة بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

يناير 22, 2026
2

كوسوفا في شهادة عبد الصبور مرزوق: بين النصرة الشرعية والوعي السياسي بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي E-mail: [email protected] مقدمة:...

اقرأ المزيد
حضور /زهرة النابلي

حضور /زهرة النابلي

يناير 22, 2026
11
ليندا حجازي /صفعة قدر

ليندا حجازي /صفعة قدر

يناير 22, 2026
16
الفنانة التشكيلية المغربية حسناء الشرتي لمجلة أزهار الحرف حاورها من المغرب محمد زوهر

الفنانة التشكيلية المغربية حسناء الشرتي لمجلة أزهار الحرف حاورها من المغرب محمد زوهر

يناير 21, 2026
34
الشيخ إسماعيل صادق العدوي: عالمٌ مجاهد وأثرٌ خالد بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل  الكوسوفي

الشيخ إسماعيل صادق العدوي: عالمٌ مجاهد وأثرٌ خالد بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

يناير 21, 2026
5
  • الأكثر شعبية
  • تعليقات
  • الأخيرة

ليل القناديل /مريم كدر

يناير 15, 2024
ومضات /رنا سمير علم

رنا سمير علم /قصور الروح

أغسطس 11, 2022

ومضة /رنا سمير علم

أغسطس 11, 2022

الفنانة ليلى العطار وحوار مع أسرتهالمجلة أزهار الحرف /حوار مي خالد

أغسطس 23, 2023

ومضة

ومضات

زمن الشعر

عطش

كوسوفا في فكر عبد الصبور مرزوق: قضية ضمير وأمة بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

كوسوفا في فكر عبد الصبور مرزوق: قضية ضمير وأمة بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

يناير 22, 2026
حضور /زهرة النابلي

حضور /زهرة النابلي

يناير 22, 2026
ليندا حجازي /صفعة قدر

ليندا حجازي /صفعة قدر

يناير 22, 2026
الفنانة التشكيلية المغربية حسناء الشرتي لمجلة أزهار الحرف حاورها من المغرب محمد زوهر

الفنانة التشكيلية المغربية حسناء الشرتي لمجلة أزهار الحرف حاورها من المغرب محمد زوهر

يناير 21, 2026

الأكثر مشاهدة خلال شهر

عبد الله الحضري… حين يتحوّل الإرشاد السياحي إلى وعيٍ أثريٍّ وانتماءٍ مصريٍّ أصيل بقلم ناصر رمضان عبد الحميد
مقالات

عبد الله الحضري… حين يتحوّل الإرشاد السياحي إلى وعيٍ أثريٍّ وانتماءٍ مصريٍّ أصيل بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

ديسمبر 30, 2025
154

اقرأ المزيد
الدكتورة ندى محمد صالح لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان الدكتورة جيهان الفغالي

الدكتورة ندى محمد صالح لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان الدكتورة جيهان الفغالي

ديسمبر 18, 2025
250
رؤية تحليلية: نجاد داتشي بعيون الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

رؤية تحليلية: نجاد داتشي بعيون الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

يناير 2, 2026
100
ومضات /رنا سمير علم

رنا سمير علم /قصور الروح

أغسطس 11, 2022
3.1k
عيناك/زلفا أبو علي

عيناك/زلفا أبو علي

يناير 6, 2026
77
جميع الحقوق محفوظة @2022
لا نتيجة
أظهر جميع النتائج
  • الرئيسية
  • أسرة التحرير